تقف إيران اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث لم تعد الحرب مجرّد تهديد للنظام، بل تحوّلت إلى أداة لإعادة تشكيله. في خضم الدمار والضغوط غير المسبوقة، تتبلور ملامح “الجمهورية الإسلامية الثالثة” كنظام أكثر صلابة وتشدّدًا، قد يعيد رسم موازين القوى في الداخل والمنطقة.
سوزان مالوني*
في اجتماع عُقد في شباط (فبراير) 2026 لإحياء ذكرى الثورة التي أسست الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قدّم المرشد الأعلى، علي خامنئي، قراءةً لافتة للعام الذي وصفه بـ”العام الغريب”. أشار إلى الهجمات الأميركية والإسرائيلية على البرنامج النووي الإيراني قبل ثمانية أشهر، وخصّص جُزءًا مطولًا لتبرير العنف غير المسبوق الذي مارسته قوات النظام لقمع الاحتجاجات التي اندلعت أواخر كانون الأول (ديسمبر). واعتبر تلك الاضطرابات محاولة انقلاب مُدَبَّرة من قبل واشنطن وتل أبيب، مؤكدًا أنها “سُحِقت تحت أقدام الشعب الإيراني”.
وكما جرت العادة، انتقل خامنئي إلى مهاجمة الولايات المتحدة، الخصم الأبرز للنظام ومحور خطابه السياسي. رفض توصيفها كـ”إمبراطورية متداعية”، وسخر من تهديدات الرئيس دونالد ترامب بالعمل العسكري، قائلًا إنَّ الأميركيين أنفسهم “يعلمون أنهم لا يملكون القدرة على الصمود في حربٍ كهذه”. وأضاف مُتحدّيًا: “لم تتمكّن الولايات المتحدة خلال 47 عامًا من القضاء على الجمهورية الإسلامية… ولن تتمكن الآن أيضًا”.
كانت تلك من آخر تصريحاته العلنية. فبعد أحد عشر يومًا فقط، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية منسّقة أسفرت عن مقتله، إلى جانب عدد من أفراد عائلته وكبار القادة العسكريين والسياسيين. شكّلت هذه الضربة بداية حرب استهدفت بشكل منهجي القدرات الجوية والبحرية الإيرانية، وبرنامج الصواريخ الباليستية، إضافة إلى البنية التحتية الأمنية والصناعية الدفاعية. وفي خطابه لإعلان بدء الحملة، قال ترامب للإيرانيين: “عندما ننتهي، تولّوا زمام حكومتكم. ستكون لكم”.
على الرُغم من كثافة الضربات الأميركية والإسرائيلية، تمكنت القيادة الإيرانية من إعادة تنظيم صفوفها بسرعة، وأعلنت تنصيب مجتبى خامنئي، النجل الأكثر تشدُّدًا للمرشد الراحل، خلفًا له. وسرعان ما باشرت طهران الرد، مطلقةً موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت القواعد الأميركية والبنية التحتية الاقتصادية والطاقة في دول الجوار.
في البداية، وصف وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث هذا الرد بأنه “عشوائي ومتهوّر”. غير أنَّ ملامح استراتيجية أكثر تماسكًا سرعان ما بدأت تتكشّف. فقد أدت الهجمات الإيرانية فعليًا إلى إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمرُّ عبره نحو خُمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المُسال في العالم.
هذا التحوُّل مثّل تصعيدًا نوعيًا. فبدلًا من محاولة مواجهة خصومها عسكريًا بشكل مباشر—وهو خيار محدود الجدوى—وظّفت إيران موقعها الجغرافي لفرض كلفة عالمية على الصراع. ومع تعطل تدفقات الطاقة، وارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية، بدأت تداعيات الأزمة تمتد بسرعة إلى الاقتصاد العالمي.
