الشَرقُ الأوسط في حَضرَةِ المَجهُول

يقفُ الشرق الأوسط اليوم على حافة مرحلةٍ غير مسبوقة من الاضطراب، بعد ضربةٍ قلبت توازنات القوة وفتحت أبواب المجهول في قلب طهران. وبين حربٍ تتسع رقعتها وصراعاتٍ تتداخل حساباتها، يبدو الإقليم كله وكأنه يدخل زمنًا جديدًا تتراجع فيه اليقينيات وتتقدّم الأسئلة الكبرى.

المرشد علي خامنئي: اغتياله ولد فراغًا في مهمة التكليف.

ملاك جعفر عباس*

في السباق المحموم بين الصفقة والحرب، نجح العقائديون في تل أبيب وواشنطن في وأد الصفقة قبل أن تُولَد وفتحوا آخر أبواب الجحيم في طهران. قتلت الضربة الافتتاحية الإسرائيلية المرشد الأعلى علي خامنئي ودفنت تحت ركام مكتبه مكابح اتباعه العقائديين في كل مكان. تحقّق ما كان يُحذّر منه عقلاء هذا الكوكب من أنَّ ضربَ الرأس في إيران بلا خطة لليوم التالي سيُحوِّلُ الإنجازَ سريعًا إلى مأزق، ويجعل الشرق الأوسط كتلةَ لهبٍ، ويغلق المخارج على الحلول السريعة لأنَّ غياب صاحب الخاتم يشلُّ المنظومة التي اعتادت ان تعمل بالتكليف لا بالتفكير. وعند اختتام الأسبوع الأول من الحرب تبدو كرة النار آخذة في الاتساع فيما تستعصي الحسابات على الجميع بلا استثناء، فلا أحد يملك رفاهية الخيارات النظيفة، ولا أحد يستطيع أن يخرج منها من دون أن يدفع ثمنًا في صورته، أو أمنه، أو تماسكه الداخلي، أو اقتصاده.

ترامب: أزمة الداخل وتبخُّر الانتصار السريع

افتتح الرئيس دونالد ترامب حربًا لا يعرف كيف يُنهيها وإن ملأ مؤتمراته الصحافية بكثيرٍ من الحشو الكلامي، فهو لم يُقدِّم حتى الآن إجابة تُقنعُ قاعدته الشعبية، على أبواب الانتخابات النصفية، بالسبب المباشر لشنِّها ولا بطبيعة “الخطر الداهم” الذي كانت تُمثّله إيران على الولايات المتحدة ولم يكن مُمكنًا حلّه بالمفاوضات. “هي حربُ إسرائيل بيد أميركية” هكذا يقول قادة الرأي في تيار “ماغا”، وهذه خلاصة تصريح وزير الخارجية ماركو روبيو الذي قال حرفيًا: “لو قامت أيُّ دولة بمهاجمة إيران، سواء إسرائيل او الولايات المتحدة، كانت إيران سترد بمهاجمة الولايات المتحدة، لذا كان علينا ان ندخل الحرب لأنَّ إسرائيل كانت ستضرب أولًا بكل الأحوال، وكان علينا ان نرد قبل أن نبدأ بتلقّي الخسائر”.

لكنّ التفوّق العسكري الواضح لصالح المهاجمين لم يُتَرجَم حتى الآن إلى اختراقٍ سياسي يفتح الطريق أمام إسقاط النظام أو إشعال انتفاضة شعبية تُطيحه. ومع أنَّ إصدارَ أحكامٍ نهائية ما زال مبكرًا، فإنَّ قراءة التجربة الاستراتيجية الأميركية عبر العقود تُظهِرُ أنَّ الأميركيين غالبًا ما يبرعون في اختبار القوة، لكنهم يتعثّرون في اختبار الدهاء والحنكة السياسية؛ وهي مهارة قديمة أتقنها البريطانيون لقرون في هذه المنطقة من العالم.

وبين جنون أسواق الطاقة وصيحات الاستياء الداخلي وارتفاع كلفة الحرب، يبدو أنَّ ترامب الذي بدأ يفقد الأمل بخروج “يد إيرانية قوية” من قلب النظام، تصافح يده وتوقع على مطالبه، اتجه إلى تسليح المعارضة الكردية ودفعها لمواجهة عسكرية على الأرض. لا يخفى على أيِّ مبتدئ في السياسة أنَّ هذا السيناريو سيُعيدُ إذكاء صراع عابر للحدود التركية-السورية-العراقية-الإيرانية، لم تنجح الإدارات الأميركية المتعاقبة بخفضه إلّا بشقِّ الأنفس وبخطوة تاريخية من الزعيم الكردي عبد الله أوجلان. وهو يُهدّد بعسكرة النعرة القومية الكامنة في إيران بين عدد كبير من القوميات، ما قد يُحوّلُ فوالق الصراع الداخلي من “شعب ضد نظام” إلى صراع قوميات مسلحة ومتناحرة ذات امتدادات عابرة للحدود. قد ينجح هذا التكتيك في إشغال النظام بحرب شوارع، لكنه مُرَشَّحٌ بالتحوُّل سريعًا إلى فخٍّ إقليمي. ولو اتصل الأكراد الإيرانيون بزعيم “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) مظلوم عبدي لشرح لهم في كلمتين كيف يمكن للدعم الأميركي أن يطلق عنان الأحلام الانفصالية ويرميها في سلة المهملات عندما تنتهي مصلحته.

