إيمان درنيقة الكمالي*
يعيش الشرق الأوسط اليوم تحوّلات جيوسياسية كبرى تُعيدُ رَسمَ موازين القوى؛ فبعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بدأت إسرائيل نمطًا جديدًا من التغوُّل تحت ذريعة “البحث عن الأمن”، مُحاولةً إعادة تشكيل ديناميكيات المنطقة بما يخدم طموحاتها التوسُّعية. وهنا تبرز الإشكالية الجوهرية: في ظلِّ هذا الاندفاع الإسرائيلي والحرب المفتوحة على إيران، هل أصبحت المواجهة مع تركيا حتمية تاريخية أم أنها مجرّدُ صدامٍ مُؤجَّل تضبط إيقاعه الحسابات البراغماتية؟
لم تعُد السياسة الخارجية التركية أسيرةً لمثالية “أغصان الزيتون”، بل انتقلت في عام 2026 إلى طور “البراغماتية الخشنة”. لقد غادرت أنقرة مربع “تصفير المشاكل” لتدخل مرحلة “إدارة التناقضات”، مُحوِّلةً الجغرافيا إلى أداة ضغط استراتيجي عابرة للحدود، مُدركةً أنَّ صناعة السلطة تتطلّب استخدام “القوة الذكية” التي تزاوج بين المرونة الديبلوماسية والوجود العسكري الميداني في سوريا وليبيا والصومال. هذا التحوُّل تدعمه أرقام صلبة؛ فحسب تصنيف مؤشر “غلوبَل فايرباوِر” (Global Firepower) لعام 2026، يتربع الجيش التركي في المرتبة التاسعة عالميًا، مُتَسلّحًا باستقلالٍ دفاعي نوعي وصناعات عسكرية أصبحت تصدّر “الأمن” للحلفاء، مما جعل من تركيا “ندًّا جيوسياسيًا” أصيلًا لا يمكن إغلاق أي ملف إقليمي من دون توقيعها.
هذا الصعود هو تحديدًا ما يجعل إسرائيل تنظر إلى تركيا كـ”تهديدٍ استراتيجي”؛ فأنقرة قوة أصيلة ومُندمجة في نسيج المنطقة، تمتلك مشروعًا لا يتصادم بحدة مع هوية شعوبها، مما يمنحها “قوة ناعمة” وشرعية إقليمية تفتقدها إسرائيل وتخشى من تحوّلها إلى شبكة تحالفات مستدامة قادرة على محاصرتها سياسيًا وديبلوماسيًا. وما يضاعف هذا القلق هو حالة الاستقلال الاستراتيجي التي انتزعتها تركيا عبر طفرةٍ صناعية دفاعية كسرت احتكار التكنولوجيا، حيث بلغت إيراداتها نحو 31 مليار دولار بصادراتٍ نوعية شملت مسيّرات قادرة على تحييد أهداف أسرع من الصوت، مما بات يهدد “التفوُّق الجوي النوعي” الذي طالما انفردت به إسرائيل.
علاوة على ذلك، فإنَّ عضوية تركيا في حلف “الناتو” تمنحها حصانة جيوسياسية وغطاءً قانونيًا يجعل من الصعب عزلها أو استهدافها، بل ويعزز قدرتها على المناورة المرنة بين الشرق والغرب بذكاء يُربك الحسابات الإسرائيلية. وقد تعمّقت هذه الهواجس مع التحوّلات السورية الأخيرة التي حرّكت أخطر خطوط الصدع الجيوسياسية الساكنة منذ ستة عقود؛ حيث تنظر إسرائيل بريبةٍ إلى نشوء واقع سوري جديد يُنظَرُ إليه كحليف استراتيجي لأنقرة، مما يعني عمليًا أنَّ تركيا باتت تمتلك “حدودًا” مباشرة ومؤثّرة في معادلة الأمن الإسرائيلي. إنَّ هذا الصعود لنموذج “الدولة القوية المستقلة” يُمثّل كابوسًا لبنيامين نتنياهو الذي لا يتوقّف عن استدعاء “بعبع العثمانية الجديدة” كأداةٍ للتحذير من مشروعٍ تركي يهدف لإعادة هندسة النفوذ في المنطقة، خوفًا من نجاح أنقرة في قيادة جبهة إقليمية متماسكة تقف عائقًا بنيويًا أمام طموحات إسرائيل في الانفراد بالشرق الأوسط الجديد.
