“الديبلوماسية المائية”… كيف يُحوِّلُ لبنان العِلمَ إلى سلاحٍٍ سيادي في معارك المياه والسلام؟

في لحظةٍ إقليمية تتشابك فيها الحروب مع أزمات المناخ وشحّ الموارد، يعود ملف المياه ليتقدّم إلى واجهة الصراع والتفاوض في الشرق الأوسط. ومن قلب هذه التحوّلات، يطرح المقال التالي “الديبلوماسية المائية” كمسارٍ يجمع بين العلم والقانون الدولي لبناء السلام، والدفاع عن السيادة، وتأمين مستقبل الأمن الغذائي والاستقرار الإقليمي.

من قلب الأزمات، يولد الأمل حين تلتقي المعرفة بالإرادة… فالمستقبل لا تصنعه الحروب، بل الشراكات التي تحمي الإنسان والطبيعة معًا.

البروفِسور فادي جورج قمير*

مع انطلاق جولة المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي بدأت على مستوى السفراء في واشنطن خلال نيسان (أبريل) الماضي برعاية أميركية، تتجه الأنظار إلى المسار التفاوضي المرتقب الهادف إلى التوصُّل لاتفاقٍ ينهي حالة الحرب التي أثقلت لبنان بكلفة بشرية ومادية هائلة، تمثلت في سقوط الضحايا، ونزوح آلاف السكان، والدمار الواسع للبنى التحتية. وفي موازاة البحث في ملفات إعادة النازحين إلى قراهم وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، يبرز ملف الحقوق المائية اللبنانية كأحد العناوين الجوهرية التي لا يمكن فصلها عن أيِّ تسوية مقبلة، نظرًا إلى تاريخٍ طويل من الخلافات المرتبطة بالمياه والحدود المائية المشتركة.

وفي هذا الإطار، يشكل حوض نهر الأردن محورًا أساسيًا في أيِّ مقاربة تفاوضية، ليس بالنسبة إلى لبنان فحسب، بل أيضًا ضمن مشهد إقليمي ودولي يتسم بتداعيات التغير المناخي، وتصاعد النزاعات الجيوسياسية، وتفاقم ندرة الموارد الطبيعية. ومن هنا، تتقدم الديبلوماسية العلمية بوصفها إحدى الأدوات الأكثر فاعلية في الحد من الأزمات، ورافعة أساسية لدعم مسارات بناء السلام وتعزيز الاستقرار المستدام.

وقد مثَّـلَ لبنان، على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، مختبرًا حَيًّا حقيقيًّا لهذا النّهج من خلال مفهوم “الديبلوماسيّة المائيّة” (Hydrodiplomacy) والديبلوماسيّة العلميّة، وهو المفهوم الذي بادرتُ إلى إطلاقه وتطويره في مطلع التّسعينيّات من القرن الماضي. هذا المفهوم، الّذي اعتمَدَته منظّمة اليونسكو عام 2015 في إطار منشورها المعنون بـ: “الديّبلوماسية العلميّة وإدارة المياه العابرة للحدود: حالة نهر العاصي، يُسلِّط الضوء على مدى قدرة استخدام النّماذج العلميّة القابلة للتّحقّيق والمبنيّة على أدلّة مثبّتة في تحقيق ما يلي:

إنّ هذا الشّكل الجديد من حوكمة الدّيبلوماسيّة العلميّة، والذي أطلقتُ عليه اسم “الديبلوماسية المائية”، يقوم على قناعة أساسيّة: وهي أنّ المياه يجب ألّا تكون أبدًا سببًا للحرب، بل جسرًا للتّعاون والاستقرار والتّنمية المستدامة. فهي تجمع بين العلم، والقانون الدّوليّ، والمؤشّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والمفاوضات الديبلوماسيّة، والحوكمة الإقليميّة، بهدف تحويل الأحواض العابرة للحدود إلى مساحات للحوار والتلاقي في سبيل نهضة الدول وتحقيق الازدهار المشترك.

