مَن يُهرِّبُ أموالَ إيران إلى الخارج؟

تكشف البيانات الرسمية الإيرانية عن مفارقة لافتة: كلّما ارتفعت الصادرات، تسارعت وتيرة خروج الأموال من البلاد. لكن السؤال الأهم ليس كم يخرج من الأموال، بل مَن يملك القدرة على إخراجها؟

الدولار يهرب إلى الخارج والعملة الإيرانية تترنح.

دالغا خاتين أوغلو*

تكشفُ بياناتٌ حديثة صادرة عن البنك المركزي الإيراني عن مفارقة لافتة في أداء الاقتصاد الإيراني خلال عام 2025. فبينما سجلت البلاد فائضًا تجاريًا تجاوز 27 مليار دولار، وهو رقمٌ كان يُفتَرَض نظريًا أن يعزّزَ احتياطياتها المالية ويدعم استقرارها الاقتصادي، شهدت في الوقت نفسه نزيفًا شبه مماثل في حساب رأس المال، ما يعني أنَّ معظم العائدات المتحققة من التجارة الخارجية غادرت البلاد مجددًا عبر قنواتٍ مختلفة.

وبحسب البيانات الرسمية، بلغ صافي تدفقات رؤوس الأموال الخارجة من إيران نحو 27 مليار دولار خلال العام الماضي، وهو ما يعادل قرابة 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ولا يعكس هذا الرقم مجرّد تقلّبات مالية عابرة، بل يشير إلى ظاهرة آخذة في التفاقم. فقد ارتفع حجم هروب رؤوس الأموال بنحو أربعة أضعاف ونصف مقارنة بعام 2020، في مؤشّرٍ إلى تنامي فقدان الثقة بالبيئة الاستثمارية المحلية وبقدرة الاقتصاد على توفير فرص مجدية لتوظيف المدخرات ورؤوس الأموال.

والأهم من ذلك أنَّ حجم الأموال المغادرة يجعل من الصعب تفسير الظاهرة على أنها نتيجة لتحرّكات الأفراد أو المستثمرين الصغار وحدهم. فالتدفقات المسجَّلة تتجاوز بكثير ما يمكن أن ينتجه سلوك الادِّخار أو الاستثمار التقليدي للأُسَر والقطاع الخاص، ما يوحي بوجود جهات تتمتع بإمكانية الوصول إلى موارد مالية كبيرة وشبكات قادرة على نقل الأموال إلى الخارج بوسائل منظمة ومستمرة.

وغالباً ما يُشار إلى السوق العقارية التركية باعتبارها الوجهة المفضّلة لرؤوس الأموال الإيرانية الباحثة عن ملاذات أكثر استقرارًا. غير أنَّ الأرقام الرسمية التركية ترسم صورة أكثر تعقيدًا. فبحسب بيانات المركز الإحصائي التركي، اشترى المواطنون الإيرانيون 1878 وحدة سكنية فقط في تركيا خلال عام 2025، بانخفاض قدره 15 في المئة مقارنة بالعام السابق، وبما لا يتجاوز خُمس المستوى القياسي المسجَّل عام 2020.

وتشير هذه المعطيات إلى أنَّ شراء العقارات في الخارج، رُغمَ حضوره الإعلامي اللافت، لا يكفي لتفسير الحجم الاستثنائي لتدفقات رؤوس الأموال الخارجة من إيران. فالأموال التي تغادر البلاد اليوم تبدو أكبر بكثير من أن تكون مجرّد مدّخرات أفراد يبحثون عن شقة أو استثمار عقاري في الخارج، ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول الجهات المستفيدة من هذه التدفقات، والقنوات التي تمر عبرها، والدوافع الاقتصادية والسياسية الكامنة وراء استمرارها بهذا الحجم غير المسبوق.

مَن يُهرّب رؤوس الأموال؟

ويبدو أن فهم هذا النزيف المستمر لرؤوس الأموال يتطلّب النظر إلى طبيعة الاقتصاد الإيراني نفسه، أكثر من التركيز على سلوك المستثمرين الأفراد أو الأسواق الخارجية. فبحسب تصريحات حديثة لمحمد صالح عليا، رئيس منظمة الإنتاجية الوطنية الإيرانية، لا تتجاوز حصة القطاع الخاص الحقيقي 14.5 في المئة من إجمالي الاقتصاد. أما الحكومة فتسيطر بصورة مباشرة على نحو 15 في المئة، فيما تهيمن مؤسسات شبه حكومية وشبكات اقتصادية مرتبطة بمراكز النفوذ السياسي والأمني على الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي.

