السَلامُ يبدأُ من فلسطين

رمزي بارود*

لنَتَخَيَّل فلسطين مُحَرَّرة. لنتأمَّل كيف سيُعيدُ تحقيقُ العدالة للشعب الفلسطيني تشكيلَ ليس فقط المنطقة، بل العالم أجمع.

ليس هذا نقاشًا حول “حلٍّ سياسي” بالمعنى البيروقراطي الضيِّق. فمثل هذه الحلول لا تتطلّب عبقرية خاصة: لا يمكن تحقيق العدالة الحقيقية إلّا بمنح الشعب الفلسطيني كامل حقوقه وتحقيق تطلّعاته السياسية.

ومن الحقائق المؤكّدة أيضًا أنه لا يمكن تحقيق هذه العدالة ما دامت إسرائيل مُتَمسِّكة بإيديولوجيتها الصهيونية الحالية، وهي إطارٌ قائم على التفوُّق العرقي والإبادة المُمنهجة للسكان الفلسطينيين العرب الأصليين. بمجرّد كسر قيود هذه الإيديولوجية، تصبح الآليات السياسية الدقيقة ثانوية؛ فالتاريخ يُشير إلى أنَّ المستقبل سيميل نحو التعايش السلمي بدلًا من استمرار الفصل العنصري الحالي.

قد يبدو الحديث عن فلسطين مُحَرَّرة اليوم، للبعض، مُنفصلًا نوعًا ما -وإن لم يكن كُليًا- عن الحرب الدائرة التي تُمزّق المنطقة. إنها حربٌ، إن لم تُوقَف نهائيًا، ستستمر في تدمير شعوب الشرق الأوسط، مُؤديةً إلى مزيد من العسكرة، وإنفاق دفاعي مُفرط، ودوامات من العنف. على النقيض من ذلك، يُعد هذا النقاش الأكثر أهميةً الذي يُمكننا خوضه اليوم.

في فيلمه الوثائقي الرائد، لخص الصحافي والمخرج الأوسترالي الراحل جون بيلغر مركزية فلسطين في الشرق الأوسط بهذه الكلمات البليغة: “لقد لحق بالشعب الفلسطيني ظلمٌ تاريخي، ولن يَنعَمَ أحدٌ بالسلام، بمَن فيهم الإسرائيليون، حتى ينتهي الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي والوحشي”.

ليست هذه مجرد كلماتٍ للتظاهر، بل هي حقيقة تاريخية لا جدال فيها. لطالما كانت فلسطين القلب النابض لكلِّ حربٍ في الشرق الأوسط ولكلِّ صراعٍ مستمر. بالنسبة إلى إسرائيل، كان الاحتلال بمثابة حجر الزاوية لتوغُّلاتها العسكرية عبر الحدود. بالنسبة إلى جيران فلسطين وحلفائها، لا تزال فلسطين جرحًا لم يندمل في منطقة توحّدت تاريخيًا عبر استمراريةٍ سياسيةٍ وثقافية ولغوية ودينية.

حتى في الفترات التي بدت فيها فلسطين مُهَمَّشة في الديبلوماسية الإقليمية، حرصت إسرائيل على تذكير جيرانها بأنَّ مطامعها لم تقتصر يومًا على الفلسطينيين وحدهم. فسواء في فلسطين التاريخية أو في الشتات، لطالما أشار المشروع الصهيوني إلى طموحات أوسع.

أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صراحةً هذه النية التوسعية، مصرِّحًا مؤخَّرًا بأنه في “مهمة تاريخية وروحية” لتحقيق رؤية “إسرائيل الكبرى”. ومن خلال تبنّيه العلني لخريطة تبتلع الأراضي الفلسطينية وتهدد سيادة الدول العربية المجاورة، أوضح أنَّ محو فلسطين ليس سوى الخطوة الأولى في مخطط استعماري أوسع نطاقًا.

وتؤكد الحرب الحالية هذه الأهمية المحورية. فجذورها، والخطاب السياسي الذي تلاها، والرؤى المتضاربة لواقع “ما بعد الحرب”، كلها تُعيدُ فلسطين إلى صدارة المشهد العالمي. إنَّ مناقشة فلسطين وكأنها قضية معزولة -كما يفعل البعض للأسف- خطأ تاريخي فادح. في المقابل، فإنَّ مناقشة مستقبل الشرق الأوسط من دون وضع فلسطين في صلب النقاش هو وهم.

لذا، يجب علينا الإصرار على الحوار الفلسطيني الآن أكثر من أيِّ وقت مضى. فبمجرد تحقيق نتيجة عادلة للنضال الفلسطيني، ستُحدث آثارها الإيجابية تحوُّلًا جذريًا في المنطقة. عندها فقط يمكننا الانتقال من حالة الحرب الدائمة إلى مستقبلٍ قائم على تحرير جماعي حقيقي. مع ذلك، لا تتوقعوا قائمةً من الوصفات السياسية الجافة. فنحن نعرف بالفطرة كيف تبدو العدالة للفلسطينيين. حرية العيش، والمعاملة بالمساواة، والتمتع بالسيادة، والمطالبة بالمساءلة والاحترام – هذه الحقوق لا تتطلّب استشهادات مطوَّلة بالقانون الدولي أو الإنساني. إنها حقوقٌ طبيعية، تسري فينا، أفرادًا وجماعات، كما يسري الدم في عروقنا.

إنَّ رفض إسرائيل وحلفائها احترام القانون الدولي، أو الالتزام بأيِّ مَبدَإٍ إنساني مشترك، ليس خطأ الفلسطينيين أو غيرهم من ضحايا العدوان الإسرائيلي. بل يقع العبء الأخلاقي والقانوني بالكامل على عاتق أولئك الذين انتهكوا النظام القانوني الدولي، وتجاهلوه، وقوّضوه لفترة طويلة جدًا.

اليوم، يُظهر الفلسطينيون -شأنهم شأن شعوب لبنان وسوريا وغيرها من دول المنطقة- ما يجب على كلِّ أمة مُضطَهدة فعله: الصمود. هذا الصمود هو المفتاح، الآن أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. لن تُحسَمَ نتيجة هذا الصراع بعدد القتلى الهائل أو حجم الدمار الهائل، بل بصمود الشعب الذي لا يلين. التاريخ مُعلّم صبور؛ يُخبرنا أنه إذا صمد أصحاب الأرض الشرعيون، فسوف ينتصرون في النهاية.

يُشير ريتشارد فالك، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان الفلسطيني، وهو باحث قانوني بارز، إلى هذه الظاهرة بأنها انتصارٌ في “حرب الشرعية”. إنها حربٌ لا تُخاض بالطائرات المقاتلة، بل بالوضوح الأخلاقي لمَن يرفضون الاختفاء.

إذا انتصر العدل الحقيقي في فلسطين، فسينتصر حتمًا في لبنان وسوريا، وفي كلِّ مكان. ستزول نهائيًا الصورة النمطية البالية للشرق الأوسط بأنه “منطقة مزقتها الحرب”. إنَّ السلام العادل لن يقتصرَ على غياب الحرب فحسب، بل سيفتح آفاقًا جديدة، ويُعيد الإعمار، ويحقق نهضة إقليمية شاملة، والأهم من ذلك كله، يُعيدُ الأمل.

هذه ليست أمنية يائسة تُهمَسُ في ظلمات الجهل، بل هي المخرج الوحيد.

Exit mobile version