يُعدّ هذا النّهج اليوم أكثر أهمّيّة من أيِّ وقتٍ مضى لدول الشّرق الأوسط، وتحديدًا للبنان، في سياق المفاوضات الحاليّة والتّحديّات المرتبطة بإعادة الإعمار الوطنيّ، والأمن الغذائيّ، والاستقرار في المنطقة عامَّةً وفي لبنان وجنوبه خاصَّةً.

التّغيّر المناخيّ: واقع مُدّوِّي

تقف منطقة الشّرق الأوسط اليوم في خطّ المواجهة الأوّل في مواجهة حالة الطّوارئ المناخيّة. وهو واقعٌ يثير القلق، أكّدته الدّراسات المعمّقة التي أُجريت في إطار “مبادرة المناخ” التي أطلقها معهد قبرص (Cyprus Institute) في أعقاب مؤتمر (21 COP)، وقد جمعت المبادرة 240 خبيرًا علميًا من منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، ساهموا في أعمال 15 لجنة تقنيّة وإصدار 15 تقريرًا.  ومن بين هذه التّقارير، تقرير “مجموعة العمل الخاصة بالمياه” (مبادرة التّغيّر المناخيّ في شرق المتوسّط والشّرق الأوسط – تقرير مجموعة عمل الموارد المائيّة) الّتي تشرَّفتُ بقيادتها ضمن هذه المبادرة، ممّا أتاح لي قياس مدى خطورة الوضع بشكلٍ ملموس.

وقد استندت مجموعة العمل الخاصّة بالمياه إلى أعمال علميّة مرجعيّة لزملائي في معهد قبرص، لا سيّما تلك الّتي نشرها جورج زيتيس (George Zittis) ويوس ليليفيلد (Jos Lelieveld) عامّ 2021 حول منطقة شرق المتوسّط والشّرق الأوسط، والّتي تُسلّط الضّوء على اختلالات كبرى في معدّل درجات الحرارة السّنويّة مقارنة بالفترة المرجعيّة 1986-2005.

وبالفعل، وفقًا لتوقّعات السّيناريو التشاؤمي (8.5 RCP) “العمل كالمعتاد”، فإنّ منطقتنا تتّجه نحو مواجهة ارتفاعٍ حادّ ومستمرّ في معدّلات درجات الحرارة على اليابسة بحلول نهاية القرن، قد يصل أو يتجاوز 5 درجات مئويّة. هذا الارتفاع الشّديد يتناقض بشكل كبير مع سيناريو الاستقرار (2.6 RCP)، الّذي قد ينجح في الحفاظ على الاختلال الحراريّ في حدود 1 إلى 1.5 درجة مئويّة.

لا شكّ أنّ تأثير هذا التطرّف المناخيّ على دورة المياه مباشر ومدمّر وخير مثال على ذلك درنة في ليبيا وأثينا في اليونان عام 2023. فالتّغيّر المناخيّ يغيّر بشكل كبير أنماط هطول الأمطار، ممّا يؤدّي إلى حدوث موجات جفاف وفيضانات أكثر تكراراً وشدّة، قادرة على عرقلة إمدادات المياه بشكل خطير وتدمير البنى التّحتيّة المائيّة القائمة. وبالموازاة مع ذلك، يؤدّي الارتفاع المستمرّ في درجات الحرارة إلى تسريع معدلات التّبخّر، ممّا يقلّل بشكل حادّ من توفّر موارد المياه السّطحيّة والجوفيّة. ومن شأن هذا الإجهاد المائيّ أن يؤدي حتماً إلى انهيار القطاع الزّراعيّ والتّدمير الكامل للأمن الغذائيّ، ممّا يضرب بقوّة حوض جنوب شرق البحر الأبيض المتوسّط من خلال تضاعف الظّواهر الجوّيّة المتطرّفة بكثافة غير مسبوقة.

