لم تَعد أزمة إسرائيل سياسية فقط، بل باتت بنيوية: دولةٌ تنقسم تدريجًا إلى مجتمعين متناقضين، أحدهما ينتج الثروة والآخر يعيد توجيهها. وفي قلب هذا التوتر، تتشكل ملامح اقتصادٍ يتآكل، وديموقراطيةٍ تنحسر، وسياسة خارجية أكثر اندفاعًا نحو الصدام.
إِران ياشيف*
تَخَيَّل مشهدًا شرقَ أوسطيًا مُنقَسِمًا على نفسه: دولتان تبدوان وكأنهما تنتميان إلى عالمَين مختلفَين تمامًا.
الأولى تُجسّد نموذجًا اقتصاديًا متقدّمًا في قلب منطقةٍ مضطربة؛ اقتصادٌ عالي الإنتاجية، يبلغ فيه نصيب الفرد من الناتج المحلي نحو 80 ألف دولار سنويًا، وهو الأعلى إقليميًا. تحتضن هذه الدولة جامعات رائدة، وتُعَدُّ مركزًا عالميًا للتكنولوجيا والابتكار. ورُغمَ التبايُنات السياسية داخلها، فإنَّ قطاعًا واسعًا من مجتمعها لا يزال مُتمسِّكًا بأُسُس الديموقراطية الليبرالية.
أما الثانية، فتبدو أقرب إلى الصورة النمطية لدول الجوار. تُعاني من معدلات بطالة مرتفعة، وتتركّزُ فرص العمل في وظائف منخفضة المهارة وضعيفة الأجر. لا يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي فيها 35 ألف دولار، أي أقل من نصف نظيره في الدولة الأولى. يغلب على مجتمعها الطابع التقليدي أو المُتَدَيِّن، مع مستويات تعليم أدنى نسبيًا، ومواقف فاترة أو حتى معارضة للقيم الليبرالية.
غير أنَّ المفارقة أنَّ هاتين “الدولتين” ليستا سوى كيانٍ واحد: إسرائيل.
فداخل هذا البلد تتعايش واقعيتان مُتباينتان بحدّة. من جهة، شريحةٌ واسعة من السكان تتمتع بمستوى تعليم مرتفع ودخل عالٍ، وتُشكّل العمود الفقري للاقتصاد، إذ تتحمّل العبءَ الأكبر من الإيرادات الضريبية وتُنتجُ الجُزءَ الأكبر من الثروة. هذه الفئة تميلُ في الغالب إلى معارضة سياسات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته ذات التوجُّه القومي اليميني.
في المقابل، تقف شريحة أخرى أقل حظًا من حيث التعليم والدخل، تضمُّ بنحوٍ غير متناسب جماعات من اليهود الأرثوذكس المتشدّدين، الذين يسجلون أعلى معدلات البطالة في البلاد، إلى جانب القوميين الدينيين. وهذه الفئات تمثل قاعدة اجتماعية وسياسية بارزة داخل حكومة نتنياهو، ما يُعمّق الانقسام الداخلي ويضعه في صلب المشهد السياسي والاقتصادي للدولة.
هذا الانقسامُ البنيوي لا يقتصر على كونه ظاهرة اجتماعية، بل ينعكس مباشرة على استقرار النظام السياسي. فقد أسهم في تغذية استقطابٍ حاد، بات سمة ملازمة للمشهد الإسرائيلي، وواحدًا من العوامل الرئيسة وراء تكرار الأزمات الحكومية؛ إذ شهدت البلاد خمس جولات انتخابية خلال ست سنوات فقط، في مؤشر واضح إلى عمق الاختلال.
ومع مرور الوقت، لا يبدو أنَّ هذا التوازن الهشّ مُرشَّح للاستقرار، بل على العكس، تتجه المعادلة نحو مزيدٍ من التعقيد. فالشريحة الليبرالية، الأعلى إنتاجية والأكثر مساهمة في الاقتصاد، تتراجع نسبيًا من حيث الحجم الديموغرافي، فيما تتوسّع الشريحة المحافظة والمتشددة الأقل إنتاجية. هذه الدينامية تحمل في طياتها تداعيات بعيدة المدى: تآكل تدريجي في القاعدة الضريبية، مقابل صعود مستمر لنفوذ القوى اليمينية المتشددة والدينية داخل مؤسّسات الحكم.
