من إدلب إلى الساحل: جهاديو مالي يُعيدون إنتاجَ النموذج السوري

في شمال مالي ووسطها، لا تكتفي الجماعات الجهادية بتوسيع نفوذها العسكري، بل تسعى أيضًا إلى بناء نموذج حكم محلي يستلهم تجربة “هيئة تحرير الشام” في إدلب. وبين فشل المقاربات الأمنية وتصاعد الدعوات إلى التفاوض، تدخل مالي مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة الصراع في الساحل الأفريقي.

مقاتلو “هيئة تحرير الشام” يقومون بدوريات في مدينة سلمية خلال حملتهم للإطاحة ببشار الأسد، 7 كانون الأول/ديسمبر 2024.

كورين دوفكا*

في الشهر الماضي، بدا أنَّ المجلس العسكري الحاكم في مالي يقف على حافة انهيارٍ غير مسبوق. فالجماعات الإسلامية المسلحة، وفي مقدمتها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، نفّذت هجومًا واسع النطاق ومُنَسَّقًا مع مقاتلين طوارق انفصاليين، استهدف قواعد عسكرية متباعدة تمتد عبر مئات الكيلومترات. وأسفرت العمليات عن مقتل وزير الدفاع في هجوم جريء قرب العاصمة باماكو، إلى جانب سقوط عدد من البلدات الاستراتيجية في شمال البلاد بيد المهاجمين. ولم يعد المشهد يقتصر على هجمات متفرقة، بل بات يشير إلى تحوّل نوعي يضع السلطة العسكرية في موقع الدفاع، في ظل استمرار الحصار الذي تفرضه الجماعة منذ أشهر على طرق إمداد الغذاء والوقود إلى العاصمة، بالتوازي مع تكثيف عملياتها في الأرياف والمناطق النائية.

ومنذ اندلاع الأزمة المالية عام 2012، حين استغل الجهاديون تمرّد الطوارق لتوسيع نفوذهم العسكري والسياسي، تراكمت مؤشرات الفشل في المقاربة الأمنية البحتة. وعلى مدى أكثر من عقد، تحدثتُ إلى مئات القرويين والأئمة والسياسيين والجنود، فضلًا عن أشخاص يعيشون داخل المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” أو يرتبطون بها بصورة مباشرة. وما يتكرر اليوم على ألسنة كثيرين منهم هو قناعة متزايدة بأنَّ الحسم العسكري لم يعد خيارًا واقعيًا. فبعد سنوات من المواجهات، لا تبدو الدولة قادرة على استعادة السيطرة الكاملة، كما لا تبدو الجماعات المسلحة في طريقها إلى التراجع. ولهذا، يبرز خيار التفاوض بين الحكومة المالية والجماعة المسلحة بوصفه مسارًا قد يصبح حتميًا أكثر منه اختياريًا.

قد تبدو فكرة التفاوض مع جماعة مصنَّفة إرهابية أمرًا صادمًا أو مستحيلًا سياسيًا، غير أنَّ تجارب السنوات الأخيرة تُظهر أنَّ التحوّلات داخل الحركات الجهادية ليست مستبعدة دائمًا. ففي سوريا، نجحت “هيئة تحرير الشام”، التي تعود جذورها إلى تنظيم “القاعدة”، في الانتقال تدريجًا من موقع التنظيم المعزول دوليًا إلى لاعب سياسي يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه سلطة براغماتية قادرة على إدارة الحكم بعد سقوط نظام الأسد. كما تحوّل زعيمها أحمد الشرع من شخصية مطلوبة مقابل مكافأة أميركية إلى رئيس انتقالي يحظى باعتراف وانفتاح سياسي متزايد. وبغض النظر عن خصوصية الحالة السورية، فإنها تعكس حقيقة باتت تفرض نفسها في عدد من النزاعات المعاصرة: الجماعات المسلحة قد لا تُهزم دائمًا بالقوة، بل قد يُعاد دمجها عبر تسويات سياسية تفرضها موازين الميدان.