وأمام هذا التهديد الوجودي للسكان المحليّين، أصبح من الضروري والمُلِحّ التحرّك. ولهذا السّبب، وتحت الرئاسة اللبنانية للبرنامج الهيدرولوجي الحكومي الدولي التابع لليونسكو (UNESCO-IHP)، تمّ اعتماد قرار بإنشاء “أكاديمية إيكوميد”(ECOMED Academy ) التي سيحتضنها معهد قبرص كمؤسّسة مضيفة، وتشارك في استضافتها جامعة البلمند. وستكون المهمّة الأساسيّة لهذه الأكاديمية تدريب البلديات على تولّي إدارة هذه الظواهر المتطرّفة والتّعامل معها، من أجل تعزيز مرونة وتكيّف مناطقنا المحلّية على المدى الطويل.

وانطلاقًا من هذه المكتسبات الاستراتيجيّة، اتّخذنا خطوة تاريخيّة جديدة بإطلاق “تحالف المناخ”، وهو ائتلافٌ واسع النّطاق يضمّ حاليّاً جامعة البلمند وجميع دول جنوب شرق البحر الأبيض المتوسّط ضمن أكاديمية “إيكوميد”. وتتلقى هذه الأكاديمية، التي يقودها بالتشارك بين معهد قبرص وجامعة البلمند كمؤسّستين مستضيفين، دعمًا اليوم من خلال مبادرة كبرى تمثَّـلت في إنشاء جامعة البلمند لـ “مركز ديبلوماسية المناخ والسلام المستدام” (Climate Diplomacy and Sustainable Peace UOB-CDSP Hub). وستكون مهمة هذا القطب المتميّز ضمن التّحالف دمج الأبحاث العلميّة المتقدّمة (الديبلوماسية المائية، التغيُّر المناخي، ترابط المياه والطاقة والغذاء والنظام البيئي WEFE NEXUS، السياسة والحوكمة) بالمفاوضات الدولية، ليفرض نفسه كمُحرّك إقليميّ جديد لديبلوماسيّة المناخ وبناء السلام المستدام.

الديبلوماسيّة المائيّة: مفهوم عابر الحدود

إنّ مفهوم الدّيبلوماسية المائيّة الّذي ندافع عنه منذ سنوات طويلة قد تخطّى تدريجًا حدودنا الإقليميّة ليكتسب اعترافًا دوليًّا حقيقيًّا. وقد أشاد الأكاديمي إريك أورسينا (Éric Orsenna) بشكل خاصّ، خلال مقابلة أجراها معه الصّحافي سيريل لاكاريير (Cyril Lacarrière)، بهذا المفهوم حيث ذكّر بكثير من الثناء بأنني كنتُ السبّاق في إطلاق هذا المفهوم وتعميمه، وهو نهجُ بدأتُ في إدراجه وتطبيقه عمليًّا في الفترة التي تولّيتُ فيها مهام المدير العامّ للموارد المائيّة والكهربائية في وزارة الطاقة والمياه في لبنان، ورئاسة شبكة حوض البحر الأبيض المتوسط (REMOB). وعلاوة على ذلك، فإنَّ البُعدَ العالمي لهذه الأعمال هو ما أهّلني لتولّي مقعدي داخل “أكاديمية علوم ما وراء البحار” (ASOM) المرموقة في فرنسا، مُكرِّسًا بذلك الإطلاق والإشعاع الدولي لهذه المفاهيم.

ويؤكّد هذا الاعتراف من قِبل نُظرائي ومن قِبل مراقبين دوليين بارزين أنَّ النهج الذي ولد وانطلق من على الأرض اللبنانية مُعتمَد اليوم كحجر زاوية لا غنى عنه في الحوكمة المستقبلية للمياه والسلام.

ترسيخ مفهوم الديبلوماسية المائية في مجلس الشيوخ الفرنسي

في مواجهة حالات النّزاع المتزايدة بين الدّول المشاطئة داخل الأحواض العابرة للحدود، وبدعم حاسم من عضو مجلس الشّيوخ أوليفييه كاديك (Olivier Cadic)، بادرتُ بإطلاق سلسلة من النّدوات الدولية حول “الدّيبلوماسيّة المائيّة والّتغيّر المناخيّ في الشّرق الأوسط. وتحوّل هذا الموعد السّنويّ، الذي انطلق عشيّة مؤتمر (21 COP) في عامّ 2015، إلى منبر استراتيجيّ رفيع المستوى داخل مجلس الشّيوخ الفرنسي في باريس.