إيران: أزمة البقاء والحكم

تدرك إسرائيل أنَّ إضعافَ النظام لا يكفي، وأنَّ إسقاطه صعبٌ، لذا قد تسعى إلى شلّه عبر إطالة الفراغ. منذ لحظة اغتيال خامنئي، انشغلت وسائل الاعلام بمواد الدستور وآلية انتقال السلطة وأسماء الخلفاء، لكن درس “حزب الله” في لبنان يُعلّمنا أنَّ إسرائيل ستغتال خليفة كل مرشح لكلِّ منصبٍ ذي قيمة.

من جهةٍ أخرى، لا يبدو أنَّ مجلس القيادة الانتقالي الحالي المُشَكَّل من الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجيئي وعضو مجلس صيانة الدستور أية الله علي رضا أعرافي هو مركز الثقل الوحيد. فبين “مؤسسة البيت” التي بات يتربع على عرشها تلقائيًا، نجل المرشد الأعلى الراحل مجتبى خامنئي، وبين سياسيين من طراز الأخوين علي وصادق لاريجاني ممن يعرفون دهاليز الدولة، وأحمد وحيدي الذي يمسك بالقوة الضاربة للحرس الثوري، لم يعد مركز الثقل واضحًا. ومع غياب مركز ثقلٍ واحد، تتحول الدولة إلى ما يشبه غرفةً ممتلئة بالرجال المسلّحين، كلٌّ منهم يضع يده على الخريطة ويقول: “أنا الضامن”. في مثل هذه اللحظات تتحوَّل أحكامُ الدستور الى إطارٍ نظري، فيما يتحكّمُ إيقاع الخوف وميزان السيطرة على الشارع والقدرة على منع الانهيار الداخلي.

فالنظام الذي اعتادَ أن يتحرَّك بالتكليف، يجد نفسه مُضطَرًّا إلى التفكير، والتفكير هنا ليس فضيلة بل مشكلة. لأنّ التفكير يفتح باب السؤال، والسؤال يفتح باب الشك، والشكّ في أنظمة العقيدة هو بداية التفكّك. لذلك تميلُ هذه المنظومات، حين تُصاب في رأسها، إلى تعويض النقص بجرعةٍ زائدة من القمع ما يُعزّزُ فُرَص صعود الحرس الثوري مدعومًا بالباسيج من مرتبة الحارس الى مرتبة المالك.

ومع ذلك، لا يُمكن قراءة إيران ككتلةٍ واحدة، فداخل الدولة تيارٌ براغماتي يعرف أنَّ الحرب الوجودية قد تُسقط النظام من الداخل إن لم يُمسك زمامها سريعًا. لكنه يفتقد السلاح، ويفتقد الشارع، ويفتقد، قبل كل شيء، حقّ التوقيع الذي كان يملكه المرشد الأعلى وحده. فحتى لو أرادَ جناحُ الصفقة العودة إلى طاولة المفاوضات، مَن يضمن أنَّ الدولة ستبقى متماسكة بما يكفي لتنفيذها؟ ومَن الذي يضمن ألّا تتحوَّلُ أيُّ خطوةٍ تفاوضية إلى ذريعة داخلية لتصفية الخصوم بتهمة الخيانة؟

