… بل منجَم بل مقلَع بل بيدَر

هنري زغيب*

ما زال نفَرٌ من السياسيين – وفي إِثْرهم نفَرٌ بَـبَّغائيٌّ من مستخدمي منصَّات التواصُل الإِلكترونية – يستعملون عند ذكْرهم لبنان تعابيرَ منْهَكَة بضلالها، مستهلَكة باستخدامها، مضلِّلَة في انتشارها بين المواطنين. منها عبارة “لبنان هذا الوطن الصغير”. مش صحيح. هذا عارٌ فاضحٌ جهلَ الحقيقة. لبنان الدولة “بلد صغير” جغرافيًّا وديمُغرافيًّا؟ صحيح. لكنَّ لبنان الوطن (شعبًا على أَرضه وفي الـمَهَاجر، وتاريخًا وحضارةً وأَعلامًا عالَميين) لا حدودَ لإِشعاعه في أَوطان العالَم.

ويقال أَيضًا: “لبنان مصنعُ رجال وخزَّانُ طاقات”. مش صحيح. المصنع مكانٌ عقيمٌ يَلزَمُهُ عمَّال يديرون آلاتِه ولا قيمةَ له من دونهم. والخزَّان مكانٌ جامد ينتظر مَن يملأُونه ولا قيمةَ له فارغًا.. حقيقة لبنان؟ هو منذ نشوئه مَنجمٌ عريقٌ بطبيعته وحيوية شعبه الخلَّاق، وهو مقلعٌ موجودٌ منذ عصورٍ يُطْلِع عباقرةً ومبدعين، وهو بيدرٌ خصيبٌ يُنْبِتُ سنابلَ خَيِّرةً يوزِّعُ قمحها على العالم.

ويقال أَيضًا في تحليلات سياسية: “لبنانُ ساحةٌ وصندوقُ بريد”. مش صحيح. الساحةُ مفتوحةٌ للعابرين أَهلًا وغُرَباء، وصندوقُ البريد يرضَخُ لاستقبال كلِّ ما يُرسَلُ فيه من محليِّين وغرباء، ولا يحقُّ له أَن يرفضَ رسالةً أَو طردًا. أَمَّا لبنان الوطن الحقيقيّ فهو وَاحة لا ساحة. لكنَّ اليوضاسيين خانوا الواحة ونُظُمَها وأَهلَها لأَغراضٍ حقيرة، واحتاجوا إِلى ما يَخدُم بقاءَهم فاستعمَلوا مواطنيهم مطايا بريدية.

وفي المطايا، من حقارات مركنتيليِّي السياسة، أَنْ يجعلوا بلدَهم ورقةَ تفاوض أَو ضغْط فيُعَرِّضُوا قدَرَه وشعبه لجميع أَنواع الأَخطار. ولا يرتدعون عن استخدام مواطنيهم أَدواتٍ تَخْدمُ صفقاتهم في الداخل واستزلامهم للخارج، ولو سبَّبُوا كوارثَ فاجعةً بضحاياها الأَبرياء.

كلُّ هذا الأَعلاه لأُنَبِّهَ إِلى ضرورة التدقيق في استعمال المصطلَح. لذا بدأْتُ مقالي بأَنْ ما زال نفَرُ سياسيين – وفي إِثْرهم نفَرٌ ببَّغائيٌّ من مستخدمي منصَّات التواصُل الإِلكترونية – يَذْكُرون لبنان بتعابيرَ منْهَكَة بضلالها، مستهلَكة باستخدامها، مضلِّلَة في انتشارها بين المواطنين.

وكلُّ هذا الأَعلاه لأُشدِّد أَنَّ في شعبنا أَغناميين منقادين وراءَ زعيمهم، يستخدمون تعابيره عُميانيًّا. وهو أَصلًا لا يَهتَمُّ في تعابيره إِلَّا لِما يُبْقيه دائمَ الجلوس على أَكتاف أَزلامٍ يَرَونَه مثالَهم مهما فعَل، فيتعامَون عن التمييز فيه بين رجل دولة يخدم الدولة، ورجل سياسة يستخدِم الدولةَ وناسَها وناسَه مطايا.

بين ساسة لبنان قلَّةٌ نخبويةٌ صادقة، وكثرةُ دينوصوريين يستعملون شعبهم ويُهَيِّئُون له نسْلهم من بعدهم، فيما لا هُم ولا بَنُو نسلِهم يستحقُّون لبنان. لذا، أَقلُّ ما على شعبنا فعلُه: إِسقاطُ اليوضاسيين عن أَكتافه، ورفْعُ الذين، على أَرضه أَو بين الـمَهَاجر اللبنانية في العالم، أَثْبتوا جدارتهم العلْمية والوطنية، ليستحقُّوا أَن يُشَكِّلوا سُلطة صالحة متينة صادقة، فيَسُوسُوا دولة صالحة متينة صادقة تستعيد من شعبها ثقتَه، ومن الدوَل ثقتَها. ولْيكُنْ بعدَها في حُكْم لبنان الوطن مَن يُصالحونه مع سُلطته ودولته، فيتساوى لبنان الوطن والسُلطة والدولة، في عهدة مَن يَحكُمُونه ولا يقولون عنه “الوطن الصغير”، بل يَعرفون عُمْقيًّا أَنه “دولة” صغيرة لكنه “وطنٌ” غيرُ عادي، بشعبه الحر المنتمي إِليه لبنانيًّا، بإِرثه الغنيّ عالَميًّا، بتاريخه الـمُشَرِّف حضاريًّا، وبأَعلامه المبدعين الذين يجعلون أُمَمَ العالم تلتفت إِليه بإِجلال وإِكبار.

***

دانايات (1)

 

Exit mobile version