وقد نُظِّمت هذه الندوات بالتعاون الوثيق مع العديد من المؤسّسات والمنظّمات المرموقة في مجال التنمية المستدامة. وهكذا، ساهمت كل من: أكاديمية علوم ما وراء البحار (ASOM)، ومنظمة “المتوسط المستدام” (MEDURABLE)، ومعهد الاستشراف الاقتصادي لعالم البحر الأبيض المتوسط (IPEMED)، والشراكة العالمية للمياه في المتوسط (GWP-Med)، بالإضافة إلى “أكاديمية المياه” التي نلتُ شرف رئاستها عام 2021، بفعالية في نجاح هذه الدورات في قصر لوكسمبورغ. واعترافًا بأهمّية هذه الأعمال المرجعية وثرائها العلمي، سيتوَّج النشر القريب لدليل عقائدي حول الديبلوماسية المائية لهذه التأملات الاستراتيجية ويستثمرها.

وقد ركزت كل دورة على حوض استراتيجي أو قضية إقليمية محدّدة:

لقد أصبحت هذه المبادرات مرجعًا دوليًا وأكّـدت أنَّ الديبلوماسية المائية تفرض نفسها كنموذج حوكمة لا غنى عنه لإرساء سلام مائي دائم.

الليطاني رمز للحياة : أهمّيته في الأمن الغذائي اللّبناني

إذا كان الأرز يمثّل الرمز التّاريخي للبنان، فإنّ نهر اللّيطاني يمثّل العمود الفقري لحياة اللبنانيين. وباعتباره ركيزة مائيّة وزراعيّة وطاقة حقيقيّة للبلاد، فإنّ دوره يتجاوز بكثير مجرّد الوظيفة الهيدروليكيّة، ليكون رمزًا للحياة وركيزة لإعادة إعمار جنوب لبنان.

ومن أجل الحفاظ على هذه الجوهرة الوطنية تحديدًا، بادرتُ وقدّمتُ، في إطار الخطّة الخمسيّة لليطاني، مشاريع إنمائيّة مائيّة زراعيّة كبرى على مستوى البلاد. وقد تجسّدت هذه الرّؤية من خلال اتّفاقية القرض التي تفاوضتُ عليها عام 1994 مع البنك الدّولي. وسَمَحَت هذه الاتفاقية التاريخية بالتّخطيط لريّ 37,000 هكتار في جنوب لبنان و32,000 هكتار في سهل البقاع، تمتدّ من بحيرة القرعون وحتّى تربل. وإلى جانب هذين الحوضين الكبيرين، غطّى القرض أيضًا تأهيل وتطوير عشر مناطق ريّ استراتيجيّة موزّعة في عكّار وجبل لبنان، بما في ذلك مناطق العاقورة، وتنّورين، وبساتين العصي.

وفضلًا عن أبعادها التّقنيّة والماليّة، شكّلت المفاوضات حول هذه الاتّفاقية انتصارًا قانونيًّا جوهريًّا لسيادتنا. فالنّصّ الأصليّ الّذي قدّمه البنك الدولي كان يتضمّن بنودًا غامضة تشير إلى حقوق مزعومة لـ “دول مُشاطئة” في مياه اللّيطاني. وقد اعترضتُ بشدّة على هذه الصّياغة الّتي كانت تُهدّد بتدويل مجرى مائيّ هو في الواقع مجرى وطنيّ صرف. وبدعمٍ سياسيّ حاسم من رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري، نجحتُ في تعديل هذه الأحكام بالكامل، لتوثّق وتصادق المؤسّسات المالية الدولية بشكل نهائي على الهويّة اللبنانيّة الصرفة والكاملة لنهر الليطاني.