الساحل على حافة الانهيار

في ظل هذا المشهد المتأزم، يبرز سؤال بات مطروحًا بقوة داخل الأوساط السياسية والأمنية: هل يمكن أن تشهد مالي مسارًا مشابهًا لما حدث في سوريا، حيث انتقلت جماعة مسلحة ذات خلفية جهادية من العزلة إلى الانخراط في ترتيبات سياسية؟ وهل تستطيع إدارة الرئيس دونالد ترامب لعب دور في دفع المجلس العسكري المالي وجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” نحو طاولة التفاوض؟ بالنسبة إلى عدد متزايد من المسؤولين والمحللين الأميركيين، لم تعد هذه الفرضيات بعيدة تمامًا من الواقع، خصوصًا مع تصاعد الأصوات داخل مالي نفسها، من رجال دين وزعماء مجتمعيين وسياسيين، التي ترى أنَّ الحوار لم يعد مجرد خيار ديبلوماسي، بل ربما المسار الوحيد القادر على وقف الانهيار المستمر.

ومنذ تفجّر النزاع عام 2012، تحوَّلت مالي تدريجًا إلى بؤرة التمرد الجهادي في منطقة الساحل، وهي المنطقة الشاسعة الممتدة عبر غرب أفريقيا والتي تعاني أصلًا هشاشة اقتصادية وأمنية مزمنة. وخلال أكثر من عقد، خلّف الصراع آلاف القتلى وملايين النازحين، بينما تدهورت أوضاع المجتمعات المحلية بصورة كارثية. واليوم، باتت جماعات التمرُّد في الساحل مسؤولة عن أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالميًا، في مؤشر يعكس حجم التدهور الذي شهدته المنطقة رغم سنوات طويلة من التدخُّلات الدولية.

كما كشفت الهجمات الأخيرة التي شنتها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” عن عمق الأزمة التي تواجهها المؤسسة العسكرية المالية، ليس فقط على مستوى القدرات الميدانية، بل أيضًا على مستوى التحالفات الخارجية التي راهنت عليها باماكو خلال السنوات الماضية. فبعد تراجع النفوذ الغربي، اتجه المجلس العسكري نحو موسكو طلبًا للدعم الأمني، غير أنَّ الشركاء الروس يجدون أنفسهم اليوم أمام مأزق يشبه إلى حد كبير الإخفاقات التي واجهتها القوى الغربية من قبل.

فعلى مدى عقدين تقريبًا، أنفقت فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مليارات الدولارات لتدريب الجيوش المحلية في الساحل، وتزويدها بالسلاح والمعلومات الاستخباراتية، في محاولة لاحتواء التمدد الجهادي. لكن النتيجة جاءت معاكسة إلى حد بعيد؛ إذ توسعت الجماعات المرتبطة بتنظيم “القاعدة”، إلى جانب تنظيم “الدولة الإسلامية” الأكثر تشددًا وعنفًا، ونجحت في توسيع مناطق نفوذها، حتى باتت تهدد دولًا مجاورة ترتبط بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن.

وفي موازاة الإخفاق الأمني، لم تحقق الجهود الغربية الرامية إلى دعم التحوُّل الديموقراطي استقرارًا حقيقيًا في المنطقة. فمنذ عام 2020، شهدت مالي وبوركينا فاسو والنيجر سلسلة من الانقلابات العسكرية التي أطاحت حكومات منتخبة، في تعبيرٍ واضح عن هشاشة المؤسسات السياسية وفشل الدولة في استعادة ثقة الشارع. وحتى برامج المساعدات الإنسانية والتنموية، التي ضخّت فيها الولايات المتحدة وأوروبا موارد ضخمة لمواجهة الفقر المدقع وتحسين الظروف المعيشية في الساحل، لم تتمكن من وقف دوامة العنف والانهيار، ما عزز لدى كثيرين القناعة بأنَّ المقاربات التقليدية وصلت إلى طريق مسدود.