شيعة لبنان، فلسطينيو 1948 الجُدُد

لم تتمكّن إيران من فرض المساندة على أذرعها غير الولائية من “الحوثي” و”حماس”، فيما أجبَرَ التكليف الشرعي السابق لاغتيال خامنئي “حزب الله” وفصائل الحشد في العراق على الدخول فيها. المعركة الوجودية في إيران تُتَرجم بعملية انتحارية في لبنان، يُلقي “حزب الله” آخر أوراقه العسكرية والشعبية في معركةٍ ثأرية لوليه ومولاه، فيما يتوه الشيعة بحثًا عن مآوٍٍ تقيهم البرد والكراهية التي استثمر “حزب الله” وآلته الإعلامية فيها على مدى أعوام. وفي الوقت الذي تنقل ابواقه ملاحم البطولة من تدمير دبابة ميركافا هنا وضرب صاروخ هناك، يشيح الجنوبيون النظر بعيدًا من الشاشات، إلى واقعهم الذي يعرفون في قرارة أنفسهم أنهم مسؤولون عنه بدرجةٍ كبيرة، عندما سمحوا لجماعةٍ مسلحة عقائدية تدين بالطاعة العمياء لسيّدها الإيراني الآذري بالتحكُّم بمصائرهم وأرزاقهم وتعلي قيمة دمه على دماء أطفالهم. خريطة لبنان تتغيّر مباشرة على الهواء، وتفرض وقائع قد تُحوّل النازحين الجنوبيين إلى نسخة محدثة من اللاجئين الفلسطينيين في 1948 في سؤالهم الأبدي: هل نعود يومًا؟

الخليج والخيارات الصعبة

تأكدت إيران حين اتخذت الخيار الشمشوني (عليَّ وعلى أعدائي) برفع كلفة الحرب على الجميع، من أنَّ صواريخها ومُسيّراتها لم تُميِّز بين دولة خليجية وأخرى. وتأكدت دول الخليج أنَّ العداء الإيديولوجي المتأصّل في العقل الفارسي للجمهورية الاسلامية ضد العرب تغلب على التفاهمات والمصالح المشتركة عندما حشر في الزاوية. لم تكن الاتفاقات الابراهيمية معيارًا: ضربت قطر والسعودية وعُمان والكويت كما ضربت الامارات والبحرين. لكن كلفة هذه الضربات تتجاوز التكلفة المادية والقدرة على تجديد منظومات الردع الصاروخية لتطرح أسئلة جوهرية حول شكل الرد وحدوده إن طال الاستهداف، والحكمة من الدخول في صراع قد يضع إسرائيل على الضفة الشرقية للخليج إن سقط النظام.

لا تُقارب دول الخليج الأزمة من الزاوية نفسها، إلّا أنَّ الأسئلة الأصعب بلا شك تُطرَحُ في الرياض.  تُدرك السعودية أنَّ هيبتها قد تهتز إن استمرّت في تلقي الضربات بلا رد، لكنها تعرف أيضًا أنَّ عقيدة الحفاظ على الاستقرار قد تدفعها إلى مخارج أضمن وأكثر ديمومة لمشاريعها التنموية بدل الانخراط في مزايدة شعبوية تستدرجها إلى المعركة.  وقد تُفضّلُ في مرحلةٍ ما إدارة الأزمة ديبلوماسيًا من خلال الصين وروسيا لتحييد نفسها. غير أنَّ تكشف الخلايا الإيرانية وبصمات الموساد على المسرح الخليجي قد يدفع تدريجًا نحو خيار تعميق مأزق الخصمين الإسرائيلي والإيراني داخل إيران، إن تفككت، وتحويلها الى ساحة صراع بين محورين متنافسين بدل ان تصبح تهديدًا دائمًا للخليج.

تركيا: الخبرة والقدرة

تركيا أيضًا لم تسلم من الباليستي الإيراني، كما لم تسلم من مقامرات ترامب بالورقة الكردية. تدرك أنقرة أنها مع السعودية وقطر تُشكّل ما يعرف اليوم في إسرائيل ب”إيران الجديدة” وستلعب وفقًا لمصالحها الباردة، ردعٌ مباشر ومنع ولادة واقع استراتيجي جديد على حدودها الشرقية. تبدو تركيا الأقدر على المناورة لكونها تملك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتتمتع بعلاقات جيدة مع واشنطن وطهران. وقد راكمت خلال سنوات الحرب السورية خبرة استخدام الحدود واللاجئين كورقة ضغط، واحترفت لعبة فتح معابر لتصدير الميليشيات والمال والسلاح لحماية ما تعتبره أمنها القومي، لذا لن تقف على الحياد في ورشة تشكيل الميدان الجديد في إيران.

وفيما تتسع كرة النار في كلِّ ساعة وتضمُّ دولًا ومسارح جديدة، يقف بنيامين نتنياهو حيث يحب أن يقف: فوق الركام، مزهوًّا بما يسمّيه إنجازًا، وبما هو في الحقيقة فتحٌ لباب اللانهاية. كلما طال أمد الحرب، زاد رصيده السياسي الداخلي، واتسعت قدرة إسرائيل على إعادة تشكيل الإقليم وفق المنطق التوراتي المصلحي. وكلّما تحوّلت المنطقة إلى سلسلة أزماتٍ متداخلة، تقلّصت فرصة قيام توازنٍ عربي أو إقليمي قادر على كبحها. أهلًا بكم في حضرة المجهول.

Exit mobile version