يقع الليطاني في صلب عمليّة إعادة إعمار الجنوب. وموارده لا غنى عنها لإعادة تثبيت المواطنين في أراضيهم من خلال تأمين إمدادات المياه اللّازمة لإعادة الإعمار المستدام لقراهم، والتّنمية الرّيفيّة، والاستقرار الاجتماعيّ. وفي السّياق الحاليّ للأزمة الاقتصاديّة وهشاشة الأمن الغذائي العالميّ، فإنَّ ضمان الأمن الغذائيّ من خلال هذا النهر هو ضرورة حتميّة للبقاء الوطنيّ وركيزة لسيادتنا. ومن ثَمّ، فإنّ الاستثمار المُتكامل لليطاني يفرض نفسه اليوم كأولويّة استراتيجيّة وطنيّة مطلقة.

لبنان السَّبَّاق في اعتماد اتفاقيّة الأمم المتّحدة لعام 1997

شكّل إقرار البرلمان اللبناني لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدوليّة في الأغراض غير الملاحية وتحويلها إلى قانون لبناني عام 1999، نقطة تحول تاريخية في إدارة موارد المياه العابرة للحدود. هذه الاتفاقية التي تعتبر ثورة قانونية ودولية تُكرّس مبدأين أساسيين:

فكان لبنان من بين أولى دول المنطقة التي دافعت عن تطبيق هذه المبادئ في إطار الأحواض المشتركة في المشرق العربي. وفي هذا السّياق، اقترحنا إنشاء وكالات أحواض إقليمية لكلّ من:

وكان من شأن هذه المؤسسات الإقليميّة أن تسمح بتجاوز منطق النّزاع التقليدي لإرساء حوكمة علميّة مشتركة قائمة على البيانات الهيدرولوجيّة، والاحتياجات الإنسانيّة، والمتطلّبات البيئيّة.

حوض العاصي: من واقع ومنطق “خاسر-رابح” إلى واقع ومنطق “رابح-رابح”

تُمثّل تجربة حوض نهر العاصي أحد أبرز نجاحات الديبلوماسيّة المائيّة في الشّرق الأوسط. وقد وجدت رؤية الدّيبلوماسية العلميّة هذه اعترافًا دوليًا واسعًا تدريجيًا. وفي هذا السياق، كانت منظّمة اليونسكو قد طلبت مني عام 2015 إعداد دراسة مُعمَّقة حول الديبلوماسية العلمية المُطبَّقة على حوض العاصي، حملت عنوان “الدبلوماسية العلميّة: حالة حوض نهر العاصي”. وجاء هذا التّكريس الدولي ليؤكّد أنّ التّجربة اللّبنانية يمكنها عن جدارة أن تكون نموذجًا مرجعيًا لمناطق أخرى من العالم تواجه توترات مائية وجيوسياسية حادة.

فالإتّفاق الإبتدائيّ الموقع عامّ 1994، والذي تم تعزيزه عام 1997 بين لبنان وسوريا، كان يُنظر إليه في البداية من الجانب اللبناني كاتّفاق “خاسر- رابح”، واعتُبر مجحفًا بالمصالح المائية الوطنيّة. ولتصحيح المسار، خضنا ابتداءً من عام 1999 مسارًا طويلًا من إعادة التفاوض العلمي والتقني الصارم، المُستند إلى تحليل البيانات الهيدرولوجية، وتقييم الاحتياجات الزراعية الحقيقية، والتّوقعات الديموغرافيّة، ومتطلّبات التّنمية الإقليميّة.

وقد تكلَّلت هذه الجهود وأفضت في نهاية المطاف الى اتّفاق عامّ 2002 التاريخيّ، الذي وُقِّع خلال أول زيارة رسمية للرئيس السوري إلى لبنان. هذا النّهج الجديد القائم على مفهوم ومنطق “رابح- رابح”، نصّ على حزمة من البنى التحتيّة الكبرى: سدّ تخزيني أوّل بسعة 30 مليون متر مكعّب، وسدّ ثانٍ بسعة 50 مليون متر مكعّب، ومحطّة لتوليد الطّاقة الكهرومائيّة بقدرة تقارب 50 ميغاواط، بالإضافة إلى تجهيز منطقتي ري كبيرتين في القاع والهرمل، يكتمل كل ذلك بتعبئة نحو 80 مليون متر مكعّب من المياه الجوفيّة. وأثبت هذا النّجاح أنّ التّعاون الإقليميّ القائم على العلم يمكنه توليد المياه، والطّاقة، والزّراعة، وفرص العمل، والاستقرار الميداني في آن واحد. وتلك هي التوأمة الإيجابيّة بالتّحديد الّتي نطلق عليها اليوم اسم “ترابط المياه والطّاقة والغذاء والبيئة” (Nexus).

