خلافةٌ تحت النار

كابي طبراني*

تَخُوضُ إيران اليوم واحدةً من أكثر اللحظات حساسيّة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. ففي الوقت الذي تتصاعد المواجهة العسكرية مع إسرائيل والولايات المتحدة، تجد طهران نفسها أيضًا أمام أزمة داخلية تتعلّقُ بمستقبل القيادة العليا للنظام. فغيابُ المرشد الأعلى علي خامنئي لم يفتح فقط باب الخلافة السياسية، بل كشف كذلك مدى اعتماد النظام على شخصيةٍ واحدة كانت تُمسِكُ بخيوط توازناته المعقّدة.

على مدى سبعة وثلاثين عامًا، لم يكن خامنئي مجرّدَ رأسٍ للدولة، بل كان المركز الذي تدور حوله مؤسّسات الجمهورية الإسلامية. فقد نجح خلال سنوات حكمه الطويلة في إدارة شبكة معقّدة من مراكز النفوذ داخل النظام، من المؤسّسة الدينية إلى النخبة السياسية وصولًا إلى الحرس الثوري. وبفضل هذه القدرة على إدارة التوازنات، تمكَّنَ النظام من احتواء صراعات داخلية كثيرة من دون أن تتحوَّلَ إلى أزماتٍ تُهدّد استقراره.

لكن هذا التوازن كان يعتمد إلى حدٍّ كبير على شخص خامنئي نفسه. ومع غيابه، برز السؤال الذي طالما أُجِّلَ داخل النظام: مَن يستطيع أن يشغل هذا الموقع من دون أن تنفلت التناقضات الكامنة بين مراكز القوة المختلفة؟

حتى الآن، يبدو المشهد في طهران أقرب إلى إدارةٍ جماعية مؤقتة للسلطة. فبعضُ الشخصيات السياسية يتولّى إدارة الشؤون الحكومية، بينما يضطلع قادةٌ عسكريون وأمنيون بإدارة الملفات الاستراتيجية المُرتبطة بالحرب والتصعيد الإقليمي. هذه الصيغة تعكس محاولةً للحفاظ على استمرارية الدولة في مرحلةٍ انتقالية شديدة الحساسية، لكنها لا تُقدّمُ حلًّا دائمًا لمسألة القيادة.

في قلب النقاش الدائر داخل أروقة السلطة يبرز اسم مُجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل. وعلى الرُغم من أنه لم يشغل منصبًا سياسيًا رسميًا بارزًا طوال السنوات الماضية، فإنَّ نفوذه داخل الدائرة الضيّقة المُحيطة بوالده كان معروفًا لدى المُتابعين للشأن الإيراني. كما إنَّ علاقاته الوثيقة مع شخصياتٍ نافذة في الحرس الثوري تمنحه ثقلًا سياسيًا لا يُستَهانُ به.

بالنسبة إلى عددٍ من التيارات المحافظة داخل النظام، قد يُمثّلُ مُجتبى خيارًا يضمن الاستمرارية في مرحلةٍ تتسم بالاضطراب. فهو شخصية مألوفة داخل دوائر السلطة، ويُنظَرُ إليه بوصفه قادرًا على الحفاظ على الخطِّ السياسي والأمني الذي اتبعه والده. وفي أوقاتِ الأزمات الكبرى، غالبًا ما تميل الأنظمة إلى تفضيل الاستقرار على المغامرة السياسية.

غير أنَّ فكرةَ انتقال السلطة من الأب إلى الابن تحملُ مفارقة سياسية لا يمكن تجاهلها. فالجمهورية الإسلامية قامت أساسًا على رفض الحكم الوراثي الذي كان يُمثّلهُ نظام الشاه قبل الثورة. وإذا ما أصبح مُجتبى المرشد الأعلى، فقد يجد النظام نفسه أمام اتهاماتٍ بأنه يُعيدُ إنتاجَ نمطٍ من الوراثة السياسية التي كانت الثورة قد أطاحتها قبل أكثر من أربعة عقود.

ومع ذلك، قد لا تكون هذه الاعتبارات الإيديولوجية هي العامل الحاسم في القرار النهائي. ففي زمن الحرب، تميلُ الأنظمة إلى إعطاء الأولوية للتماسُك الداخلي والقدرة على إدارة الصراع الخارجي. ومن هذا المنطلق، قد ترى النخبة الحاكمة أنَّ اختيارَ شخصيةٍ تحظى بثقة الأجهزة الأمنية والعسكرية يُمثّلُ الخيار الأكثر أمانًا.