بالنسبة إلى إيران، يُمثّل المضيق ضمانة حاسمة. فبينما لا تستطيع طهران الدفاع عن قادتها أو أراضيها ضد خصومها، إلّا أنها قادرة على فرض تكاليف باهظة على جيرانها وعلى الاقتصاد العالمي. وكما أشار خامنئي نفسه، فإنَّ هذه الميزة بمثابة شريان حياة: فلا واشنطن ولا بقية العالم قادران على تحمُّل انخفاضٍ مُطَوَّل في إمدادات النفط. ومع محدودية إمدادات الأسمدة والهيليوم وغيرها من السلع الأساسية بسبب إغلاق المضيق، فإنَّ تداعيات أي انقطاع، ولو كان قصيرًا، ستشعر بها عواصم العالم لأشهر مقبلة. بالنسبة إلى القادة الإيرانيين، يُعد الضغط الاقتصادي وسيلةً فعاّلة لحماية النظام. مع تصاعد حدة الصراع، انتهزت طهران الفرصة لتغيير موازين القوى الاستراتيجية لما بعد الحرب لصالحها، بهدف ضمان خروج النظام من هذه الأزمة أقوى، داخليًا وخارجيًا.
وبشكلٍ أوسع، يسعى قادة إيران إلى دفع مشروعهم الثوري قدمًا، تمهيدًا لما يمكن وصفه بالجمهورية الإسلامية الثالثة لإيران. كانت الجمهورية الأولى، بقيادة آية الله روح الله الخميني، تجربةً ثورية سعت إلى فرض الحُكم الديني في الداخل وزعزعة استقرار جيرانها. أما حُكم علي خامنئي فقد أطلق الجمهورية الثانية، التي رسّخت هيمنة مكتب المرشد الأعلى وعزّزت دور الحرس الثوري الإسلامي من خلال دوره في إعادة الإعمار بعد الحرب الإيرانية-العراقية في ثمانينيات القرن الماضي. وفي سعيه إلى تمهيد الطريق أمام مُجتبى، يسعى النظام إلى إقامة الجمهورية الثالثة: دولة ذات طابع بريتوري صريح، حيث يسيطر الحرس الثوري الإسلامي وجهاز الأمن الأوسع سيطرة تامة على صنع القرار في جميع جوانب الحكم والمجتمع والسياسة الخارجية.
هذا طموحٌ عظيم، وربما عملٌ متهورٌ محكومٌ عليه بالفشل، لا سيما في ظلّ الفجوات الشاسعة بين أهداف الجمهورية الإسلامية الثالثة، وتطلعات شعبها، ومصالح جيرانها. مع ذلك، فقد أظهر هذا النظام مرارًا وتكرارًا صمودًا وقوةً وعزمًا على الحفاظ على النظام بكل الوسائل الممكنة. هذه الصفات، وفشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تقديرها، قد تُمكّن إيران من انتزاع نصرٍ -وإن كان باهظ الثمن- من براثن الهزيمة، وتوجيه ضربةٍ تاريخيةٍ للنظام الدولي الذي ساهمت واشنطن في بنائه، وسعت إلى الحفاظ عليه حتى السنوات الأخيرة.
طهران تقلب الطاولة
بالنسبة إلى طهران، شكلت الحرب الأميركية-الإسرائيلية الأخيرة صدمة، لكنها لم تكن مفاجأة. فبعد حرب الأيام الاثني عشر في حزيران (يونيو) 2025، التي دفنت أهم موارد البرنامج النووي الإيراني تحت الأرض، أدرك الإيرانيون أنَّ توجيه ضربات إضافية مسألة وقت لا أكثر. وعندما بدأ القصف المُكثَّف في شباط (فبراير)، سارعت طهران إلى تصعيد الموقف: من ضربات محدودة النطاق ضد أهداف مدنية سهلة المنال في الدول المجاورة، إلى استهدافٍ مباشر للبنية التحتية الاقتصادية والطاقة، وصولًا إلى سياسة حافة الهاوية الخطيرة عبر قطع الملاحة في مضيق هرمز.
أكّدَ استعداد إيران للتصعيد على جاهزية النظام للصراع واستعداده لتحمل المخاطر، فضلًا عن متانة عقيدتها الدفاعية اللامركزية المتعمدة. تباهى عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، على وسائل التواصل الاجتماعي قائلًا: “لقد أمضينا عقدين من الزمن في دراسة هزائم الجيش الأميركي في شرقنا وغربنا المباشرَين”، في إشارةٍ إلى الحربين الأميركيتين في أفغانستان والعراق. وأضاف: “لقد استوعبنا الدروس المستفادة. إنَّ قصفَ عاصمتنا لا يؤثر في قدرتنا على خوض حرب (لامركزية) تُمكّننا من تحديد متى وكيف ستنتهي الحرب”.