في هذا السياق، يُرجَّح أن تتجه إسرائيل نحو واقع اقتصادي أكثر هشاشة، ونظام داخلي أكثر تشدُّدًا. وعلى الصعيد الخارجي، تبدو النزعة العدوانية في تصاعد ملحوظ، سواء في المواجهات الإقليمية أو في إدارة الصراع مع الفلسطينيين. وقد تجلّى ذلك في العمليات العسكرية الأخيرة، وفي وتيرة التصعيد المستمر، بما يعكس تحوّلًا في مقاربة الدولة لدورها الإقليمي.
المفارقة أنَّ هذه التحوُّلات تُقرِّب إسرائيل، تدريجًا، من أنماط سائدة في المنطقة التي طالما سعت للتمايز عنها، بما في ذلك خصومها. فالصراع مع إيران، الذي طالما استند إلى خصومة إيديولوجية حادة، لم يعد محكومًا فقط بهذا البُعد، بل بات يتقاطع مع توجُّهات داخلية إسرائيلية تحمل بدورها طابعًا عقائديًا متشددًا. وفي ظل حكومات يمينية متعاقبة، اكتسبت هذه النزعة بُعدًا أكثر وضوحًا، خصوصًا مع تقاطعها مع سياسات إدارة دونالد ترامب التي وفرت غطاءً سياسيًا وعسكريًا لتصعيدٍ محتمل في المنطقة.
فجوة الإنتاجية
يُشكّل المجتمع الإسرائيلي لوحة معقدة من الفئات المتباينة، غير أنَّ جوهر الانقسام يتبلور في محورَين رئيسيين. الأول يتمثّل في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، الذي يُعَدُّ قاطرة الاقتصاد الإسرائيلي. ورُغمَ أنَّ العاملين فيه لا يتجاوزون نحو 10% من إجمالي القوى العاملة، فإنَّ مساهمتهم تُقارب خُمس الناتج المحلي الإجمالي. ويعود ذلك إلى إنتاجيةٍ مرتفعة تفوق بأكثر من الضعف متوسّط بقية القطاعات.
هذا التفوُّق لا ينبع فقط من طبيعة القطاع، بل من خصائصه البنيوية: رأس مال بشري عالي التأهيل، ارتباط وثيق بالأسواق العالمية، وشبكات بحث وتطوير متقدّمة. ونتيجة لذلك، يساهم القطاع بنحو نصف صادرات الخدمات، ويوفر قرابة ربع إيرادات الضرائب، ما يجعله الركيزة الأساسية لقدرة الدولة المالية ومكانتها الاقتصادية الدولية.
في المقابل، تقف شريحة اليهود المتشدّدين (الحريديم) على الطرف الآخر من معادلة الإنتاجية. إذ لا تتجاوز نسبة مشاركة الرجال منهم في سوق العمل 54%، وغالبًا ما تتركز وظائفهم في مجالات منخفضة المهارة والدخل، حيث لا يتعدى متوسط أجورهم نصف ما يتقاضاه نظراؤهم من غير المتشددين.
أما النساء في هذه الشريحة، فرُغمَ أنَّ معدلات تشغيلهن مرتفعة نسبيًا وتكاد توازي معدلات نظيراتهن من غير المتشددات، فإنَّ الفجوة في الأجور تبقى واضحة، إذ يقلُّ متوسّط دخلهن بنحو الثلث. كما إنَّ نسبة كبيرة منهنَّ تعمل في وظائف جُزئية أو منخفضة المهارة، ما يعمّق الفجوة الاقتصادية داخل المجتمع ويُكرّس اختلالات سوق العمل.
تنعكس هذه الاختلالات بوضوح في المؤشّرات الاجتماعية. إذ يعيش نحو ثلث الأسر الحريدية تحت خط الفقر، مقارنة بحوالي 14% فقط بين بقية الأسر اليهودية. ولا تعود هذه الفجوة إلى خيارات فردية فحسب، بل ترتبط أيضًا ببُنى مؤسسية راسخة. فالرجال الحريديم معفون إلى حد كبير من الخدمة العسكرية، ما يحرمهم من بوابة أساسية للاندماج في سوق العمل وبناء الشبكات الاجتماعية.
