محمّد قوّاص*
تَفتَحُ إسرائيل بشكلٍ جدّي ملف ضمّ الضفة الغربية. بدأت ذلك في السنوات الأخيرة بشكلٍ مُوارِب. مارست أقصى الضغوط الأمنية والاقتصادية لتحويل المنطقة إلى مجالٍ صعب العيش للفلسطينيين. تولّى الاستيطان والمستوطنون جانبًا كبيرًا من جلافة تلك الضغوط. وتولّت العمليات الأمنية، والحواجز السادية، وتقطيع أوصال المنطقة، توفير الظروف المستحيلة. جعل الأمر من العيش في الضفة أو عملية الدخول إليها والخروج منها، تمارين طاردة لدفع الناس للهجرة.
تنتقلُ إسرائيل إلى مستوى هجومي مباشر. تُصدِرُ حكومتها قراراتٍ تنقضُ قوانين أردنية تمنع بيع الأراضي إلى اليهود. تُشرّعُ تلك القوانين شراء الإسرائيليين للعقارات من دونِ وازعٍ قانوني. في السعي إيحاءٌ بالعمل على “شراء” الضفة الغربية، وتعويل على ضيق قد يدفَعُ الناس إلى البيع.
تُعلِنُ إسرائيل في العلن، من خلالِ سنِّ التشريعات الجديدة وأخرى قبل ذلك لفرض السيادة الكاملة على المستوطنات، إنتهاءَ اتفاق أوسلو لعام 1993، وانتهاءَ العمل بخرائط المناطق أ، ب، ج. جاءت هذه القرارات مدفوعةً من وزيرَي الدفاع يسرائيل كاتس والمالية بتسلئيل سموتريتش. تضمّنت إلغاء القانون الأردني الذي يمنع بيع أراضي الفلسطينيين لليهود، كما تضمّنت رفع السرّية عن سجلّات الأراضي، ونقل صلاحيات ترخيص البناء في التجمُّع الاستيطاني بمدينة الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية.
ستُحدِثُ هذه القرارات تغييراتٍ عميقة في آليات تسجيل وشراء الأراضي بالضفة، سيسمح الأمر بالكشف العلني عن أسماءِ مالكيها وتمكين مشترين إسرائيليين من التواصل المباشر معهم، مما يُسَهّلُ عمليات شراء وتوسيع الاستيطان في أنحاء الضفة الغربية.
تُحاوِلُ إسرائيل فَرضَ أمرٍ واقع يستفيد من جلبةِ ما يُعَدُّ لغزّة وضجيجِ ما يُعَدُّ لإيران. تنتهز تل أبيب اللحظة التاريخية النادرة التي وفّرتها عملية “طوفان الأقصى”. استدرجَ ذلك الحدث زعماء العالم للتضامن والإدانة بدون شروط. نجحت إسرائيل في موسم “مُصابها” في استدرارٍ مُفرِطٍ لعطف الحلفاء وإحراجٍ مُفرِط للخصوم. ولئن استنفدت الدولة العبرية تراجيديا الحدث بما ارتكبته من كوارث، فإنَّ حكومة بنيامين نتنياهو تُراهِنُ على قبول العالم حاجتها المُؤجَّلة للضفة، مقابل انتقال غزّة إلى تدبيرٍ دولي مقبل.
هي محاولة. صادفَ أنها وقعت قبل ساعات من رحلة نتنياهو إلى واشنطن. بدا أنَّ الرجلَ الذي تُعلِنُ منابره حمل “هموم” الخوف من صفقةٍ يقبلُ بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران، يتأبّطُ في ملفّاته “قضية” الضفة. هي محاولة.
صادفَ أنه بعد الإعلان عن قرارات إسرائيل بساعات، أعلن البيت الأبيض أنَّ الرئيس لم يقبل ولن يقبل ضمّ إسرائيل للضفة. قبلها بأسابيع، كان قال لمجلة “تايم”: “لن يحدثَ ذلك لأنني أعطيت كلمتي للدول العربية. ولا يمكن فعل ذلك الآن. لقد حظينا بدعم عربي كبير. ستفقد إسرائيل كل دعمها من الولايات المتحدة إذا حدث ذلك”.
تبدو “اللحظة الإسرائيلية” التي فرضت قواعدها على شرق أوسط وعد نتنياهو بتغييره في حالة اندثار. واشنطن تُعلِن رفض ترامب لفكرة الضمّ وقرارات الحكومة الإسرائيلية المُوحِية بذلك. لندن وباريس وبروكسل وفضاؤها الأوروبي الواسع تُدينُ وتستنكر وتُقفِلُ بابَ هذه “السيرة”. يُندّدُ بيانٌ صادرٌ عن 8 وزراء خارجية دول عربية وإسلامية بالمحاولة الإسرائيلية.
بدا أنَّ نتنياهو ذهبَ في رحلةِ مُقايضة تزعم مجاراة قرارات ترامب الإيرانية على مضض، مقابل اعتماد الرئيس الأميركي خرائط إسرائيل الجديدة. يكشفُ الاندفاع الإسرائيلي إلى السطو على الضفة عن هوس من أن تصيب الضفة الغربية الترتيبات الدولية التي أصابت مسار غزّة ومصيرها. حتى أنَّ هناك مَن يهمُسُ أنَّ نتنياهو الذي لم يحب خطة ترامب لغزّة، وكره بندها الـ 19 الذي يَعِدُ، بشروط، بمسارٍ لقيام دولة فلسطينية، يخشى أن تتمدّدَ مفاعيلها صوب الضفة الغربية.
فما الذي يمنع أن تشملَ صلاحياتُ “مجلس السلام” و “قوة الاستقرار الدولية” في القطاع الضفة. يمقت نتنياهو توأمة “الضفة والقطاع”، وسيعمل وقومه على أن ما لغزّة لغزّة وما للضفة لإسرائيل. أي خطّان لا يلتقيان لقيام فكرة فلسطين ودولتها.
- محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).
