لم تعد الحروب تستهدف المصانع وخطوط الإمداد فحسب، بل امتدت إلى البنية التحتية الرقمية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. فمع ضرب مراكز البيانات في الخليج، دخلت الحوسبة السحابية عصرًا جديدًا من المخاطر الجيوسياسية.
كانديس روندو*
لطالما استهدفت الحروب البنية التحتية التي يقوم عليها عصرها. ففي العصور الوسطى كانت الجيوش تحرق مخازن الحبوب لإضعاف قدرة خصومها على الصمود، وفي القرن العشرين تحوّلت المصانع وخطوط السكك الحديدية إلى أهداف رئيسة للغارات الجوية. المنطق ظلّ ثابتًا عبر العصور: تحديد ما لا يستطيع العدو العمل بدونه، ثم ضربه.
اليوم يبدو أنَّ الصراع الأميركي–الإسرائيلي مع إيران يسير على المنوال نفسه، ولكن في ميدانٍ مختلف. فقد كشفت غارات الطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت في الأول من آذار (مارس) ثلاثة مراكز بيانات تابعة لشركة أمازون لخدمات الويب في الإمارات العربية المتحدة والبحرين عن انتقال ساحة الحرب إلى البنية التحتية الرقمية. ففي الإمارات، تسببت الضربات بأضرار كبيرة لما يمكن وصفه بالجهاز العصبي التجاري للخليج، بعدما عطّلت خدمات الحوسبة السحابية التي تعتمد عليها البنوك وشركات التأمين وشركات الخدمات اللوجستية.
لكن الأثر الأعمق لهذه الهجمات لم يقتصر على شركة أو دولة بعينها، بل أصاب فكرة راسخة في عالم التكنولوجيا. فالبنية التحتية للحوسبة السحابية –بفضل مراكز البيانات الاحتياطية والشبكات الموزَّعة وكابلات الألياف الضوئية الممتدة عبر القارات– بُنيت على افتراض أنَّ التكنولوجيا قادرة على تجاوز قيود الجغرافيا.
غير أنَّ هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية قدّمت تذكيرًا قاسيًا بواقع مختلف: فالحوسبة السحابية ليست مجرّد فضاءٍ افتراضي. إنها تقوم على مراكز بيانات فعلية، وهذه المراكز هي مبانٍ قائمة على أرض محددة. وحيثما وُجدت الأرض، وجدت معها الجغرافيا السياسية، بكل ما تحمله من صراعات وحدود ومخاطر.
يمتدُّ هذا الضعف البنيوي إلى معظم مراكز البيانات الموجودة في مناطق تشهد توترات جيوسياسية، غير أنَّ حالة البحرين تُجسّد هذه المعضلة بوضوح أكبر من غيرها. فالجزيرة الصغيرة التي تستضيف منذ عقود مقر الأسطول الخامس للبحرية الأميركية تحوّلت في الوقت نفسه إلى أحد أكثر المراكز الرقمية طموحًا في الخليج. فقد استثمرت المنامة مليارات الدولارات في تطوير بنيتها التحتية الرقمية وتعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، في مسعى لترسيخ موقعها كمركز إقليمي للحوسبة السحابية والخدمات الرقمية.
وبحلول العام 2022، كانت البحرين قد نقلت نحو 85% من خدماتها الحكومية إلى سحابة شركة أمازون لخدمات الويب (AWS)، وهو إنجاز احتفت به الشركة باعتباره علامة فارقة في منطقة تتسابق دولها لبناء بنية تحتية رقمية متقدّمة تنافس المراكز العالمية. غير أنَّ هذا النجاح التكنولوجي حمل في طياته مفارقة خطرة: فالمركز الذي يُفترض أن يمثل قفزة نحو المستقبل الرقمي بات، من منظور الخصوم، هدفًا استراتيجيًا مشروعًا.
ومن الضفة الأخرى لمضيق هرمز، بدا الأمر مختلفًا تمامًا في نظر الحرس الثوري الإيراني. فوجود مراكز بيانات أميركية متقدّمة في بلد يستضيف قوات بحرية أميركية جعل هذه المنشآت جُزءًا من البنية التي ينظر إليها الإيرانيون باعتبارها داعمة للوجود العسكري الأميركي في المنطقة. ولذلك لم يكن استهدافها، وفق هذا المنطق، مجرد عمل رمزي أو استعراضي، بل خطوة محسوبة ضمن حسابات الصراع.