في هذا السياق، يبرز الحرس الثوري الإيراني بوصفه أحد اللاعبين الأساسيين في المرحلة المقبلة. فقد تحوّلت هذه المؤسسة خلال العقود الماضية إلى قوة سياسية واقتصادية وعسكرية مؤثّرة. فهي لا تُشرِفُ فقط على جُزءٍ كبير من القدرات العسكرية لإيران، بل تلعبُ أيضًا دورًا محوريًا في رسم سياسات البلاد الإقليمية وفي إدارة قطاعاتٍ واسعة من الاقتصاد.

ومع تصاعُد المواجهة العسكرية في المنطقة، يزداد وزن الحرس الثوري في عملية صنع القرار. وهذا يعني أنَّ أيَّ مرشّحٍ لمنصب المرشد الأعلى لن يتمكّنَ من تثبيت موقعه من دون دعمٍ ضمني أو صريح من هذه المؤسسة، التي أصبحت في كثيرٍ من الأحيان الضامن العملي لاستمرارية النظام.

وفي خضمِّ هذه التطورات، لا تخلو مسألة الخلافة من أبعادٍ دولية. فقد عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن معارضته لفكرة انتقال المنصب إلى مجتبى خامنئي، في إشارةٍ إلى القلق الأميركي من أن يؤدّي ذلك إلى تكريس نهجٍ أكثر تشدُّدًا في طهران. غير أنَّ مثل هذه المواقف الخارجية نادرًا ما يكون لها تأثيرٌ مباشر في قرارات النخبة الحاكمة في إيران، بل قد تُستَخدَمُ أحيانًا داخل الخطاب الرسمي لتعزيز فكرة مقاومة الضغوط الخارجية.

غير أنَّ التحدّيات التي تُواجه إيران لا تأتي فقط من توازنات السلطة داخل النخبة الحاكمة، بل أيضًا من العلاقة المتوتّرة بين الدولة والمجتمع. فقد شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة موجات مُتكرّرة من الاحتجاجات الشعبية، مدفوعةً بتدهور الأوضاع الاقتصادية وتزايد الضغوط المعيشية وتراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية.

هذه الاحتجاجات كشفت عن فجوةٍ مُتزايدة بين النظام وقطاعات واسعة من المجتمع الإيراني، خصوصًا بين الأجيال الشابة التي لم تعش تجربة الثورة الإسلامية ولا تشعر بالارتباط الإيديولوجي بها. ومع ذلك، فإنَّ هذا الاستياء الشعبي لم يتحوَّل حتى الآن إلى حركةٍ سياسية قادرة على تغيير موازين القوى داخل البلاد.

فالأنظمة السلطوية لا تعتمدُ بالضرورة على دعم الغالبية من أجل البقاء، بل على تماسُك النخبة الحاكمة وقدرتها على استخدام أدوات القوة. وفي الحالة الإيرانية، ما زالت الأجهزة الأمنية والعسكرية تحتفظُ بقدرةٍ كبيرة على فرض السيطرة، حتى في ظلِّ تراجع الشرعية السياسية للنظام.

لكن الحرب الجارية تُضيفُ عنصرًا جديدًا إلى هذا المشهد المعقّد. ففي ظل المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، يصبح الحفاظ على وحدة القيادة أولوية قصوى بالنسبة إلى النخبة الحاكمة. وقد يدفع ذلك إلى تسريع عملية اختيار المرشد الجديد، ليس فقط من أجل ملء الفراغ السياسي، بل أيضًا لضمان وجود مركز واضح لاتخاذ القرار في زمن الحرب.

ومع ذلك، فإنَّ اختيارَ مُرشدٍ أعلى جديد لن يكونَ كافيًا لإعادة إنتاج النظام كما كان في عهد خامنئي. فالقائد الذي سيخلفه سيواجه واقعًا مختلفًا تمامًا: نظامًا سياسيًا أكثر حساسية للتوازنات الداخلية، ومجتمعًا أكثر توتّرًا، وبيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

لهذا السبب، فإنَّ السؤالَ الحقيقي الذي يواجه إيران اليوم لا يقتصر على اسم المرشد الأعلى المقبل. السؤال الأعمق هو ما إذا كان النظام الذي بناه خامنئي قادرًا على الاستمرار من دون الشخصية التي كانت تدير توازناته الدقيقة.

فإيران تدخلُ اليوم مرحلةً جديدة من تاريخها السياسي، مرحلة قد تُعيدُ رسم موازين السلطة داخل الجمهورية الإسلامية وتُحدّدُ مسارها في السنوات المقبلة. وفي ظلِّ الحرب والضغوط الداخلية، يبدو أنَّ القيادة الإيرانية لا تبحث عن التغيير بقدر ما تبحث عن طريقة للبقاء.

لكنَّ البقاء، في عالمٍ يتغيَّرُ بسرعة، قد يكونُ التحدّي الأصعب الذي واجهه النظام منذ قيامه قبل أكثر من أربعة عقود.

Exit mobile version