وتشمل هذه المنظومة كيانات تابعة للحرس الثوري الإيراني، ومؤسسات خاضعة لإشراف مكتب المرشد الأعلى، إضافة إلى تكتلات اقتصادية أخرى تتمتع بعلاقات وثيقة مع الدولة وتستفيد من امتيازات تنظيمية ومالية لا تتوافر للقطاع الخاص التقليدي. ونتيجة لذلك، لا يقتصر نفوذ هذه المؤسسات على النشاط الإنتاجي فحسب، بل يمتد أيضًا إلى مفاصل التجارة الخارجية وتخصيص الموارد المالية.

وفي هذا السياق، يبقى دور القطاع الخاص المستقل محدودًا نسبيًا في عمليات الاستيراد والتصدير، بينما تظل إمكانية الوصول إلى العملات الأجنبية والتراخيص التجارية خاضعة بدرجة كبيرة لمؤسسات الدولة والكيانات شبه الحكومية. ويمنح هذا الواقع الجهات المتمتعة بالنفوذ قدرة استثنائية على الاستفادة من التشوّهات القائمة في النظام الاقتصادي، خصوصًا تلك المرتبطة بأسعار الصرف.

اقتصاد الامتيازات وفخ أسعار الصرف

ويُعد نظام تعدد أسعار العملات أحد أبرز هذه التشوُّهات. فالبنك المركزي الإيراني يخصص العملات الأجنبية لبعض الواردات والقطاعات بأسعار تقل كثيرًا عن قيمتها الفعلية في السوق، في محاولة للحد من التضخّم ودعم السلع الأساسية. غير أنَّ هذه السياسة خلقت، بمرور الوقت، فجوة واسعة بين السعر الرسمي وسعر السوق، وفتحت المجال أمام تحقيق أرباح كبيرة من خلال استغلال فروقات الأسعار.

في مثل هذا النظام، لا تقتصر المكاسب على النشاط التجاري التقليدي، بل تمتد إلى المضاربة على العملة نفسها. فالشركات التي تحصل على الدولار أو العملات الأجنبية بأسعار مدعومة تتمتع بحافز قوي للاستفادة من الفارق بين السعرين، سواء عبر الاستيراد أو من خلال الاحتفاظ بالأصول الأجنبية خارج البلاد.

ومن هنا تتضح إحدى الآليات المحتملة التي تفسر استمرار خروج رؤوس الأموال رُغمَ حاجة الاقتصاد الإيراني الماسة إلى العملات الأجنبية. فالشركات المصدّرة، خصوصًا تلك التي تتمتع بعلاقات مؤسسية أو سياسية نافذة، لا تجد دائمًا مصلحة اقتصادية في إعادة كامل عائداتها إلى الداخل وبيعها للبنك المركزي بأسعار رسمية تقل كثيرًا عن قيمتها السوقية. وفي كثير من الحالات، يصبح الاحتفاظ بهذه الأموال في حسابات خارجية أو إعادة توظيفها في أسواق أجنبية أكثر ربحية وأقل مخاطرة من إعادتها إلى الاقتصاد المحلي.

وبذلك، لا يبدو هروب رؤوس الأموال مجرّد نتيجة لفقدان الثقة أو المخاوف السياسية، بل يصبح جُزءًا من الحوافز التي ينتجها النظام الاقتصادي نفسه. فكلما اتسعت الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق، وكلما تركزت فرص الوصول إلى العملات الأجنبية في أيدي عدد محدود من المؤسسات والجهات النافذة، ازدادت قدرة هذه الأطراف على تحويل الموارد إلى الخارج والاستفادة من العوائد المتحققة هناك.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى عجز حساب رأس المال في إيران ليس باعتباره ظاهرة مالية منفصلة، بل بوصفه انعكاسًا لاختلالات أعمق في بنية الاقتصاد السياسي للبلاد، حيث تتداخل اعتبارات النفوذ والامتيازات مع آليات السوق، فتتحول التجارة الخارجية من مصدر محتمل لتراكم رأس المال المحلي إلى قناة مستمرة لخروج جزء متزايد منه إلى الخارج.