وقد عبّرت طهران بوضوح عن هذا المنطق. ففي بيان نشرته وكالة فارس التابعة للحرس الثوري، قيل إن ضربات الأول من آذار (مارس) استهدفت “تحديد دور هذه المراكز في دعم الأنشطة العسكرية والاستخباراتية للعدو”. وبعبارة أخرى، لم يكن الهدف تعطيل خدمات مدنية بسيطة مثل تجديد جوازات السفر أو المعاملات الحكومية. الرسالة كانت أعمق من ذلك بكثير: في البحرين، باتت البنية الرقمية التي تدير التجارة والخدمات المدنية متشابكة عمليًا مع البنية التي تدعم القوة العسكرية الأميركية.
صحيح أنَّ الأضرار المباشرة التي لحقت بمراكز البيانات في الإمارات والبحرين كانت كبيرة، لكنها بقيت ضمن حدود يمكن احتواؤها. فقد أعادت البنوك توجيه عملياتها إلى أنظمة بديلة، وتعطلت بعض المنصات الرقمية لفترة محدودة قبل أن تستعيد نشاطها، كما عادت الخدمات الحكومية للعمل بعد انقطاع قصير.
غير أن الخسارة الحقيقية لم تكن في الأضرار التقنية المباشرة، بل في الضربة التي تلقاها الافتراض الأساسي الذي قامت عليه صناعة عالمية تقدَّر استثماراتها بنحو 2.3 تريليوني دولار في مراكز البيانات فائقة التوسع. فطوال سنوات، ركّزت الشركات المشغّلة على حماية هذه البنية التحتية من المخاطر التقليدية: الفيضانات، والحرائق، وانقطاع كابلات الألياف الضوئية، والهجمات السيبرانية، وحتى العمليات الإرهابية.
لكن السيناريو الذي لم يؤخذ على محمل الجد هو احتمال أن تصبح البنية التحتية للحوسبة السحابية نفسها هدفًا مباشرًا في صراع بين الدول. وهذا تحديدًا ما كشفت عنه ضربات الخليج.
فالهندسة التي صُممت لمنع مثل هذا الاضطراب لم تصمد كما كان متوقعًا. تعتمد أمازون في تصميم مناطقها السحابية على مبدَإِ التكرار (Redundancy)، أي توزيع الخدمات على منشآت مستقلة عدة بحيث لا يؤدي فقدان مركز واحد إلى انهيار النظام بأكمله. وفي منطقة الخليج كانت هناك ثلاثة مراكز بيانات منفصلة فعليًا، وهو تصميم يُفتَرَض أن تستطيع قدرته تحمُّل أي عطل منفرد.
لكن الهجوم أدى إلى تدمير اثنين من هذه المراكز في وقت واحد، في ما يبدو أنه أول استهداف عسكري مباشر لبنية تحتية سحابية تجارية فائقة التوسع في التاريخ. والأهم من ذلك أن المهاجمين أظهروا فهمًا متقدمًا للبنية المادية لهذه الأنظمة الرقمية، إذ لم يقتصر الأمر على معرفة مواقع مراكز البيانات، بل امتد إلى دراسة كيفية اختراق آليات الصمود التي بُنيت عليها.
وهذا يفتح الباب أمام نوع جديد من التهديدات لم تكن صناعة التكنولوجيا قد استوعبته بالكامل بعد: حرب تستهدف ليس فقط الجيوش أو المصانع، بل الأعصاب الرقمية للاقتصاد العالمي.
تزيد اقتصاديات الدفاع من تعقيد هذه المعادلة بدل أن تخففها. فمراكز البيانات ليست مجرد منشآت تقنية صغيرة، بل مجمعات صناعية ضخمة تستهلك كميات هائلة من الطاقة وتتطلب بنية تحتية مادية واسعة. وحمايتها من هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ المتكررة تعني نشر منظومات دفاعية متعددة الطبقات، تشمل الرادارات وأنظمة الاعتراض والصواريخ الدفاعية، وهي جميعها مكلفة للغاية ويصعب تشغيلها وصيانتها على نطاق واسع. في المقابل، تبقى كلفة الهجوم منخفضة نسبيًا. فإطلاق طائرة مسيّرة أو صاروخ موجه أقل بكثير تكلفة من اعتراضه. وهذه الفجوة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع ليست عرضية، بل تمثل جُزءًا أساسيًا من منطق الحروب الحديثة.