ويُعمّق هذا العزلَ نظامٌ تعليمي منفصل، يركّز على الدراسات الدينية ويُهمّش المواد الأساسية مثل الرياضيات والعلوم واللغة الإنكليزية. ونتيجة لذلك، يتجه عدد كبير من الشباب إما إلى الدراسة الدينية طويلة الأمد أو إلى وظائف هامشية منخفضة الدخل. في المقابل، تتحمل النساء الحريديات عبئًا مزدوجًا، إذ يُدِرن أسرًا كبيرة ويعملن غالبًا بدوام جُزئي، في ظل مستويات دخل محدودة. ومع ضعف المداخيل، تسهم هذه الأسر بنصيب ضئيل في الإيرادات الضريبية، وتعتمد بدرجة كبيرة على التحويلات الاجتماعية والدعم الآتي من مجتمعات حريدية الولايات المتحدة وبريطانيا.
ولا يقتصر تدنّي الإنتاجية على هذه الشريحة، بل يشمل أيضًا المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يشكّلون نحو خُمس السكان (20%). إذ يتركزون بدورهم بشكل غير متناسب في وظائف منخفضة الأجر. غير أنَّ أسباب ذلك تختلف؛ فبدلًا من العزلة الذاتية، يواجه هؤلاء تمييزًا هيكليًا، واستثمارًا محدودًا في البنية التحتية والخدمات التعليمية، ما يقيّد فرصهم في الوصول إلى تعليم نوعي ووظائف عالية المهارة، ويُبقي الفجوة قائمة بينهم وبين نظرائهم اليهود.
في الوقت نفسه، تتسارع التحوُّلات الديموغرافية. فالحريديم يشكّلون اليوم نحو 14% من السكان، لكن معدلات الخصوبة المرتفعة لديهم—التي تصل إلى نحو 6.5 أطفال للمرأة—تفوق بكثير نظيراتها لدى اليهود العلمانيين والمتدينين الآخرين. وبناءً على هذه الاتجاهات، يُتوقع أن تتجاوز نسبتهم خُمس السكان بحلول منتصف أربعينيات القرن الحالي، وأن تقترب من الثلث بحلول ستينياته.
تحمل هذه الديناميات آثارًا مباشرة على مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي. فمع تقلُّص حجم الشريحة عالية الإنتاجية مقابل نمو شريحة أقل إنتاجية، يصبح الحفاظ على مستويات مرتفعة من نصيب الفرد من الناتج المحلي أمرًا بالغ الصعوبة. وفي المدى الأبعد، ستواجه الدولة تحديات متزايدة في تمويل الخدمات الأساسية—من التعليم والرعاية الصحية إلى البنية التحتية والجيش. وفي ظل هذه الضغوط، قد تتجه رؤوس الأموال والكفاءات البشرية إلى الخارج، بحثًا عن بيئات أكثر استقرارًا وعائدًا.
في الواقع، لم يعد هذا التحوُّل مجرّد توقُّع نظري، بل بات مسارًا قائمًا بالفعل. فخلال العامين 2023 و2024، غادر نحو 100 ألف إسرائيلي البلاد، وفق تقديرات حديثة. وتشير دراسة، أعدّها الاقتصاديون إيتاي آتر ونيتاي بيرغمان ودورون زامير، إلى أنَّ نسبة معتبرة من هؤلاء المهاجرين تنتمي إلى الشرائح الأعلى تأهيلًا، خصوصًا في مجالات الطب والهندسة والتكنولوجيا والبحث الأكاديمي.
وتُظهر تجارب دولية سابقة أنَّ مثل هذه الخسائر البشرية يصعب تعويضها. ففي أعقاب أزمة الديون في اليونان خلال العقد الماضي، غادر نحو 5% من السكان، ولم يعد معظمهم حتى اليوم. وعلى المنوال نفسه، من المرجح أن تؤدّي موجات الهجرة من إسرائيل إلى تعميق الضغوط المالية، عبر تسريع تآكل القاعدة الضريبية.
ومع تقلص عدد دافعي الضرائب، ستجد الحكومة نفسها مضطرّة إلى رفع الأعباء الضريبية على من تبقّى، ما قد يدفع مزيدًا من الكفاءات إلى المغادرة. وفي موازاة ذلك، قد تتجه وكالات التصنيف الائتماني إلى خفض تصنيف الديون الإسرائيلية، الأمر الذي يرفع كلفة الاقتراض ويضيّق هامش المناورة أمام صانعي القرار. والنتيجة المُحتملة هي دخول الاقتصاد في حلقة مفرغة: استثمار أقل، نمو أبطأ، ومستويات معيشة آخذة في التراجع.