حين تفقد النخب ثقتها بالاقتصاد

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أنَّ الجُزءَ الأكبر من رؤوس الأموال المغادرة لإيران لا يرتبط بسلوك الأسر أو المستثمرين الأفراد، بل بجهاتٍ اقتصادية تتمتع بعلاقات وثيقة مع مؤسسات الدولة والمنظمات شبه الحكومية. فحجم التدفقات المسجلة، وطبيعة القطاعات التي تسيطر على التجارة الخارجية والوصول إلى العملات الأجنبية، يشيران إلى أنَّ الظاهرة تتجاوز بكثير عمليات الادخار الفردي أو الاستثمارات العقارية المحدودة في الخارج.

كما إنَّ تفسير هذه التدفقات بالاستناد إلى العقوبات المفروضة على صادرات النفط وحدها يبدو غير كافٍ. فخلال العام الماضي، كشف حسين صمصامي، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني، أنَّ نحو 95 مليار دولار من عائدات الصادرات غير النفطية لم تعد إلى البلاد خلال الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2024. ووفقًا لتقديراته، يمثّل هذا الرقم ما يقرب من 35 في المئة من إجمالي عائدات الصادرات غير النفطية الإيرانية خلال تلك السنوات.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خصوصًا لأنَّ الصادرات غير النفطية لا تخضع للقيود نفسها التي تواجهها صادرات النفط الإيرانية. فبينما تؤثر العقوبات الأميركية بصورة مباشرة على قطاع الطاقة وآليات تحصيل عائداته، تتمتع قطاعات واسعة من الصادرات غير النفطية بمرونة أكبر وقدرة أعلى على الوصول إلى الأسواق الخارجية. ولذلك، فإنَّ عدم عودة هذا الحجم الكبير من الإيرادات يصعب تفسيره بالعوامل الفنية أو القيود الخارجية وحدها.

بل على العكس، تُعزّز هذه المعطيات فرضية أنَّ جُزءًا مهمًّا من الأموال المتولّدة عن التجارة الخارجية يجري الاحتفاظ به خارج البلاد أو إعادة تدويره عبر قنوات مالية واستثمارية أجنبية، وهو ما يرجح وجود دور محوري لجهات اقتصادية نافذة تمتلك القدرة على إدارة هذه الموارد بعيدًا من الرقابة المالية التقليدية.

ويبدو أنَّ هذا الاتجاه تسارع بصورة ملحوظة خلال العام الماضي مع تصاعد التوترات العسكرية المباشرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. فبحسب المؤشرات المتاحة، ارتفعت نسبة عائدات الصادرات غير النفطية التي لم تُعَد إلى إيران خلال عام 2025 إلى مستويات تقارب ضعف المعدلات المسجلة في السنوات السابقة، ما يشير إلى أنَّ العامل الجيوسياسي أصبح يلعب دورًا متزايد الأهمية في قرارات أصحاب رؤوس الأموال.

ففي الاقتصادات التي تتداخل فيها السلطة السياسية مع النشاط الاقتصادي، لا تُقاس المخاطر بالاعتبارات التجارية وحدها، بل تشمل أيضًا احتمالات التصعيد العسكري، وتشديد العقوبات، والتغيرات المحتملة في موازين القوى الداخلية. وفي مثل هذه البيئة، يصبح نقل الأصول إلى الخارج أو الاحتفاظ بالإيرادات في حسابات أجنبية وسيلة للتحوُّط بقدر ما هو قرار استثماري.