على خطى إدلب: كيف تعيد “نصرة الإسلام” تشكيل صورتها؟

وبحسب مصادر مطلعة على ديناميكيات جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، فضّلت عدم الكشف عن هويتها نظرًا لحساسية الملف، فإنَّ قيادة الجماعة تُتابع عن كثب التجربة التي مرت بها “هيئة تحرير الشام” في سوريا، وترى فيها نموذجًا يمكن الاستفادة من بعض عناصره. فالجماعة السورية، التي كانت تُصنّف سابقًا ضمن أكثر التنظيمات الإسلامية تشدُّدًا، نجحت تدريجًا، بدعمٍ تركي مباشر، في إعادة تشكيل صورتها السياسية والعسكرية خلال فترة سيطرتها على محافظة إدلب شمال غربي سوريا. ومع مرور الوقت، انتقلت من مجرد ميليشيا جهادية إلى سلطة أمر واقع تحاول تقديم نفسها بوصفها كيانًا أكثر براغماتية وقدرة على الإدارة. ثم جاءت اللحظة المفصلية عندما تمكنت، عبر هجوم خاطف استمر 12 يومًا، من إنهاء حكم بشار الأسد الذي استمر 24 عامًا، في تطور فاجأ كثيرًا من العواصم الغربية والإقليمية.

ومع ذلك، تدرك قيادات “نصرة الإسلام والمسلمين” —كما تؤكد المصادر نفسها— أنَّ المقارنة بين الحالتين ليست كاملة. فالجماعة المالية لا تمتلك داعمًا إقليميًا بحجم تركيا، قادرًا على توفير الغطاء العسكري والتدريب والموارد السياسية التي استفادت منها “هيئة تحرير الشام”. كما تختلف طبيعة البيئة الجغرافية والسياسية في الساحل الأفريقي عن المشهد السوري المعقد. لكن، رغم هذه الفوارق، ترى أوساط داخل الجماعة أنَّ بعضَ ملامح التجربة السورية قد يكون قابلًا للتكييف مع الواقع المالي، خصوصًا في ما يتعلق بإعادة التموضع السياسي وكسب الحاضنة المحلية.

وفي هذا السياق، يبدو أنَّ جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تحاول، على غرار “هيئة تحرير الشام”، إعادة صياغة صورتها وتخفيف ارتباطها الإيديولوجي والتنظيمي بتنظيم “القاعدة”، تمهيدًا لتقديم نفسها بوصفها حركة تمرُّد محلية ذات طابع ديني وسياسي، أكثر من كونها امتدادًا لمشروع “الجهاد العالمي”. وتشير المصادر إلى أنَّ الجماعة تراجعت بصورة ملحوظة عن بعض أساليبها الأكثر دموية، لا سيما الهجمات العشوائية على المدنيين التي طبعت عملياتها قبل نحو عقد. ويقول أحد سكان القرى في وسط مالي إنَّ ممثلي الجماعة “باتوا يتحدثون أقل عن الجهاد العالمي، وأكثر عن المشكلات المحلية اليومية”، في إشارةٍ إلى التحوُّل في خطابها ومحاولتها الاقتراب من أولويات المجتمعات الريفية.

وقد تعزّزَ هذا الانطباع بعد الهجوم الأخير الذي شنته الجماعة، إذ ظهرت مؤشّرات إلى سعيها لترسيخ نموذج حكم محلي شبيه بما فعلته “هيئة تحرير الشام” في إدلب، داخل المناطق الشمالية والوسطى من مالي الواقعة فعليًا تحت نفوذها. ويقول سكان من تلك المناطق إنَّ الجماعة خففت بعض ممارساتها المتشددة استجابةً لضغوط المجتمعات المحلية، بما في ذلك تجاه الأقليات المسيحية. كما عملت على إنشاء هياكل موازية لإدارة النزاعات المرتبطة بالأراضي وموارد المياه، خصوصًا الخلافات المتكررة بين المزارعين المستقرين والرعاة الرُحَّل، فضلًا عن تدخلها للحد من أعمال السطو وقطع الطرق.

وفي ظل الغياب شبه الكامل لمؤسسات الدولة المالية عن كثير من المناطق الريفية، نجحت هذه الترتيبات في منح الجماعة قدرًا من القبول المحلي، أو على الأقل فرضتها باعتبارها سلطة قادرة على توفير حد أدنى من الأمن والتنظيم. وهو واقع يفسّر، جزئيًا، كيف استطاعت الجماعة ترسيخ نفوذها الاجتماعي إلى جانب توسعها العسكري خلال السنوات الأخيرة.