وفي جوهر أعمالي في الدّيبلوماسية المائيّة، يمثّل حوض العاصي نموذجًا للنّجاح التّقني العابر للحدود، وفي الوقت ذاته رمزًا للعقبات والتّحديات الجيوسياسيّة الفجّة الّتي تعيق السّلام والسّيادة المائيّة. فقد شرع لبنان في بناء سدّ تحويليّ استراتيجي على هذا النّهر لتأمين الرّيّ والتّنمية الزّراعية في سهل البقاع، إلاّ أنّ العدوان الإسرائيلي عام 2006 والقصف الذي تعرّض له السدّ دمّر موقع العمل بشكل منهجيّ. وبعيدًا من كونه مجرّد ضرر جانبي، جاء هذا الاعتداء كرسالة سياسيّة واضحة ومهدّدة: حظر صارم ومفروض بالقوّة يمنع بناء أي خزان أو بنية تحتيّة للتّخزين على الأحواض العابرة للحدود في المنطقة.

إن سياسة التّرهيب المائي هذه تتقاطع مباشرة مع التّوترات المزمنة في جنوب لبنان، معيدة إلى الأذهان أزمة “الحاصباني- الوزاني” عام 2002، عندما أدى مجرَّد تركيب محطة ضخ محلية من قِبل الجانب اللبناني إلى إطلاق تهديدات بالحرب من جانب تل أبيب. كما أنها تُسلِّط الضوء على التجميد القسري لمشروع سد “إبل السقي” على نهر الليطاني، والسّيطرة المطلقة المفروضة على أعالي نهر الأردن، مما يؤكّـد أنه في هذا الجزء من الشرق الأوسط، تسعى عسكرة المياه باستمرار إلى خنق القانون الدولي وهندسة السلام.

مشروع سد إبل السقي : لجنوب لبنان

وفي السّياق نفسه، اقترح لبنان مشروع إنشاء سد إبل السّقي، وهو رؤية استراتيجيّة كبرى لتنظيم تدفّقات المياه في أعالي حوض الأردن. وتحقيقًا لهذه الغاية، دُرست ثلاثة خيارات تقنيّة: سد أول بسعة 30 مليون متر مكعّب يتماشى مع مرجعيّات “خطة جونستون” لعام 1955-1958، وخيار ثانٍ بسعة 50 مليون متر مكعب، وأخيرًا صيغة بسعة 80 مليون متر مكعب تتيح تنظيمًا أمثل للحوض.

واستهدف هذا المشروع أهدافًا استراتيجية أساسيّة عدة، مثل إعادة إعمار قرى الجنوب، والتّنمية الزراعيّة، والأمن الغذائيّ، فضلًا عن تثبيت السكان الريفيين وتخفيف التوتّرات الإقليمية حول المياه. واستنادًا الى أحكام اتفاقية عام 1997، أُرسل إخطار رسمي بهذا المشروع إلى الجانب الإسرائيليّ عبر الأمم المتّحدة والأمين العام كوفي أنان. وشكّلت هذه الخطوة تطبيقًا نموذجيًا لقانون المياه الدولي ولمبدَإِ الشفافيّة بين الدول المُشاطئة.