ومن المرجح أن تكون هذه الحسابات أكثر حضورًا لدى المؤسسات والشركات المرتبطة بمراكز النفوذ السياسي والاقتصادي، بحكم امتلاكها موارد مالية كبيرة وقدرتها على الوصول إلى القنوات الدولية اللازمة لنقل الأموال. ولذلك، فإنَّ تصاعد التوترات الإقليمية خلال العام الماضي لم يؤدِ فقط إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيراني، بل ربما سرّع أيضًا وتيرة خروج رؤوس الأموال من قبل الأطراف الأكثر قدرة على القيام بذلك.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فبينما نجحت إيران في تحقيق فائض تجاري كبير بفضل ارتفاع الصادرات وتحسُّن الإيرادات الخارجية، فإنَّ جُزءًا مهمًّا من هذه المكاسب لم يتحوّل إلى استثمارات محلية أو احتياطيات مالية تدعم الاقتصاد الوطني. وبدلًا من ذلك، يبدو أنَّ قسمًا متزايدًا منها وجد طريقه إلى الخارج، ما يحرم الاقتصاد الإيراني من الموارد التي يحتاجها للنمو والاستثمار، ويجعل مشكلة هروب رؤوس الأموال واحدة من أكثر التحديات الهيكلية إلحاحًا أمام صناع القرار في طهران.

وقد وجد هذا التفسير صدىً حتى خارج إيران. فقبل أسابيع من عملية “الغضب الملحمي”، أشار وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى ما اعتبره مؤشرًا مقلقًا على سلوك النخب الاقتصادية المرتبطة بالنظام الإيراني. وخلال جلسة استماع أمام لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ في شباط (فبراير)، قال إنَّ مسؤولين وشخصيات نافذة في إيران ينقلون أصولهم إلى الخارج “بشكل محموم”، معتبرًا أنَّ هذا السلوك قد يعكس تراجع ثقة بعض المقربين من دوائر السلطة في قدرة النظام على الحفاظ على استقراره في المدى الطويل. واستخدم بيسنت تعبيرًا لافتًا حين شبّه الظاهرة بـ”الجرذان التي تغادر السفينة”، في إشارة إلى أنَّ الأطراف الأقرب إلى مراكز النفوذ قد تكون نفسها الأكثر اندفاعًا نحو حماية ثرواتها خارج البلاد.

ورغم أنَّ مثل هذه التصريحات لا تخلو من أبعاد سياسية ودعائية، فإنَّ أهمية المسألة لا تكمن في التوصيف الأميركي بقدر ما تكمن في الأرقام التي تنشرها المؤسسات الإيرانية نفسها. فبيانات البنك المركزي والمؤشرات المرتبطة بحركة رؤوس الأموال تكشف بوضوح أنَّ الاقتصاد الإيراني يواجه مشكلة هيكلية متنامية تتجاوز آثار العقوبات أو التقلبات الدورية في الأسواق.

فخلال السنوات الأخيرة، تحوّلت هجرة رؤوس الأموال من ظاهرة هامشية إلى أحد أبرز مواطن الضعف في الاقتصاد الإيراني. وتبدو هذه الظاهرة نتاجًا لتفاعل مجموعة من العوامل المتداخلة: نظام أسعار صرف متعدد يخلق فرصًا واسعة للمضاربة والتحويلات الخارجية، وهيمنة مؤسسات شبه حكومية على قطاعات رئيسة من الاقتصاد والتجارة الخارجية، وضعف مستويات الشفافية والمساءلة، إضافة إلى تصاعد المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين بشأن مستقبل البيئة الاقتصادية والاستثمارية.

وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تستنزف الاحتياطيات المالية فحسب، بل تحرم الاقتصاد أيضًا من الموارد التي يحتاجها للاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل. فكل دولار يغادر البلاد بحثًا عن ملاذ أكثر أمانًا أو ربحية في الخارج هو دولار لا يُستثمر في المصانع أو البنية التحتية أو الأنشطة الإنتاجية داخل إيران.

ولهذا، فإنَّ التحدي الحقيقي أمام صناع القرار في طهران لا يقتصر على زيادة الصادرات أو تحقيق فوائض تجارية أكبر، بل يتمثل في استعادة الثقة بالاقتصاد المحلي نفسه. فطالما بقيت الحوافز الاقتصادية والمؤسسية تدفع رؤوس الأموال إلى الخارج، فإنَّ حتى الفوائض التجارية الكبيرة قد لا تنعكس نموًّا واستثمارًا داخل البلاد. وفي نهاية المطاف، لا يُقاس نجاح الاقتصادات بحجم الأموال التي تدخلها فحسب، بل أيضًا بقدرتها على الاحتفاظ بهذه الأموال وتوظيفها في بناء مستقبلها الاقتصادي.

Exit mobile version