سياسة “فرّق تَسُد”: كيف تُدارُ الحروب لتفكيك الشرق الأوسط

القاضي محمد وسام المرتضى*

التحذيرات الأخيرة الصادرة عن رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني تؤكّد على حقيقةٍ واضحة: المشروع قديمٌ خطير، استفحل في هذه الأيام، يسعى إلى تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة نزاعاتٍ مستمرّة، تُستَنزف فيها الدول، وتُستباح السيادات، فلا يبقى إلاّ كيانٌ واحدٌ في موقع القوّة، يُنفّذُ مشروعه التوسّعي، ويُهيْمن على شعوب المنطقة، ويستعبدها، ويستولي على مقدّراتها.

هذه التحذيرات تُمثّل استعادةً واقعيةً للتاريخ والسياسات الإسرائيلية التي تعاملت مع محيطها، لا كفضاءٍ للتعايش، بل كساحةٍ قابلةٍ للتهجير والإحتلال والقضم بعد إخضاعها بالقوة أو إنهاكها ببثّ الفرقة والنزاعات بين مكوّناتها أو بالإثنين في آن.

وخيرُ دليلٍ على صحّة هذا التحليل ما صرّح به وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي من أنّ الحرب الأخيرة على إيران حصلت في وقت كانت المفاوضات معها قد بلغت مرحلة متقدّمة في اتّجاه حلٍّ عادل، ما يُبرز المفارقة الكبرى: بينما كادت الديبلوماسية تفتح نافذة أمل لحلّ الأزمة وتفادي الصراع، سارع الإسرائيلي الى التصعيد العسكري ليُغلقها ويقضي على فرصة كبيرة لنجاحها تحقيقًا منه لحربٍ يتوهّم، هو ومن هم خلفه، بأنّها ستُمهّد الطريق لإسرائيل لتنفيذ مشروعها في المنطقة.

وفضلًا عن محاولة الإخضاع بالقوّة، زخّمت اسرائيل جهود بثّ الفرقة بين المكوّنات، وها هي تستميت في محاولاتها استيلاد فوضى استراتيجية متعدّدة المحاور: تحريض المكوّنات الكردية والأوزبكية والبلوشية على الإنضمام الى جبهتها، إنزالها الجويّ قبل ايام في الأراضي العراقية للقيام سرًّا بقصف دولةٍ خليجية بطائرات مسيّرة لكي تُشعل الحرب بين هذه الدولة والعراق، محاولة زيادة الوضع أزمةً بين الإمارات وإيران من خلال تصريحات كاذبة زعمت فيها بأنّ الأولى قامت بقصف ايران، الإستهدافات في أذربيجان التي تبرّأت منها إيران، استعمال العدوّ الاسرائيلي الأجواء السورية لعبور طائراته الهيلكوبتر إلى لبنان وإنزاله لجنوده في خراج بلدة “سرغايا” السورية ومحاولة تسلّلهم من هناك إلى الأراضي اللبنانية وتسويقه أنها هبطت في مكان أعدّه لها الجيش السوري، وذلك لنيّته إشعال الحرب بين اللبنانيين والسوريين، تصريحات السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، ظلّ الرئيس دونالد ترامب، الذي هوّل على دول الخليج بوجوب الانخراط المباشر في المعركة، وأخيرًا وليس آخرًا قيام ترامب نفسه بالأمس بدعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للإنضمام إليه وإطلاق صواريخه…..

كلّها محاولات من إسرائيل ومن خلفَها، على القاعدة الثابتة “فرّق تسُدْ”، لإشعال الحروب في المنطقة، وتعميق الشروخ بين شعوبها.

بالمقابل، يعكس تزخيم التواصل في الأيام الأخيرة بين وزراء خارجية المنطقة، لا سيما بين وزيري الخارجية الإيراني عباس عراقجي والسعودي الأمير فيصل بن فرحان، وعيًا مشتركًا لهذا المخطط الإسرائيلي، ورفضًا للسقوط في فخّه، ما يُشكّل نقطة ضوءٍ في مواجهته.

والتمعّن في هذا المخطّط يوضح حجم الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل ومشاريعها. الأيام الأخيرة أثبتت أن الولايات المتحدّة الأميركية لا ترى إلّا ربيبتها ولا تعمل إلّا لمصلحة هذه الأخيرة؛ أما باقي الدول والشعوب فمجرد وقود لا أكثر.

من هنا يقتضي القول بأنّ مَن ينظر إليها كداعمٍ أو حليفٍ أو حتى كوسيط، أو يعتبر أنّ اسرائيل تريد السلام، واهمٌ وعليه أن يُراجع حساباته فورًا وأن يتحرّر من وهمه الذي لن يجرّ عليه، وعلى المنطقة برمّتها، إلّا الوبال والخراب.