قبل أن تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما الجوية ضد إيران في 28 شباط (فبراير)، كانت منطقة الخليج تتجه بسرعة لتصبح إحدى أهم الوجهات العالمية للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. فقد خصصت شركة مايكروسوفت نحو 15.2 مليار دولار لتوسيع عملياتها في الإمارات العربية المتحدة حتى العام 2029، يذهب أكثر من نصفها إلى بناء مراكز بيانات مخصصة للذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية. وفي العام 2024 أعلنت أمازون لخدمات الويب عن إنشاء “منطقة بنية تحتية” جديدة في المملكة العربية السعودية بقيمة 5.3 مليارات دولار. وفي مختلف أنحاء الشرق الأوسط، يجري حاليًا تشغيل أو تطوير مئات المرافق الضخمة للحوسبة فائقة التوسع.
لكن المفارقة أنَّ العوامل ذاتها التي جعلت الخليج وجهة جذابة لمراكز البيانات جعلته أيضًا ساحة محتملة للصراع. فقد أظهرت الضربات المتبادلة، بما في ذلك الضربات الأميركية–الإسرائيلية المضادة على مراكز بيانات داخل إيران، أنَّ البنية الرقمية يمكن أن تتحوّل بسهولة إلى جُزءٍ من ساحة المعركة.
ويبدو أنَّ هذا الواقع المزدوج لم يؤخذ بالجدية الكافية، سواء في مساعي إدارة دونالد ترامب لتسريع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في المنطقة أو في التخطيط الاستراتيجي للحرب نفسها. فبعد أن ألغى البيت الأبيض العام الماضي القيود التي فرضتها إدارة جو بايدن على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة، تدفقت شرائح “إنفيديا” عالية الأداء إلى المنطقة، ما مهّد الطريق لظهور سلسلة من مراكز الحوسبة فائقة التوسع. ومن بينها منشأة “ستارغيت” في الإمارات العربية المتحدة، التي قامت على افتراض بسيط: أنَّ الخليج منطقة آمنة ومستقرة ومتوافقة استراتيجيًا مع الغرب.
غير أن هذا الافتراض لم يصمد طويلًا أمام أول اختبار حقيقي في زمن الحرب.
في الواقع، لم تكن هذه المخاطر غائبة تمامًا عن النقاش. فقد صدرت خلال السنوات الماضية تحذيرات متكررة من أنَّ البنية التحتية الرقمية المدنية قد تجد نفسها في قلب النزاعات المسلحة. وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أبرز الجهات التي نبهت الحكومات وشركات التكنولوجيا إلى هذا الاحتمال، خصوصًا مع ازدياد اعتماد الجيوش على الشبكات التجارية والأقمار الاصطناعية ومنصات الحوسبة السحابية.
لكن هذه التحذيرات غالبًا ما بقيت في حدود النقاش النظري داخل مجالس الإدارة والمؤتمرات المتخصصة، من دون أن تتحول دائمًا إلى سياسات عملية أو خطط وقائية.
واليوم يجد المستثمرون وشركات التأمين والحكومات وشركات التكنولوجيا أنفسهم أمام سؤال لم يكن مطروحًا بجدية من قبل: ما الكلفة الواقعية لتأمين بنية تحتية رقمية تقع في قلب مناطق استراتيجية، حيث تتقاطع القواعد العسكرية والبيانات السيادية والأنظمة المالية الحيوية في الجغرافيا نفسها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تعيد رسم خريطة الاستثمار في الاقتصاد الرقمي العالمي في السنوات المقبلة.
لقد جرى تسعير موجة الاستثمار العالمية في الذكاء الاصطناعي وفق افتراضات زمن السلم. أما منطقة الخليج، فهي تعمل اليوم في ظروف أقرب إلى زمن الحرب، حيث تظهر مخاطر لم تستطع الصناعة حتى الآن تسعيرها أو ربما لم ترغب في الاعتراف بها. فمرافق مراكز البيانات الساحلية في الخليج، التي تفتقر إلى عمقٍ جغرافي يحميها، ولا تُصنّف تقليديًا ضمن البنية التحتية الحيوية، كما تخضع لقوانين سيادة رقمية تمنع نقل البيانات الحساسة خارج نطاق الدولة، تبدو أقل جاذبية بكثير في ظل سيناريو صراع طويل. وفي هذا السياق، يصبح عنصر عدم اليقين العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تقييم هذه الاستثمارات في المستقبل.
