إيران بعد العاصفة: هل تَنكَسِرُ الثورة أم تُعيدُ إِنتاجَ نفسها؟

الضربات الأميركية–الإسرائيلية أصابت قلب النظام الإيراني، لكنها لم تحسم مصيره بعد. ففي طهران، يبدأ الآن صراع البقاء بين إرث الثورة وضغوط مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل الجمهورية الإسلامية من الداخل.

علي لاريجاني: يبحث عن دور جديد في البنية الجديدة؟

سوزان مالوني*

بعدَ أيامٍ قليلة على إحياء الذكرى السابعة والأربعين للثورة الإسلامية التي كرّست حكم رجال الدين في طهران، وجدت الجمهورية الإسلامية نفسها أمام أخطر مُنعطف في تاريخها الحديث. فقد أفضت ضربات أميركية–إسرائيلية مركّزة إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين، وإلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية العسكرية للنظام الذي طالما بدا عصيًّا على الاختراق. هذا التطوُّر الدراماتيكي خلّف فراغًا هائلًا في قمة هرم السلطة، وأعاد طرح سؤال الاستقرار الداخلي بقوة. وفي واشنطن، بدا الرئيس دونالد ترامب مقتنعًا بأنَّ التفوُّقَ الجوي قد يُمهّدُ لانتفاضةٍ شعبية، داعيًا الإيرانيين إلى “استعادة السيطرة” على دولتهم.

غير أنَّ المعطيات على الأرض أكثر تعقيدًا مما توحي به رهانات الخارج. فبقايا النظام لا تزال متماسكة، مُسَلَّحة، ومُتمركزة في مفاصل الدولة الأمنية والعسكرية، وقد أعدّت نفسها منذ سنوات لاحتمالِ مُواجهةٍ من هذا النوع. كما إنَّ المجتمع الإيراني، المُثقَل بتاريخٍ طويل من القمع والتضييق، يفتقرُ إلى بُنى تنظيمية قادرة على تحويل الغضب إلى تغييرٍ سياسي مُنظَّم. وعليه، فإنَّ السيناريو الأرجح بعد انقشاع دخان المواجهة لا يتمثّل في انهيارٍ كاملٍ للنظام، بل في إعادة تَشكُّله بصيغةٍ أكثر تشدُّدًا وهشاشةً في آن واحد—نسخة تبقى امتدادًا للثورة، لكنها أكثر عنفًا وأشد عُرضةً للاهتزاز مما كانت عليه منذ العام 1979.

لا شك أنَّ احتمال حدوثِ تحوُّلٍ سياسي عميق في إيران يبقى قائمًا في المدى البعيد، غير أنَّ الرهان على أن تؤدي الحملة الجوية الأميركية–الإسرائيلية الراهنة إلى إحداث هذا التحوُّل يبدو أقرب إلى التمنّي منه إلى التقدير الواقعي. فأيًا تكن خاتمة الحرب، ستدخل البلاد مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة، تتداخل فيها حسابات الأمن مع صراعات النخبة، ويُرَجَّح أن تجدَ واشنطن نفسها مضطرة للتعامل ديبلوماسيًا مع قوى نافذة داخل النظام أو على هامشه. غير أنَّ السماح لرموز سلطة مهزومة ومتآكلة الشرعية باحتكار قنوات ما بعد الحرب قد يُفرِغُ أيَّ مسارٍ سياسي من مضمونه. ومن هنا تبرز ضرورة أن تبدأ الولايات المتحدة منذ الآن في بلورة رؤية لليوم التالي، تقوم على تحديد محاورين عقلانيين يمكن البناء عليهم. وحتى اللحظة، لا تظهر مؤشرات واضحة إلى أنَّ إدارة الرئيس دونالد ترامب أعدّت خطة متكاملة لما بعد العمليات العسكرية. فالاعتماد على انهيارٍ تلقائي للنظام أو على انتفاضة شعبية حاسمة يظلُّ مقامرة محفوفة بالمخاطر. المطلوب، بدل ذلك، مقاربة مزدوجة تُوظّف الضغط العسكري والديبلوماسية المُنضبطة لدفعِ أيِّ قيادة إيرانية مقبلة نحو نموذج حكم أكثر انفتاحًا وأقل قمعًا.