تترجم إسرائيل هذه الهواجس البنيوية إلى استراتيجية “تطويق خشنة” تتوزّع ساحات اشتباكها البارد عبر ثلاثة محاور جيوسياسية متفجّرة؛ يبدأ أولها في الميدان السوري، حيث يحتدم صراع “التقسيم مقابل الوحدة”. فبينما تسعى إسرائيل بوضوح إلى تفكيك الجغرافيا السورية وإنشاء دويلات طائفية وإثنية —وفي مقدمتها دعم كيان كردي في الشمال— فإنها تضع تركيا أمام كارثة وجودية تهدد بإحياء النزعة الانفصالية للمكوّنات الكردية داخل حدودها، وهو ما يدفع أنقرة للاستماتة في تثبيت “سوريا الموحدة” كحائط صدٍّ أخير يحمي أمنها القومي. ويمتد هذا الحصار إلى المحور المتوسطي في ما يُعرَفُ بمحاولة تطويق عقيدة “الوطن الأزرق” التركية؛ إذ تستثمر إسرائيل تحالفاتها مع اليونان وقبرص لعزل أنقرة بحريًا ومنعها من استثمار ثروات الغاز عبر إحياء خط أنابيب غاز شرق المتوسط (EastMed)، وهو صراعٌ سيادي ترفض فيه تركيا أي ترسيم يقلّص نفوذها البحري. أما المحور الثالث فيصل إلى القرن الأفريقي، حيث برز الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” كضربة ارتدادية مباشرة للاستثمارات التركية المليارية في مقديشو، في محاولةٍ إسرائيلية لمنافسة الحضور التركي في ممرات البحر الأحمر الحيوية.
وعلى الرغم من هذا “التصادم الوجودي”، تظلُّ المواجهة العسكرية المباشرة خيارًا مُستبعَدًا تحكمه ديناميكيات الردع والبراغماتية الخشنة؛ فإسرائيل التي اعتادت قنص فرص التوسُّع في لحظات الانكشاف والضعف، تصطدم اليوم بتركيا بوصفها “كتلة صلبة” تتبنّى عقيدة “الاستعداد للحرب لمنع وقوعها”. وهذا ما يفسر بوضوح وتيرة التحشيد الإعلامي، وتوسيع شبكة الملاجئ، والتسارع في الصناعات الدفاعية؛ إذ تمثل هذه الخطوات رسائل ردع حاسمة تُذكّر إسرائيل بأنَّ تركيا ليست فريسة سهلة، وأن تكلفة أي مغامرة عسكرية ضدها ستكون باهظة ولا تقارن بغيرها من الساحات.
وتكتمل حصانة أنقرة بنجاحها في ترميم علاقاتها مع “مثلث القوة” (مصر والمملكة العربية السعودية)، مُشكِّلةً بذلك “كتلة استقرار” إقليمية ترفض مشاريع التفتيت الإسرائيلية. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بنشوء “محور سني” متطابق المصالح؛ إذ لا تزال الرياض والقاهرة تمتلكان هواجسهما الخاصة تجاه الطموحات التركية، تمامًا كما تحرص واشنطن على ألّا تقع إسرائيل في حصارٍ إقليمي كامل. ومع ذلك، يظل هذا التوازن مدعومًا بواقعية إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي ترى في الوجود التركي ضامنًا استراتيجيًا وحيدًا لمنع تحوُّل الجوار العربي إلى “دول فاشلة” أو بؤر إرهابية عابرة للحدود.
في الختام، نحن أمام حقبة من “التعاون التنافسي”؛ حيث تفرض القوة التركية حدودًا صلبة لا يمكن للمشروع الإسرائيلي تجاوزها. إسرائيل قد تقبل بالدور التركي “بشروط” تضمن استقرار الميدان، بينما تواصل أنقرة بناء الردع لحماية جغرافيا المنطقة. إنه “الصدام المؤجَّل” الذي يفضل فيه الجميع “الاحتواء” على “الانفجار”، لتظل تركيا هي الرقم الصعب الذي يثبت أنَّ الشرق الأوسط ليس ساحة مفتوحة لطرف واحد؛ بل فضاء تخطه إرادة مَن يُتقِنُ فنَّ القوة والبراغماتية معًا.
- الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي هي أستاذة جامعيّة وباحثة سياسيّة لبنانية.