وكما قال الكوميدي الأميركي جون ستيوارت ساخرًا في منتصف آذار (مارس): “الحرب هي طريقة الله لتعليم الأميركيين الجغرافيا”، وفي غضون أيام من أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية، قدّمت الهجمات المضادة التي شنّتها طهران على حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز دورة تنشيطية سريعة حول هذا الشريان الحيوي. بين عشية وضحاها، انخفضت حركة الملاحة في المضيق بشكلٍ حاد، ما أدّى إلى ارتفاع أسعار النفط والبتروكيماويات وغيرها من السلع الأساسية، وهدد النمو الاقتصادي والاستقرار في جميع أنحاء العالم. مارست إيران إكراهها ببراعة تكتيكية: فمن خلال الحفاظ على تدفق ضئيل من صادراتها الخاصة وإعفاء شركاء مفضلين مثل الصين من الهجمات -على الرُغم من فرض رسوم إضافية على البعض مقابل الوصول، وفقًا لتقارير صحافية ومسؤولين إيرانيين- حافظت إيران على تدفقات إيراداتها وشراكاتها الاستراتيجية.
إنَّ استغلالَ إيران لموقعها الجغرافي لتهديد أسواق الطاقة العالمية منحها الوقت أيضًا. قلّلَ ترامب في البداية من شأن الحرب ووصفها بأنها “مغامرة قصيرة”، مُتوقِّعًا على ما يبدو جدولًا زمنيًا مُختصرًا، على غرار حرب الأيام الاثني عشر. ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، أقنع مسؤولون إسرائيليون البيت الأبيض بأنَّ القضاء على قيادة النظام سيُشعل موجة جديدة من الاحتجاجات التي قد تُطيح الدولة الثورية. وحتى كتابة هذه السطور، لم يحدث شيء من هذا القبيل. فبدلًا من الحرب القصيرة والانهيار السريع للنظام اللذين توقعتهما الولايات المتحدة وإسرائيل، نشأ صراعٌ دموي ومُكلِف في ظروفٍ سمحت لإيران بتحديد موعد انتهاء النزاع.
كلُّ يومٍ من الاضطرابات في المضيق زاد من حدة الأزمة وتأثيرها المحتمل، وبالنسبة إلى القادة الإيرانيين، زاد من المكاسب المحتملة. لم تكن هذه الاستراتيجية عالية المخاطر تهدف فقط إلى إنهاء الحرب، بل أيضًا إلى تحقيق تحسُّنٍ دائم في النفوذ الاقتصادي والإقليمي لطهران. تعهد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وأحد أبرز قادة النظام، بأنَّ إيران ستواصل الرد “حتى يندم العدو ندمًا حقيقيًا على عدوانه”، مضيفًا: “نعتقد أنَّ هذه الحرب ستغير الكثير من العلاقات الإقليمية، ولن نعود إلى الظروف التي كانت سائدة قبلها. نحن على استعداد لإبرام اتفاقيات أمنية دائمة مع دول المنطقة التي يمكنها توفير ضمانات متبادلة وخلق أمن مستقر ومستدام للمستثمرين”. وبهذا، أوضحت طهران أنَّ أيَّ تعاونٍ مستقبلي يجب أن يقوم على خضوع خصومها الإقليميين، فضلًا عن مبدَإِ الرخاء المشترك.
قد يميل البعض إلى اعتبار هذا الخطاب بمثابة نعي لنظامٍ أسير لإيديولوجيته لدرجة أنه لا يُدرك انهيار خياراته. لكن صمود النظام في وجه القصف الأميركي والإسرائيلي المدمّر يُذكّر أيضًا بالحماس والعزيمة اللذين دعما الدولة الثورية في أوقاتٍ سابقة من عدم الاستقرار المنهجي. يتردّد مؤخرًا بين المحللين وصنّاع السياسات الأميركيين والإسرائيليين أنَّ النظام الإيراني أضعف من أيِّ وقتٍ مضى منذ العام 1979. في الواقع، هذا ليس دقيقًا تمامًا؛ فقد واجه النظام تحديات أشدّ وطأةً على بقائه منذ نشأته. يؤكد السرد التأسيسي للجمهورية الإسلامية على أنَّ الثورة كانت غير متوقعة، ومحفوفة بالمخاطر، ومُحاصرة بالصراعات. عاش جيل الثورة اضطراباتٍ متواصلة وواسعة النطاق في السنوات الأولى للدولة، شملت فوضى مؤسسية، وعمليات تطهير، وصراعاتٍ شرسة على السلطة، واقتتالًا في شوارع المدن، وانتفاضاتٍ قبلية، وهجماتٍ إرهابية دامية، وضغوطًا اقتصادية خانقة، ومحاولة انقلاب، والغزو العراقي المدمر في أيلول (سبتمبر) 1980.