المستعدون لنهاية العالم

في الواقع، كانت الجمهورية الإسلامية تعاني من تصدعات عميقة حتى قبل الضربات الأخيرة. فقد تآكلت شبكة وكلائها في العالم العربي بفعل عامين من المواجهات المتقطّعة مع إسرائيل، فيما شكّل استهداف برنامجها النووي في حزيران (يونيو) ضربة موجعة لما اعتُبر طويلًا حجر الزاوية في استراتيجيتها الردعية. ومع مطلع العام 2026، كانت المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تُنذِرُ بأزمة بنيوية: العملة في مسار انحداري، نقص حاد في المياه والطاقة، واستياء شعبي متصاعد بلغ مستويات غير مسبوقة منذ سقوط الشاه عام 1979. وقد عكست طريقة تعامل السلطات مع احتجاجات كانون الثاني (يناير)—والتي قُتل خلالها ما لا يقل عن 7000 متظاهر وفق تقارير حقوقية—شعورًا عميقًا بالحصار وإصرارًا على التشبث بالسلطة بأي ثمن.

اليوم، تجد القيادة الثورية المتقدمة في السن نفسها في مواجهة حملة عسكرية أميركية–إسرائيلية تبدو في أهدافها أبعد من مجرد الردع، لتلامس حدود تغيير النظام. فقد ألحقت الضربات أضرارًا جسيمة بالبنية العسكرية الهجومية والدفاعية، وأطاحت طبقة كاملة من القيادات السياسية والعسكرية والاستخباراتية، تاركة مؤسسات الحكم في حالة ارتباك غير مسبوقة. ولم تُسهم محاولات طهران للرد—عبر استهداف إسرائيل ومرافق مدنية وقواعد أميركية في دول الخليج—إلّا في تعميق عزلتها الدولية وتوسيع نطاق المواجهة، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل مسار المرحلة المقبلة مفتوحًا على احتمالات شديدة التقلب.

على الرُغم من حجم الدمار الذي لحق بمؤسّسات الدولة وأجهزتها العسكرية، فإنَّ بقاء النظام في طهران في المدى القريب يظلُّ الاحتمال الأرجح. فقد تأسست الجمهورية الإسلامية على مَبدَإِ الصمود في وجه العواصف، وبُنيت بُنيتها السياسية والأمنية بما يسمح بإعادة إنتاج السلطة في أوقات الأزمات. وما تبقّى من النخبة الحاكمة لا يزال يُمسك بمفاصل القرار، مُستفيدًا من شبكةٍ مُعقّدة من المؤسسات الدينية والتمثيلية صُمِّمَت لضمان مركزية التحكُّم ومنع نشوء بدائل حقيقية. وتُشيرُ المعطيات إلى أنَّ المرشد علي خامنئي كان قد استبق سيناريو العزل أو الاستهداف، فأوعز إلى الدوائر القيادية بإعدادِ قائمة بدائل مُحتَملة، كما فُوِّضَت قياداتٌ ميدانية بصلاحياتٍ أوسع لضمان استمرار القدرة على الرد حتى في حال تعطّل منظومات القيادة والسيطرة.

وليس هذا النظام غريبًا عن إدارة الأزمات. فقد خرج من اضطرابات السنوات الأولى بعد ثورة 1979، حين واجه تمرُّدات داخلية وعنفًا عرقيًا وحربًا مع العراق، كما تجاوز انتقالًا حسّاسًا للسلطة عام 1989 عقب وفاة آية الله روح الله الخميني. هذا الإرث من البقاء يُعزّزُ قناعة دوائره بأنَّ بإمكانه الصمود مُجدَّدًا، وربما المراهنة على تراجع اهتمام الإدارة الأميركية الحالية بمرور الوقت. وبرغم التآكل الذي أصابه، لا يزال النظام في موقعٍ تنظيمي وأمني أفضل من خصومه المحتملين.

في المقابل، يُواجِهُ أيُّ تحرُّكٍ داخلي لإسقاط الحكم تحدّيات جسيمة. فقد أمضت السلطة عقودًا في تفكيك قوى المعارضة أو تصفيتها، ما جعلها مُشتتة وضعيفة البنية وقليلة القدرة على التنسيق. وحتى إذا جرى تحييد البرنامجين النووي والصاروخي، فإنَّ أجهزة الأمن لا تزال تملك من الوسائل ما يكفي لقمع الاحتجاجات أو إحباط أي محاولة انقلابية. وعندما تضع الحرب أوزارها، يُرَجَّحُ أن تكون بقايا الجمهورية الإسلامية هي الطرف الأكثر تنظيمًا واستعدادًا للإمساك بزمام الأمور.

