ماذا تُريدُ المنطقة من مُفاوَضاتِ واشنطن وطهران؟

محمَّد قوَّاص*

اهتَمَّت دولُ المنطقة جميعها، من الخليج إلى تركيا مرورًا بمصر وحتى وصولًا إلى باكستان، بالتوسُّط وترتيب معادلات، واقتراح صيغ، توفّر أرضية لاتفاق بين واشنطن وطهران. وفي ما عدا إسرائيل، فإنَّ دولَ المنطقة لا تريدُ حربًا جديدة في الشرق الأوسط، ولا تُريدُ تَعَرُّضَ إيران لضرباتٍ مُدمِّرة كتلك التي عرفتها في حزيران (يونيو) الماضي. ولئن تُلوِّحُ طهران بالمرونة والاستعداد لتنازلات غير مسبوقة في برنامجها النووي، فذلك أنها أصغت، على مضض، إلى مُعطَياتٍ ورسائل تؤكّد للمبعوثين الإيرانيين أنَّ حرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب حقيقية، وليست تهويلية، وأن “أرمادا” أميركا المتكدّسة في مياه المنطقة لن تنسحبَ قبل أن تتحقّقَ أهداف باتت تتوسَّع وتتعقّد يومًا بعد آخر إلى درجةِ مُلامَسةِ خططٍ لإسقاط النظام.

استنتجت طهران كم تَغَيَّرَ هذا العالم عمّا كان عليه خلال السنوات التي سبقت إبرام اتفاق فيينا النووي لعام 2015 في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. رتّبَت حينها واشنطن تفاهمات عبر قناة مسقط الخلفية مع طهران، وفرضت بعدها اتفاقًا جرى من وراء ظهر دول المنطقة ومن غير مشورتها أو أخذ مصالحها بعين الاعتبار. خرج أوباما عام 2016 مُبَرِّرًا “فعلته”، فارضًا أمرها الواقع، ناصحًا دول الخليج بمشاركة إيران النفوذ في المنطقة. نهلت طهران من مادةِ ذلك الاتفاق أرصدة، وغطرسة، وبرنامجًا صاروخيا باليستيًا، وشبكة واسعة من الأذرع والوكلاء.

بعد 11 عامُا، تبدو واشنطن، في عهد دونالد ترامب، أكثر إصغاءً لشركائها في المنطقة، أشد قناعة أنَّ لا نجاعةَ لأيِّ اتفاقٍ من دون أن تتوفّر له بيئة إقليمية حاضنة. لا تُريدُ المنطقة حربًا. ولا تُؤيِّدُ سقوطًا فوضويّا لنظام طهران. لا تستطيع منع الولايات المتحدة من شنِّ حربها، لكنها لن تكونَ شريكةً ولن تسمحَ باستخدام أراضيها لضرب أهداف إيرانية. ومع ذلك فإنَّ دولَ المنطقة لن تُتيحَ تمرير صفقة جديدة تأخذ الطابع الثنائي بين واشنطن وطهران. والمفارقة أنَّ واشنطن لا تريد ذلك وأنَّ طهران لا تستطيعه.

ليس تفصيلًا أن تتحدّثَ الأنباء عن حضور ممثلين لبعض دول المنطقة اللقاء الموعود بين وزير الخارجية عباس عراقجي والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف. بدا الأمرُ في هذا الشكل انقلابًا عن ذلك الذي اعتُمِدَ لإبرام الاتفاق السابق، وتعبيرًا عمّا تغيّرَ في العالم، وعمّا تبدّلَ في موازين القوى الإقليمية.

تُريدُ المنطقة اتفاقًا يُنهي الاستثناء الإيراني الذي طبع العقود الأخيرة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. لا تريد إسرائيل برنامجًا صاروخيًا باليستيًا خبرت أخطاره. ولا تريد دول المنطقة ميليشيات تُفرّخُ في المنطقة وتعبث بأمنها واستقرارها ووحدتها وفق مزاج الحاكم في طهران.

لن تكونَ إيران جاهزة عقائديًا لتقديم تنازلات للمنطقة بمستوى التنازلات نفسها المحتملة للولايات المتحدة. ستسعى طهران إلى تخفيف حدّة التوتر مع ترامب، وربما منحه جوائز ترضية تخفّض مما يطمح إليه برنامجها النووي. لكن إيران ستسعى أن تحتفظ بتميّز فرادتها وفق النسخة التي باركها أوباما قبل 11 عامًا، والوهم الذي يجعل منها دولة كبرى وصيّة على المنطقة.

تحتاج دول المنطقة إلى اتفاقٍ أميركي-إيراني يُنهي مرحلة العبث التي تعيشها منذ عقود. تُريدُ اتفاقًا يفرضُ سقفًا يَحدُّ من أوهامٍ إيرانية تقفُ إدارات أميركية سابقة وراء رواجها. لن يعودَ مقبولًا أن تُهدّدَ إيران وميليشياتها أمن الخليج، ووحدة اليمن، واستقرار العراق، وسيادة لبنان، واستقلال سوريا.

ولئن قد يكون عسيرًا توقّع قبول إيران بممارسة يومياتها كدولة عادية في فهم السياسة والعلاقات الدولية، فإنَّ طهران تطلب نقل المفاوضات من أنقرة إلى مسقط، ربما استبشارًا بالمدينة التي رعت التفاهمات مع أوباما. بيد أنَّ مدن المنطقة جميعها لن تستطيع منع قدر قد يقرّره العالم، بشرقه قبل غربه، لإنهاء الاستعصاء الإيراني أيًّا كانت أثمانه.

Exit mobile version