على الرُغم من كلِّ هذا، صمدت الثورة وتمكنت من طرد قوات صدام حسين ونقل المعركة إلى بغداد. انتهت الحرب من دون نصر؛ ومع ذلك، رسّخ إرثها روايات التضحية والإيمان والإبداع في الدفاع عن الوطن. وأصبحت الحرب بمثابة ساحة اختبار لعقيدة الردع الإيرانية من خلال القدرات غير المتكافئة واستثمارها في قاعدة صناعية دفاعية محلية.
كما الأب، كذلك الابن
كانت النكسات التي مُنيت بها طهران خلال العامين الماضيين قاسيةً وواضحةً لا محالة: فقد دُمّرت شبكة ميليشياتها الوكيلة، ودُفنت طموحاتها النووية بفعل القصف الأميركي والإسرائيلي، وأصبح مواطنوها على استعداد للمخاطرة بحياتهم أملًا في ثورة جديدة. ولكن كما رأى أسلافهم خلال الحرب الإيرانية-العراقية، يرى أنصار النظام فرصةً للرد، وقمع أي محاولة تحت راية الدفاع المقدس الجديد عن الوطن الإيراني، وإضافة فصل جديد إلى تاريخ ثورتهم.
وكما فعل أسلافهم في ثمانينيات القرن الماضي، سيعتمد قادة الجمهورية الثالثة بشدة على الحرب لإعادة ترسيخ سلطتهم، مُستغلّين الصراع ذريعةً لفرض الأحكام العرفية بحكم الأمر الواقع، في محاولةٍ لتأجيج حالة من التعصُّب القومي الشديد، أو على الأقل إجبار الناس على فرضها. يمتلك منفذو النظام اليوم أدواتٍ أكثر تطوّرًا بكثير تحت تصرفهم؛ فور اندلاع النزاع، شرعت أجهزة الأمن الإيرانية في نشر المراقبة الإلكترونية والرسائل النصّية استباقيًا لقمع أيِّ نزعةٍ لدى العامة للعودة إلى الشوارع. ولضمان وضوح الرسالة، واصل النظام أيضًا وتيرة الإعدامات بوتيرة سريعة.
كما ساهمت الحرب في تيسير عملية انتقال السلطة التي كانت ستكون صعبة. فبعد وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي المفاجئة عام 2024، والذي كان خامنئي يُعدّه لخلافته، لم يكن هناك مرشَّحٌ واضح يمتلك الخبرة الإدارية والمكانة الدينية اللازمة، فضلًا عن ثقة النخب الحاكمة. في الظروف العادية، كان اختيار مجتبى خامنئي ليُثير جدلًا واسعًا؛ إذ يُقال إنَّ والده نفسه عارض تعيينه، رغبةً منه في تجنُّب أيِّ مظهرٍ من مظاهر الحكم الوراثي.
لكن في لحظة أزمة وجودية، قدّم خامنئي الابن للنظام الحاكم فرصة ذهبية لاستغلال إرث والده وتعزيز هيمنة الحرس الثوري، الذي كان قد بنى معه علاقة وثيقة. أكدت التقارير التي تفيد باحتمالية إصابة مجتبى بجروح خطيرة جراء الضربات الأميركية-الإسرائيلية الأولى في شباط (فبراير)، وجود صلة بين الحادثتين؛ إذ أصيب والده في هجوم إرهابي عام 1981 أدى إلى بتر يده اليمنى. وبصفته “شهيدًا حيًا”، يتمتع مجتبى بقيمة رمزية كبيرة. قد يبقى شخصية غامضة بالنسبة إلى العامة، بينما تضمن الشبكة المؤثرة التي بناها والده بجدٍّ على مدار ما يقرب من 37 عامًا في الحكم، استمرار هيمنة جوهر الخامنئيّة – وهو التزام راسخ بالدولة الدينية السلطوية.