أخيرًا، تشكل قضية مزارع شبعا ووادي العسل مثالًا رئيسًا آخر يبرهن على أهمية الديبلوماسية العلمية في الدفاع عن الحقوق السيادية للبنان. ففي عام 2018، سلمت اللجنة الوطنية، التي تشرفتُ برئاستها، إلى رئيس الجمهورية اللبنانية تقريرًا كاملًا يدمج بين العلم، والتّاريخ، والجغرافيا، والقانون، ليثبت بوضوح الهويّة اللبنانية لمزارع شبعا. وتأسيسًا على هذا الإثبات الذي لا يقبل الجدل، استند صراع القوى الفكري هذا بشكل وثيق إلى أرشيف الملكية العقارية، والخرائط العقارية، والوثائق الرسميّة العثمانيّة والفرنسيّة، بالإضافة إلى تحليلات هيدروغرافيّة وجغرافيّة معمّقة للأحواض المائية.

كما أبرزت الدّراسة الأهميّة الاستراتيجيّة لوادي العسل، الذي يُعتبر أحد الأحواض الصبّابة لنهر القاضي، وهو رافد رئيسي في حوض الأردن. وذكّر التقرير أيضًا بأنه خلال مفاوضات الهدنة عام 1949، وافق لبنان، في سياق جيوسياسيّ بالغ التّعقيد، على ترك بعض المناطق ذات الأهمية المائية الاستراتيجية المرتبطة بهذا الحوض تحت سيطرة الدولة العبريّة.

ويُوضح هذا الواقع كم أن السيطرة على الموارد المائية كانت دائمًا عنصرًا محوريًا في التّوازنات الجيوسياسيّة في المشرق العربي. كما يُؤكد أنَّ العلم، والقانون الدولي، والتّحليل الهيدرولوجيّ تظلّ أدوات أساسية للدّفاع عن الحقوق السيّادية للدّول والحفاظ على الاستقرار الإقليميّ.

دور العلم في الحؤول دون وقوع حرب أثناء أزمة الوزاني

لعّل أحد أكثر الأمثلة تعبيرًا عن الديبلوماسية العلمية كانت أزمة الوزاني في مطلع الألفية الثانية. فقد قرّر لبنان حينها تركيب ثلاث مضخات تهدف إلى تعبئة حوالي 7 ملايين متر مكعب من المياه لتزويد قرى جنوب لبنان التي تضرّرت بشدة جراء سنوات الاحتلال والحرب. وأثارت هذه المبادرة تهديدات خطيرة للغاية ضد لبنان، بلغت إلى حدّ تلويح بعض المسؤولين الإسرائيليين بالعمل العسكري.

وفي مواجهة هذه الأزمة، أعددنا تقريرًا علميًّا واقتصاديًّا واجتماعيًا جرى تسليمه إلى الأمين العام للأمم المتّحدة آنذاك كوفي أنان. فقد أوضح هذا المستند بوضوح أنَّ الحجم المسحوب يظل متوافقًا مع القانون الدوليّ ويلبّي احتياجات إنسانيّة أساسية. وعلاوة على ذلك، أثبت التقرير أنّ المشروع مبرَّر تمامًا بمؤشرات اقتصادية واجتماعية دقيقة ترتبط بإعادة إعمار جنوب لبنان، مع الالتزام الصارم بمبادئ اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997. هذا العمل الرَّصين، العلمي والديبلوماسي في آنٍ معًا، أتاح تجنّب تصعيد عسكري وأثبت أنَّ العلم يمكن أن يكون أداة حقيقية للسلام.

لبنان الريادي والسَّبَّاق في مجال التّعاون الدوليّ المائي

على الصعيد الدولي، رسَّخ لبنان مكانته كسبّاق، من خلال كونه أول دولة في المنطقة تطالب بدمج مبادئ “اتفاقية هلسنكي” التابعة للجنة الاقتصادية لأوروبا بالأمم المتحدة والمتعلقة بالمياه العابرة للحدود. وقد نُظمت ندوتان دوليتان كبيرتان في السراي الحكومي برعاية من رئيسَي الوزراء سعد الحريري وتمام سلام بهدف التّرويج لحوكمة إقليمية حديثة للمياه. ولكن للأسف، فإنَّ الهشاشة المؤسّساتية المزمنة، وضعف الحوكمة المحلية، والاضطراب السياسي المتكرّر، منعت لبنان من استثمار هذا التقدم الاستراتيجي الكبير بشكل كامل.