هل يصمد النظام؟

لكن مسألة البقاء لا تعني الاستمرارية إلى ما لا نهاية. فالهزيمة العسكرية، مهما حاولت القيادة احتواءها، ستفرض لحظة حسم تتعلق بإعادة ترتيب هرم السلطة. ولم تعرف إيران انتقالًا في منصب المرشد الأعلى منذ أكثر من ثلاثة عقود، فيما كانت ترتيبات الخلافة تُدارُ خلف أبواب مُغلقة ضمن دائرة ضيّقة، كثير من أعضائها لم يعد على قيد الحياة. وقبل اندلاع الحرب، كانت خلافة خامنئي ملفًا بالغ التعقيد؛ إذ أدّى مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي (الخليفة المحتمل) في حادث تحطُّم مروحية عام 2024 إلى إرباك الحسابات، فيما تلاشى معظم جيل الثورة إما بالوفاة أو بتقدُّم السن. وفي ظل هذا الفراغ الجيلي والمؤسسي، تبدو مرحلة ما بعد الحرب مرشحة لفتح باب صراعات داخلية صامتة قد تُحدّدُ شكل النظام الإيراني لعقود مقبلة.

عندما تخفت أصوات المدافع، لن يكونَ المشهد في طهران مُستقرًّا أو مُوحَّدًا. فمن المرجح أن تتفجرَ صراعاتٌ كامنة داخل أروقة السلطة حول اتجاه المرحلة المقبلة. قد يسعى مسؤولون بارزون، مثل علي لاريجاني ومحمد باقر قاليباف، إلى تنسيق مواقفهم بحذر حفاظًا على استمرارية مشروع ما بعد الثورة، إلّا أنَّ هذا التنسيق سيصطدم بتباينات في الرؤى والمصالح، فضلًا عن بيئة إقليمية متوترة وتحديات هائلة لإعادة إعمار دولة أنهكتها الحرب والعقوبات. وحتى إذا تمكنت المؤسسة الحاكمة من إعادة لملمة صفوفها، فمن غير المرجح أن تستعيدَ الثيوقراطية مستوى السيطرة ذاته الذي تمتّعت به سابقًا، خصوصًا بعدما تحوّلت ركائزها الاستراتيجية—البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والوكلاء—من أدواتِ ردعٍ إلى مصادر استنزاف وعزلة.

صحيح أنَّ الضربات الجوية وحدها قد لا تكون كافية لإسقاط النظام، غير أنَّ الولايات المتحدة تجد نفسها أمام نافذة نادرة للتأثير في ملامح النظام السياسي الذي سيتشكّلُ بعد الحرب. وقد تميل إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى التعامل براغماتيًا مع القوى التي ستحتفظ بالسلطة الفعلية، لكن أي انخراط ديبلوماسي ينبغي ألّا يتحوّل إلى مظلة إنقاذ للنخبة نفسها التي فقدت الكثير من شرعيتها داخليًا وخارجيًا. وتفيد تقارير بأنَّ شخصياتٍ تُوصَف بالبراغماتية داخل النظام، من بينها لاريجاني، حاولت بالفعل جسّ نبض استئناف المحادثات النووية عبر وسطاء عُمانيين. غير أنَّ اتفاقًا متسرّعًا أو منخفض السقف قد يمنح بقايا الدولة الثورية فرصة لإعادة إنتاج نفسها من دون تعديلٍ جوهري في سلوكها.

لذلك، يتعيّن أن يستندَ أيُّ مسار تفاوضي إلى رؤية واضحة تستهدف تغييرًا بُنيويًا طويل الأمد، لا مجرد تهدئة ظرفية. لقد أضعفت الحرب معظم أدوات الضغط التقليدية التي اعتمدت عليها طهران—من طموحاتها النووية إلى شبكاتها الإقليمية—ما يخلق لحظة إعادة تعريف للعلاقة بين إيران والعالم. وفي هذا السياق، تبرز أمام واشنطن فرصة لإعادة توجيه سياستها نحو هدف طال تجاهله: دعم مسار يتيح للإيرانيين بناء نظام أكثر انفتاحًا ومساءلة، ويمنحهم الأفق السياسي والاقتصادي الذي حُرموا منه لعقود.

Exit mobile version