بين خيار الحرب وإغراء التفاوض

ومع ذلك، فإنَّ أيَّ محاولة لمقارنة جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” بتجارب التحوُّل السياسي التي شهدتها جماعات مسلحة أخرى لا ينبغي أن تُغفل طبيعة الجماعة الحقيقية وسجلها العنيف. فالجماعة لم تُعلن رسميًا فك ارتباطها بتنظيم “القاعدة”، كما إنَّ شبكتها المالية المعقدة، التي تعتمد على عمليات الخطف وفرض الضرائب غير القانونية وسرقة الماشية، ما تزال تمثل مصدر دعم مالي مهم للتنظيم الأم. وإلى جانب ذلك، ارتكبت الجماعة انتهاكات واسعة النطاق، واستمرت في فرض سيطرتها عبر الترهيب وقمع الحريات العامة، خصوصًا بحق النساء، في المناطق الخاضعة لنفوذها.

لكن في المقابل، لا تبدو الدولة المالية نفسها نموذجًا ديموقراطيًا قادرًا على اكتساب الشرعية بسهولة في مواجهة الجماعات المسلحة. فمنذ استيلائه على السلطة، عمل المجلس العسكري الحاكم على حل الأحزاب السياسية وتضييق مساحة الحريات الإعلامية، إلى جانب قمع المعارضين وإسكات الأصوات المنتقدة. كما تواجه القوات المسلحة المالية اتهامات خطيرة بارتكاب انتهاكات واسعة خلال عملياتها العسكرية ضد الجماعات المتمردة، خصوصًا بالتعاون مع حلفائها الروس.

ومن بين أكثر الحوادث دموية، تبرز مجزرة قرية مورا عام 2022، حيث أُعدم أكثر من 500 رجل خلال عملية عسكرية أثارت إدانات دولية واسعة. كما تشير تقارير حديثة إلى أنَّ القوات الحكومية قتلت خلال الأسبوع الماضي عشرات المدنيين في وسط مالي، في حين استخدمت قنابل عنقودية ضد مواقع للمتمردين في الشمال، ما يفاقم المخاوف من اتساع دائرة الانتهاكات ضد السكان المدنيين.

وقد ساهم هذا المناخ القائم على العنف والانتهاكات المتبادلة في تعزيز قدرة الجماعات الجهادية على التجنيد واستقطاب المقاتلين، مستفيدة من تنامي مشاعر الغضب والإحباط داخل المجتمعات المحلية، ليس فقط بسبب العمليات العسكرية، بل أيضًا نتيجة تفشّي الفساد وضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن توفير الخدمات الأساسية.

في هذا السياق، تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إعادة بناء قنوات التواصل مع المجلس العسكري في مالي، انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بالأمن الإقليمي ومواجهة النفوذ الروسي، فضلًا عن ضمان الوصول إلى المعادن الحيوية التي تكتسب أهمية متزايدة في الاستراتيجية الأميركية. وتشمل هذه الجهود رفع العقوبات عن بعض المسؤولين الماليين واستئناف التعاون الاستخباراتي، وهو ما ساهم، بحسب مصادر أميركية، في تنفيذ غارة جوية عام 2025 استهدفت أحد قادة الجماعات الجهادية. كما لا تستبعد هذه المصادر توسيع نطاق الدعم العسكري والاستخباراتي لمساعدة باماكو في استهداف قيادات بارزة داخل جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”.

غير أنَّ هذا الخيار ينطوي على مخاطر معقدة. فعلى خلاف تنظيم “الدولة الإسلامية”، لم توجه جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تهديدات مباشرة للولايات المتحدة، كما إنَّ استهداف قياداتها قد يدفعها إلى تبنّي مواقف أكثر تشدُّدًا تجاه واشنطن. ويرى بعض المراقبين أنَّ تكثيف الضربات الأميركية أو المدعومة أميركيًا قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال تقويض أي تحوُّل داخلي محتمل داخل الجماعة، أو دفع عناصرها مجددًا نحو الارتباط الوثيق بتنظيم “القاعدة”، وربما حتى تعزيز الانشقاقات التي قد تصب في مصلحة تنظيم “الدولة الإسلامية” في غرب أفريقيا، المنافس الأكثر تطرفًا وعنفًا.