وقد يقود ذلك إلى تغيّر ملموس في شكل وموقع مراكز البيانات. فبناء منشآت جديدة أو نقل البنية التحتية الرقمية إلى مناطق داخلية أكثر عمقًا داخل المملكة العربية السعودية قد يصبح خيارًا أكثر جدوى من الناحية الأمنية، ومن المرجح أن تعكس تدفقات الاستثمار المستقبلية هذه الحسابات الجديدة. وعلى المستوى العالمي، بدأت ملامح هذا التحوُّل تظهر بالفعل خارج الشرق الأوسط. فبعض التقارير تشير إلى أنَّ مخاوف الأمن القومي تدفع شركات التكنولوجيا إلى تحمّل تكاليف إضافية لبناء مراكز بيانات تحت الأرض أو في منشآت محصّنة.
غير أن هذه الخيارات تبقى باهظة التكلفة. فالبنية التحتية الرقمية المحصّنة على نطاق واسع تتطلب استثمارات ضخمة، ما يعني أن القدرة على تنفيذها قد تظل حكرًا على المستثمرين الكبار أو الشركات المدعومة من الدولة. وفي الخليج، يبرز مثال شركة “مجموعة 42” (G42) الإماراتية، التي تتمتع بإمكانية الوصول إلى صناديق الثروة السيادية، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في التعامل مع هذا النوع من التحديات.
وفي الوقت نفسه، بدأت أسواق التأمين ترسل إشارات مشابهة، وإن بطريقة مختلفة. فقبل أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، أطلق تحالف مدعوم من لويدز لندن صندوقًا بقيمة 750 مليون دولار، صُمِّمَ خصيصًا لتغطية مخاطر البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وكان ذلك أول تحرك جدي من قطاع التأمين لمحاولة تسعير المخاطر التي كانت شركات التأمين تتجنب تغطيتها سابقًا.
لكن حتى هذا التطور يحمل قيودًا واضحة. فمن شبه المؤكد أن وثائق هذا الصندوق تتضمن بنودًا قياسية تُعرف باستثناءات الحرب، وهي بنود تلغي التغطية التأمينية في حال وقوع أضرار ناجمة عن عمل عدائي تقوم به دولة ذات سيادة أو وكلاؤها. وهذا يعني عمليًا أنَّ الأضرار المادية التي لحقت بمراكز البيانات نتيجة هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية لم تكن لتشملها التغطية التأمينية.
أما المخاطر القانونية فتبدو أكثر تعقيدًا. فقد صُممت قوانين السيادة التكنولوجية التي تبنتها حكومات الخليج أساسًا لفرض السيطرة على البيانات الرقمية ومواجهة التحديات التنظيمية التقليدية مثل حماية الخصوصية والامتثال عبر الحدود. لكنها لم تُصمَّم للتعامل مع سيناريوهات الحرب.
وقد ظهر هذا التحدي بوضوح في البحرين. فحين حاول مهندسو تكنولوجيا المعلومات نقل أحمال العمل الرقمية من المنطقة السحابية التي تعرضت لهجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية إلى مناطق أخرى، اكتشفوا أنَّ القوانين المحلية تمنع ببساطة نقل البيانات الحساسة خارج نطاق السيادة الوطنية. من الناحية القانونية، كانت هذه القواعد تعمل تمامًا كما صُمِّمت. لكنها في الوقت نفسه كشفت عن فجوة خطيرة: لم تكن هناك آلية طوارئ تسمح بترحيل البيانات في حالة الحرب.
باختصار، لم تتوقع القوانين نشوب حرب. وكذلك لم تتوقعها الصناعة التي ساهمت في صياغة هذه القواعد.
لقد بنت صناعة الذكاء الاصطناعي بنيتها التحتية وفق العالم الذي افترضته – عالم مستقر تُدار فيه المخاطر وفق منطق الاقتصاد الرقمي. لكن هذا العالم بدأ يتغير. ومعه بدأت كلفة هذا الافتراض تظهر بوضوح. فالعصر الذي بُنيت فيه تلك البنية التحتية قد انتهى، وبدأت الصناعة تدفع ثمنه.
- كانديس روندو هي المديرة الأولى لبرنامَجَي “خطوط المواجهة المستقبلية” و”السياسة الكوكبية” في مؤسسة نيو أميركا، وأستاذة في جامعة ولاية أريزونا، ومؤلفة كتاب “مطرقة بوتين الثقيلة: مجموعة فاغنر وانحدار روسيا إلى فوضى المرتزقة”.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