بيتٌ مُنقَسِم
يتقاطع هذا الشرخ الاقتصادي بوضوح مع الانقسام السياسي المتصاعد. فالعاملون في القطاعات عالية الإنتاجية يميلون، في غالبيتهم، إلى دعم ركائز الديموقراطية الليبرالية—من استقلال القضاء إلى حرية الإعلام وفرض القيود على السلطة التنفيذية. في المقابل، تتجه الفئات الأقل إنتاجية بشكلٍ متزايد نحو دعم قوى سياسية تسعى إلى تقويض هذه الضوابط.
في هذا السياق، تجد الأحزاب الحريدية نفسها في تحالف طبيعي مع الأحزاب الدينية القومية المتشددة، التي تمثل شريحة وازنة من السكان وتتمتع بقدرة اقتصادية أكبر نسبيًا. وتسعى هذه القوى إلى إعادة تشكيل النظام المؤسسي، عبر إضعاف القضاء، وتوسيع نفوذ المحاكم الدينية، وتعزيز السيطرة على الضفة الغربية. ورُغمَ اختلاف أولوياتها عن الحريديم—الذين يُركّزون على الامتيازات الاجتماعية والتعليم الديني—فإنَّ تقاطع المصالح بين الطرفين يظل قائمًا، لا سيما في ما يتعلق بإضعاف المؤسسات الليبرالية وتركيز السلطة.
وقد نجح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في ربط هذه التيارات ضمن ائتلافٍ سياسي متماسك. فمن خلال علاقاته الطويلة مع قادتها، تبنّى جُزءًا كبيرًا من أجنداتهم. ويضم ائتلافه الحالي أحزابًا دينية متشددة وأخرى قومية متطرفة، يقود بعضها شخصيات مثيرة للجدل. ومنذ مطلع عام 2023، شرعت هذه القوى في تنفيذ خطة متدرِّجة لإعادة صياغة التوازن المؤسسي، عبر تقليص استقلال القضاء، وإضعاف آليات الرقابة، وإعادة توجيه الموارد العامة نحو قواعدها الاجتماعية.
أثارت هذه السياسات موجة احتجاجات واسعة في أوساط التيارات الليبرالية والمعتدلة، التي نزلت مرارًا إلى الشارع دفاعًا عن المؤسسات الديموقراطية. ورُغمَ أنَّ هذه الاحتجاجات نجحت في إبطاء بعض التشريعات، فإنَّ المسار العام لم يتغيّر جذريًا.
حتى هجمات “حماس” في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، التي شكّلت صدمة كبرى للمجتمع الإسرائيلي، لم تؤدِّ إلى وقف هذا التوجُّه. فرغم التراجع الحاد في شعبية نتنياهو في أعقاب الهجمات، تمكن لاحقًا من إعادة ترسيخ موقعه السياسي، مُستفيدًا من حالة الخوف والغضب العام، ومُعزّزًا تماسك ائتلافه عبر تلبية مطالب شركائه، بما في ذلك تقديم دعم مالي إضافي للحريديم والمتشددين، حتى في ظلِّ الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
في الأشهر الأخيرة، خفَّ زخم الاحتجاجات، ما أتاح للحكومة المضي قدمًا في تمرير حزمة من التشريعات التي تُضعِفُ البنية الديموقراطية وتُعيدُ توجيه الموارد العامة لخدمة مكوّنات الائتلاف. وفي موازاة ذلك، تتشكل ملامح أزمة دستورية متصاعدة؛ إذ كُسِرَت أعرافٌ راسخة بعدم دعوة رئيس المحكمة العليا إلى مناسبات رسمية، فيما يلوّح وزراء بإمكانية تجاهل قرارات القضاء، في سابقة تمسُّ جوهر مبدَإِ الفصل بين السلطات.
الأخطر أنَّ الحكومة طرحت مشروع قانون يعيد تعريف دور المستشار القانوني للحكومة—وهو منصب يجمع أيضًا صلاحيات النائب العام—بما يؤدي عمليًا إلى تقليص استقلاليته. فالفصل بين وظيفتي “المستشار” و”المحامي” وجعل التعيين ذا طابع سياسي صِرف، يُفرِغُ هذا المنصب من دوره كحارس قانوني على السلطة التنفيذية.