الديبلوماسية المائية: عقيدة سلام وبناء وطن

إنَّ الديبلوماسية المائية التي نعمل على تطويرها منذ أكثر من ثلاثة عقود لا تقتصر على مجرد الإدارة التقنية للمورد ؛ بل إنها تشكل عقيدة حقيقية لـ “بناء الوطن”. ويقوم هذا النهج على ركائز أساسية متلازمة لا تنفصل، وهي: العلم كلغة عالمية، والتعاون الإقليمي، والوقاية من النزاعات، وترابط المياه والطاقة والغذاء (Nexus)، والتنمية المناطقية، والأمن الإنساني، والديبلوماسية الوقائية. وينطلق المفهوم من فرضية أنَّ الاستقرار المستقبلي لدول الشرق الأوسط سيعتمد إلى حدٍّ كبير على قدرتها على التعاون حول الموارد الطبيعية المشتركة.

وفي هذه الديناميكية الإقليمية، يملك لبنان اليوم ورقة رابحة ليلعبها، ويمكنه شغل دور ريادي بفضل خبرته العلمية المشهود لها، وموقعه الجغرافي المفصلي، وإرثه الأكاديمي الغني، وتجربته الفريدة في إدارة الأحواض العابرة للحدود.

وتأتي المستجدّات الأخيرة لتؤكد صوابية رؤيتنا. فخلال مؤتمر التغيُّر المناخي الذي عُقد في 8 و9 نيسان (أبريل) 2026 برئاسة الاتحاد الأوروبي، كرس “إعلان نيقوسيا” الديبلوماسية العلمية – التي نادى بها لبنان وقدمها- كأرضية أساسية للمفاوضات. وهذه هي الرسالة القوية التي حَمَلتُها تحديدًا خلال مداخلتي في الندوة التي نظّمتها جامعة الروح القدس – الكسليك في 18 أيّار (مايو) الماضي في مجلس الشّيوخ الفرنسيّ بعنوان: “قضايا وتحديات في العلاقات بين ضفَّـتي البحر الأبيض المتوسط”، حيث شدّدتُ بقوّة على واقع تُـذكّرنا به الوقائع الميدانيّة كلّ يوم: عندما تتعثر الديبلوماسية السياسية وتغرق في المأزق الفئوية، فإنَّ الديبلوماسية العلمية هي التي تتقدّم، لأنها تستند إلى لغة الحقائق العالمية غير القابلة للجدل، ولغة العقل والمصلحة المشتركة للشعوب.

وفي الختام، في وقت يمرّ فيه الشّرق الأوسط بتحوّلات جيوسياسيّة كبرى، لا بدّ للمياه أن تفرض نفسها كأداة للحوار وليس كعامل للمواجهة. ويملك لبنان اليوم فرصة تاريخية لتعزيز رؤية إقليمية جديدة وقوية، قائمة على الديبلوماسية العلمية، واحترام القانون الدولي، والتعاون المائي النشط، وترابط المياه والطاقة والغذاء، وإعادة الإعمار المستدام. إنَّ الديبلوماسية المائية، وأكثر من كونها مجرد حزمة أدوات تقنية، تمثل هندسة حقيقية للسلام. فلن يُبنى مستقبل لبنان من دون سيادة مائيّة كاملة، وأمن غذائيّ مضمون، واندماج إقليميّ ناجح، وتعاون علميّ دوليّ متين. وفي هذا السّياق، يجب على العلم حتمًا أن يعود ليكون لغة العقل، والسّلام، وإعادة بناء الأوطان.

* البروفيسور فادي جورج قمير هو أكاديمي لبناني؛ الرئيس الفخري للبرنامج الهيدرولوجي الدولي للمياه التابع لليونسكو؛ أستاذ جامعي ومستشار للتنمية المستدامة في جامعة البلمند وفي مركز البحوث والبيئة والطاقة والمياه التَّابع لمعهد قبرص ومسؤول عن التغير المناخي وقضايا المياه؛ عضو أكاديمية علوم ما وراء البحار في فرنسا، وعضو المجلس التنفيذي لمبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط (Blue Peace).

Exit mobile version