طالما بقي النظام قائمًا، سيُسيطر على قيادته رجعيون مُتشدّدون. وإذا ما تمكنوا من تجنّب الاستهداف الإسرائيلي، فسيتولى نخبة من المسؤولين الأمنيين ذوي الخبرة توجيه النظام وتنسيق دفاعاته. قد يكون بعضهم على استعداد للتسوية، لكنهم سيجدون صعوبة في ذلك في بلد محاصر، وسيميلون نحو الحزم والعدوان. يمكن للاغتيالات المستهدفة أن تقضي على شخصيات فردية، لكن هذه كوادر استثمر النظام في بنائها لما يقرب من نصف قرن. لن يؤدي قطع الرؤوس إلى تفكيك النظام.
ونتيجة لذلك، لن يواجه المتشددون في إيران، في المستقبل المنظور، أي ثقل موازن حقيقي. فهم يسيطرون بالفعل على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني، وهو موقع ضمنوه باستغلال إعادة الإعمار بعد الحرب الإيرانية-العراقية، وفي السنوات الأخيرة، من خلال الضغط على نظام العقوبات. لقد تلاشى التنافس الفصائلي بين العناصر الدينية والجمهورية في النظام ما بعد الثورة. يقدم الرئيس الحالي، مسعود بزشكيان، صورة أكثر ودية، لكنه لا يملك تقريبًا أي سلطة مؤسّسية أو نفوذ سياسي. يسعى حسن روحاني، آخر رئيس معتدل نسبيًا شَغَلَ هذا المنصب، إلى العودة إلى السلطة، لكنه لم يُحقّق تقدّمًا يُذكر حتى الآن. ويشعر العديد من الإيرانيين الذين كانوا يأملون في تحسينات في حكومتهم بالخوف على المستقبل. فقد صرّح أحد سكان طهران لصحيفة وول ستريت جورنال في الأيام الأولى للحرب: “سيصبح هذا النظام أقوى وأقسى وأكثر وحشية من ذي قبل. فالناس لا يملكون السلاح الكافي لمواجهته”.
لطالما جمع رجال الدين في النظام وأجهزته الأمنية علاقة تكافلية، مدعومةً بالتعاون العائلي والسياسي والتجاري، فضلًا عن رؤية مشتركة للعالم. ومع تحوّل مركز الثقل داخل النظام لصالح الجيش، فمن شبه المؤكد أن يتطوّر التوجه الداخلي للنظام أيضًا. من الممكن أن يؤدي ذلك إلى إصلاحات متواضعة، مثل فرض قيود دينية أقل صرامة، بما يتماشى مع التخفيف التدريجي لفرض الحجاب الذي بدأ منذ الاحتجاجات التي اندلعت في العام 2022، بعد وفاة مهسا أميني، وهي شابة كانت محتجزة لدى شرطة الآداب.
ربح الحرب، خسارة السلام؟
على الرُغم من أنهم قد ينحنون، فمن غير المرجّح أن ينكسر صُنّاع القرار في إيران. لطالما استغلّت طهران موقعها الجغرافي لصالحها، فكانت تستعرض قوتها بشكل متكرر ضد جيرانها وحول المضيق، لكن غالبًا ما كان ذلك بدافع الانزعاج وبقليل من الأدلة على وجود هدف استراتيجي واضح. هذه المرة كانت مختلفة؛ إذ أوضحت إيران للعالم أنها قادرة على فرض تكاليف مؤلمة على الاقتصاد العالمي.
سيتطلع الإيرانيون إلى الولايات المتحدة وحلفائها على أطراف المنطقة، آملين في ردّ الصاع صاعين أو تعويض، أو كليهما. تعوّل طهران على قدرتها على الصمود أمام خصومها على أمل التوصل إلى اتفاقٍ يمكّن النظام ليس فقط من البقاء، بل والأفضل من ذلك، التخلص من قبضة عقوبات “الضغط الأقصى” التي فرضها ترامب، والتي أدت إلى انهيار عملتها وأجّجت الغضب الشعبي. يأملون في استخدام الحرب كنقطة انطلاق لإعادة ترسيخ نفوذهم الإقليمي. يعتقد القادة الإيرانيون أنَّ بلادهم تستحق تعويضًا عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بها جراء ما يعتبرونه هجومًا غير مبرر، وإذا ما خرجوا من هذه الحرب وهم لا يزالون في السلطة، فإنهم يعتزمون تحصيل هذا الدين.