مواجهة هذا المخطط تتطلّب بنْيةً متكاملةً من التحصين الاستراتيجي والسياسي والشعبي، لا سيّما عربيًّا، عبر:

  1. رفض الإنجرار إلى النزاعات المفتعلة: الحروب التي تصبُّ في خدمة مشروع التوسّع والهيمنة لا تؤدّي إلّا إلى استنزاف الموارد، وإضعاف الشعوب، وقطع الطريق أمام أيّ استقلالية أو استقرار.
  2. تعزيز التنسيق الإقليمي الفاعل: توحيد الجهود بين الدول والقوى المؤثّرة يُقلّص فرص استغلال الانقسامات ويضع حدودًا أمام المشاريع التوسّعيّة التي تعتمد على الفوضى والانقسام.
  3. تثقيف الشعوب وإشراكها بالوعي الاستراتيجي: وعي الشعوب بمخاطر المخطط الإسرائيلي يحوّلها من وقود للنزاعات إلى عامل مانع، ويجعلها خط الدفاع الأوّل عن الحريّة والكرامة.
  4. الضغط الاستراتيجي على الولايات المتحدة وشعبها ومصالحها لإيقاف هذا الجنون: الهدف الإسرائيلي من التصعيد لا يقتصر على تفجير المنطقة، بل يشمل أيضًا استنزاف القوى العالمية بما فيها واشنطن نفسها. لذلك على الدول والقيادات الإقليمية العمل على إظهار المخاطر الواضحة لهذا التصعيد على مصالح الولايات المتحدة الأميركية لإجبارها على إعادة تقييم سياستها تجاه مشاريع إسرائيل التخريبية، قبل أن يتحوّل التصعيد إلى كارثةٍ إقليميةٍ ودولية.
  5. والأهم الثبات والصمود وإظهار إرادة السيادة: وهذا ما تتسم به الشعوب الحرّة التي لا ترى الحياة حياةً إلّا مع الحريّة، ويُسجّل للايرانيين، اتفق المرءُ معهم أم اختلف، أنّهم رفضوا الإذعان والخنوع، وواجهوا، وملأوا الشوارع والساحات بالمظاهرات التي تعكس الوحدة، وانتخبوا مرشدًا يعكس ثباتهم ويعبر عن إرادتهم هم لا عن إرادة سواهم…..

على شعوبنا أن تفهم أنّ التنازل لن يوقف العدوان، بل سيزيده وحشيةً وتماديًا في الغطرسة، وهذا ما عبّر عنه رفض الطلب للتفاوض المباشر الذي تقدّم به مؤخّرًا لبنان الرسمي وفق ما كشفه موقع “أكسيوس” بالأمس؛ وهو الرفض الذي ضجّت به، بل تباهت به، وسائل الإعلام الإسرائيلية نقلًا عن مسؤولين إسرائيليين.

الصمود، ومنه النفسي، ليس مجرد موقف دفاعي، بل رسالة واضحة بأنّ الإجرام والجنون لن يحقّقا شيئًا أمام عزيمة الشعوب وإرادتها المنعقدة على مبدَإِ الحياة ولكن بحريّة.

التاريخ مليءٌ بالدروس التي تخلصُ إلى أنّ المشاريع التوسّعية لا تنهار بالقوّة العسكرية وحدها، بل أيضًا بوعي الشعوب وتماسكها ومقاومتها للاحتلال الفكري والسياسي وللعدوان العسكري.

فالمنطقة التي تدرك أنّ تفجيرها هو الطريق الأقصر لإخضاعها، وتختار الوعي والتماسك، تمنح نفسها فرصة حقيقية للصمود ومن بعده للنجاة، فتنأى بنفسها عن أن تكون وقودًا للعدوّ، وتُفشل المخطط قبل أن يتحقّق، وتضمن بذلك أن تقود مستقبلها نحو التنمية والأمن والإستقرار.

اليوم، يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طرق: إما أن تُدفع دوله وشعوبه إلى دوامة الحروب التي تُبقيه ضعيفًا ومشرَّعًا أمام الهيمنة، أو أن تختار –استدراكًا- طريق الوعي والتماسك والتعاون والتعملق.

وفي لحظات كهذه، يصبح هذا كلّه، وبخاصة الوعي، خطّ الدفاع الأوّل عن حريّة المنطقة وكرامة شعوبها وسلامة مستقبلها، وعن حقّ كلّ مواطن في العيش بسلامٍ وأمان بعيدًا من مشاريع السيطرة وسلب الثروات والاستيطان والتفجير…

فأيّ الطريقين سنختار؟!!!

اللهمّ ارزقنا جميعًا الوعي وحُسْن التدبير!

Exit mobile version