وإذا أُقرّ هذا المشروع، فسيُزال أحد أهم الحواجز المؤسسية أمام التراجع الديموقراطي، وهو مسارٌ يتغذّى أصلًا من طبيعة السلوك الانتخابي في إسرائيل، حيث تلعب الانتماءات الجماعية والهويات الاجتماعية دورًا حاسمًا يفوق الاعتبارات الاقتصادية. وبذلك، حتى مع تدهور المؤشرات الاقتصادية، يُرجّح أن يستمر الدعم للأحزاب القومية والدينية.
متاعب مقبلة
تشي المؤشرات بأنَّ السنوات المقبلة قد تحمل مسارًا أكثر قتامة. ففي غياب تحوّل جوهري، يُتَوقَّع أن تصبح إسرائيل أقل ازدهارًا وأكثر انقسامًا، مع تآكل إضافي في مؤسساتها الديموقراطية. كما قد تتجه نحو مزيد من النزعة العسكرية، خصوصًا إذا استُخدمت التوترات الإقليمية كأداة لتعبئة الداخل.
في هذا الإطار، قد يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى توظيف التصعيد مع إيران لتعزيز موقع ائتلافه قبيل أي استحقاق انتخابي. فإذا تحسنت مؤشرات التأييد، قد يدفع نحو انتخابات مبكرة (حزيران/ يونيو المقبل)؛ أما إذا استمرَّ التراجع، فقد يلجأ إلى أدوات استثنائية، مثل إعلان حالة الطوارئ وتأجيل الانتخابات.
بهذا المعنى، يبرز مشهد مألوف في تجارب الأنظمة الشعبوية: توظيف الصراع الخارجي كوسيلة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية، حتى لو جاء ذلك على حساب الاستقرار الداخلي والإقليمي.
يُقدّم مسار إيران مثالًا لافتًا يسلّط الضوء على هذا التشابه. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لم تكن الفجوة الاقتصادية بينها وبين إسرائيل واسعة من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي. غير أنَّ التحوُّل الذي أعقب الثورة الإسلامية 1979 غيّر المسار جذريًا. إذ أعادت القيادة الجديدة تشكيل الدولة على أُسُسٍ دينية، ووجّهت الموارد نحو الأمن والعسكرة، وقيَّدت الحريات العامة، وأضعفت المؤسسات القضائية المدنية.
النتيجة كانت تراجعًا اقتصاديًا حادًا وركودًا طويل الأمد، حتى بات نصيب الفرد من الناتج المحلي في إيران اليوم لا يتجاوز عُشر نظيره في إسرائيل. ومع ذلك، حافظ النظام السياسي على تماسكه لعقود. وتكشف هذه التجربة أن الأنظمة القائمة على الاستبداد العقائدي والديني، رغم ضعف كفاءتها الاقتصادية، يمكن أن تستمر لفترات طويلة. والمفارقة أن إسرائيل تبدو، في بعض جوانب مسارها الحالي، وكأنها تقترب من نمط مشابه.
مع ذلك، لا يخلو المشهد من مساحات للأمل. فقد أظهرت موجات الاحتجاج الواسعة في إسرائيل أنَّ المجتمع المدني لا يزال حيًا وقادرًا على التعبئة خارج الأطر السياسية التقليدية. ويظل هذا الحراك أحد الأدوات القليلة المتاحة لكبح التدهور الاقتصادي والسياسي.
كما يمكن لفاعلين مؤثرين—وفي مقدمتهم قادة قطاع التكنولوجيا—أن يلعبوا دورًا حاسمًا في إعادة توجيه المسار، إذا ما قرروا استخدام ثقلهم الاقتصادي والسياسي. كذلك، قد تسهم الجاليات اليهودية في الخارج، إلى جانب الحكومات الليبرالية، في دعم هذا الاتجاه. ومع ذلك، يبقى واضحًا أن الطريق أمام إسرائيل لن يكون سهلًا، وأن التحديات المقبلة ستكون عميقة ومركبة وخطيرة.
- الدكتور إِران ياشيف هو أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب، وعضو في مركز الاقتصاد الكلي في كلية لندن للاقتصاد، ورئيس سابق لبرنامج الأمن القومي والاقتصاد في معهد دراسات الأمن القومي.
- يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع نشره بالإنكليزية في “فورِن أفّيرز” الأميركية.