يُدرك جيران إيران الاحتمال المقلق بأن تنتهي الحرب بجمهورية إسلامية أضعف ولكنها في الوقت نفسه أكثر جرأة. إنَّ تحطُّم طائرة مسيرة عبر نافذة فندق فاخر أو في مطار مزدحم سيكون كافيًا لرفع مستوى المخاطرة بالنسبة إلى المستثمرين ودفع السياح إلى إعادة النظر في قراراتهم. لقد وضعت طهران جيرانها في موقف حرج، حرفيًا، وقلما يتوهم أحد على جانبي الخليج أنَّ هذه مشكلة مؤقتة. سيبحثون عن حلول عملية ومستدامة.
من ناحيةٍ أخرى، إذا فشلت الحرب في تحقيق هدفها المُعلن المتمثّل في تغيير النظام الإيراني، فمن الممكن—بل وربما من المرجّح—أن تُسيء طهران تقدير الأمور في أعقاب ذلك. قد يكون النظام قد شنّ هجومًا مضادًا غير تقليديًا فعّالًا يهدد بإحداث فوضى في الاقتصاد العالمي، لكن قدراته العسكرية التقليدية قد دُمّرت إلى حدٍ كبير، كما إنَّ التآكل المستمر لطبقة كاملة من كبار القادة سيلحق ضررًا كبيرًا بقدراته التشغيلية والإدارية. وعلى مدى السنوات السبع والأربعين الماضية، نادرًا ما فوّت النظام الذي نشأ بعد الثورة فرصةً ما.
من المحتمل أيضًا أن تربح طهران الحرب لكنها تخسر السلام، نتيجةً لعنادها أو تفاؤلها المفرط أو اضطرابها الداخلي، تمامًا كما فعل قادة إيرانيون سابقون في منعطف حاسم من الحرب مع العراق. ففي حزيران (يونيو) 1982، وبعد أيام فقط من نجاح الضربات العراقية على منشآت تصدير النفط الإيرانية، اقترح مجلس التعاون الخليجي المُشكّل حديثًا، والذي يضم معظم جيران إيران العرب في الخليج العربي، وقف إطلاق النار. ووفقًا لتقارير وكالة أسوشيتد برس آنذاك، عرض المجلس 25 مليار دولار كتعويضات لطهران -أي ما يزيد عن 84 مليار دولار بقيمة اليوم- مقابل موافقة إيران على إنهاء الحرب من دون شنّ هجوم لإسقاط صدام. أصرّت طهران على أنَّ أضرار الحرب بلغت ستة أضعاف ذلك المبلغ، ورفضت في نهاية المطاف إنهاء الحرب. وقد خلّفت السنوات الست التالية من الصراع خسائر فادحة في البلاد، وفشلت الجمهورية الإسلامية في مسعاها لإنهاء حكم صدام. هذه المرة، إذا ما استغلت طهران تفوّقها بمحاولة الحفاظ على سيطرتها على المضيق أو تعزيزها، فقد يكون جيرانها والعالم مستعدين لتحمل التكاليف الباهظة والمخاطر الجسيمة المترتبة على هزيمة النظام هزيمة ساحقة.
أخيرًا، حتى لو نجحت الجمهورية الإسلامية في الصمود خلال المرحلة العسكرية من الصراع، فإنَّ تداعيات الحرب قد تحمل في طياتها عوامل تقويضها في المدى الطويل. فتكلفة إعادة الإعمار ستكون هائلة، والنظام—بتركيبته الأكثر تشددًا—سيواجه صعوبة في إدارة التحديات الداخلية والخارجية.
قد ينجح قادته في تجنّب الهزيمة الآن، وربما حتى في تحقيق مكاسب تكتيكية، لكن هذا “الانتصار” قد يكون بداية مسار أطول من التآكل. ففي كثير من الأحيان، لا تُسقط الحروب الأنظمة مباشرة، بل تزرع بذور انهيارها.
وهكذا، قد تتمكن إيران من الخروج من هذه الحرب واقفة… لكن ليس بالضرورة مستقرة.
- سوزان مالوني هي نائبة رئيس معهد بروكينغز ومديرة برنامج السياسة الخارجية فيه. وقد عملت كمستشارة خارجية لوكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية في إدارة باراك أوباما، وكعضو في فريق تخطيط السياسات التابع لوزير الخارجية الأميركي في إدارة جورج بوش (الإبن).
- يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن أفّيرز” الأميركية.