ورُغمَ أنَّ فرص نجاح أي مفاوضات محتملة بين الحكومة المالية وجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تبقى غير مضمونة، فإنَّ مجرد فتح قنوات الحوار قد يحقق أهدافًا مهمة تتجاوز الوصول إلى تسوية نهائية للصراع. فمن شأن هذه المحادثات أن تساعد على فهم طبيعة أهداف الجماعة داخل مالي ومنطقة الساحل، وحدود علاقتها بتنظيم “القاعدة”، فضلًا عن اختبار مدى استعدادها للانخراط في ترتيبات سياسية محلية.

كما قد تتيح المفاوضات التوصل إلى تفاهمات أولية تتعلق بحماية المدنيين وتقليص الانتهاكات، إلى جانب رسم خطوط حمراء واضحة تعكس أولويات المجتمع المالي، سواء في ما يتعلق بالحياة السياسية والدينية أو بحقوق النساء، التي تظل واحدة من أكثر القضايا حساسية وأهمية في أي تسوية مستقبلية محتملة.

لماذا لا تستطيع واشنطن تجاهل مالي؟

وفي ظلِّ انسداد الأفق العسكري وتآكل فعالية المقاربات الأمنية التقليدية، تبدو الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها الأوروبيين والأفارقة ودول الشرق الأوسط المعنية بالملف، في موقع يسمح لها بلعب دور الوسيط أو المُيَسِّر لحوار مالي ـ مالي قد يفتح نافذة نحو تسوية سياسية أوسع. وقد يكون إنشاء مجموعة اتصال خاصة بمالي ومنطقة الساحل خطوة عملية لتنسيق الجهود الدولية والإقليمية، ودعم مسار تفاوضي يستند إلى الخصوصية الاجتماعية والسياسية للبلاد، بدل الاكتفاء بالحلول العسكرية العابرة.

ومن شأن هذا المسار أن يُعيدَ إحياء التقاليد التاريخية التي اعتمدتها المجتمعات المالية طويلًا في احتواء النزاعات بين المكونات العرقية والقبلية المختلفة، عبر الوساطات المحلية والتفاهمات المجتمعية. ورُغمَ أنَّ النموذج السوري لا يزال هشًا ومفتوحًا على احتمالات متعددة، فإنه يقدّم، بالنسبة إلى بعض الأطراف، مثالًا على إمكانية انتقال جماعة مسلحة من موقع التهديد العابر للحدود إلى فاعل سياسي يسعى إلى تثبيت شرعيته المحلية عبر قدر من البراغماتية والانفتاح النسبي.

وربما لا تبدو مالي، من منظور أميركي مباشر، ساحة تشكل تهديدًا وشيكًا للأمن القومي للولايات المتحدة. غير أنَّ استمرار تجاهل ما يجري في منطقة الساحل ينطوي على مخاطر استراتيجية بعيدة المدى. فالمنطقة تجمع اليوم بين معدلات فقر مرتفعة، ونمو سكاني متسارع، ومساحات شاسعة خارجة عن سيطرة الدولة، فضلًا عن احتياطيات ضخمة من المعادن الحيوية التي تزداد أهميتها عالميًا. وفي قلب هذا المشهد، تتوسع جماعات مسلحة متنوعة — جهادية وانفصالية وإجرامية — باتت تمتلك قدرات تكنولوجية متطورة، تشمل الطائرات المسيّرة وأدوات الذكاء الاصطناعي، ما يرفع مستوى التهديدات المحتملة بصورة غير مسبوقة.

لقد تحوّل الصراع في مالي بالفعل إلى مصدر هائل للمعاناة الإنسانية وعدم الاستقرار في منطقة الساحل بأكملها. ومع استمرار تآكل سلطة الدولة وتزايد نفوذ الجماعات المسلحة، فإنَّ تَركَ الأزمة تتفاقم من دون انخراط دولي جاد لن يؤدي فقط إلى تعميق انهيار المنطقة، بل قد يخلق بمرور الوقت بيئة أكثر خطورة وتعقيدًا تتجاوز حدود غرب أفريقيا نفسها.

Exit mobile version