رشيد درباس*
مدينةٌ حُدودُها العطرُ
نزار قباني
كان الطرابلسيون في غضبٍ عارم عند تأسيس دولة لبنان بحدودها الحالية، لأنَّ المزاجَ العام كان مُتَّجِهًا بقوّة نحو الاندماج مع الدولة السورية التي كانت طرابلس الثغر الساحلي الأهم فيها، والقصبة المُتقدِّمة، والمدى الأكثر تجانُسًا وتكامُلًا مع مدن طرطوس واللاذقية وصافيتا وحمص وحماة. في ذلك الحين جاء الزعيم الوطني السوري المرحوم سعد الله الجابري ووقف إلى جانب الرئيس المرحوم عبد الحميد كرامي، وخاطبَ الجماهير الغاضبة في باحة المسجد المنصوري الكبير قائلًا: لن تزيدوا سوريا عروبة، فكونوا رُسُلَ العروبة في لبنان، ولكنَّ الامتعاضَ الشعبي كان سيِّدَ الموقف.
لا يُمكنُ إغفالُ النزعة العروبية عند أهل المدينة، ولكن لا يجوزُ الاكتفاء بهذا العامل لتفسير ذلك الرفض، فالحقيقة أنَّ أهلَ الشمال عمومًا والطرابلسيين على وجهٍ أخص، كانوا يُعَوِّلون في أعمالهم وتجارتهم وأرزاقهم على ذلك الامتداد الاقتصادي المفتوح إلى سوريا وعبرها، والمؤدّي إلى اختلاطٍ عائلي وزيجاتٍ مُشتركة، بل إنَّ كثيرين من أعيانِ المدينة كانت لهم مناصب حكومية وقضائية وعلمية مرموقة في سوريا، سيّان أكان ذلك في العهد التركي أم أيام الانتداب الفرنسي. وعلى هذا فقد قبل الطرابلسيون الهوية اللبنانية على مضض، تفاقم بعد ذلك عندما فقدت مدينتهم أهميتها الاقتصادية السابقة، بل باتت المُتأثّر الأوَّل والأكثر تضرُّرًا من سياسات القطيعة التي كان بطلها في ذلك الزمان، رئيس الوزراء السوري خالد العظم.
لكنَّ رونقًا حداثيًا أكسبتها إياه المقوّمات الاقتصادية فيها، ومنها شركة نفط العراق مصبًّا ومصفاةً وسكك حديد الشرق، بالإضافة إلى الصناعات المُتعدّدة، وبساتين الليمون المترامية الأطراف. غير أنَّ الشعور بالحرمان والإهمال، بقي مقيمًا في النفوس، وخصوصًا أنَّ المرفأ الذي أنشىء في عهد الرئيس كميل شمعون لم تكن له مواصفات التكامل مع مرفَإِ بيروت، ولم يكن مُؤهَّلًا للمنافسة واستقبال السفن العملاقة والبضائع المتنوِّعة.
تخطّت المدينة أحداث 1958 بسرعة، فلم تفقد جمال تنوُّعها الديموغرافي، وبقيت نقطةَ العبور لأقضية الشمال، وملتقى العائلات الشمالية التي اتخذت فيها مقرًّا وسكنى، بل كان زعماء زغرتا وعكار وبشري سكّانًا أصليين فيها.
المُفترقُ الخطير بدأ مع 1975، حين جرت عن قصد، من قبلِ جهاتٍ معروفة، حملةُ اضطهادٍ وتخويف حدّت بكثير من مسيحيي طرابلس إلى مغادرتها. والأدهى أنَّ الهجرة الريفية تدفقت بشكلٍ كثيف، فيما تعطّلت المرافق الاقتصادية المشار إليها، فتوقّفَ المصبّ، وقُصِفَت المصفاة وسُرِقَت سكك الحديد، وأُنشِئت الطرقات العريضة للاستغناء عن المرور الذي كان إجباريًّا في داخل المدينة.
كانت المعاناة من العام 1975 وحتى اتفاق الطائف فائقة الوصف، إذ تحوَّلَ السكانُ إلى طوابير تنتظر الخبز والمحروقات، وأسلسوا لياليهم للشموع وقناديل الكاز، وغامروا بإرسال أبنائهم إلى المدارس مع احتمال عودتهم جثثًا أو جرحى، وعانوا من قتال الزواريب بين “الإخوة المناضلين”، واستُبيحَت شوارعهم ميادين رماية مدفعية بين بعل محسن وباب التبانة مدى ثلاثين عامًا، واشتبكت المقاومة الفلسطينية مع المُنشَقِّين ثم مع الجيش السوري، فكانت النتيجة الباهرة تدمير خزانات شركة النفط وتعطيل المصفاة والمصب، ناهيكم عن الانهيار الاقتصادي والتضخّم، وتفشّي البطالة وانهيار المؤسّسات والمرافق الاقتصادية، والفوضى الأخلاقية وتزايد الوافدين بما يوازي المقيمين الأصليين، والبناء العشوائي الذي استشرى في كلِّ مكان، خصوصًا لدى مكان اكتظاظ الفقراء، خارج أي رقابة هندسية او صحّية.
لا يُمكِنُ أن أُهمِلَ في هذه السردية السريعة تحكُّمَ “حركة التوحيد الاسلامي” بحياة المدينة ومفاصلها وبيوتها ويومياتها، وهي الحركة التي أسّستها حركة “فتح”، ثم تبنَّتها المخابرات السورية بعد ذلك.
لكن ما يُثيرُ الاستغراب، أنَّ طرابلس وبسبب العوامل التي جرى ذكرها، اكتشفت أهمية انتمائها اللبناني، وأبدت تمسُّكها بدولتها، بعد أن عاينت وعانت من وقاحة الفوضى، وشراسة “إخوتها في العروبة” وابتذال الميليشيات المسلّحة التي كانت تحسبُ أنَّ السيطرة على حارة أو زقاق، تتقدّم على مصالح المواطنين وعلى أمنهم ورزقهم.
أظهرَ الطرابلسيون ولاءهم لدولة لبنان، رُغمَ ضعفها وعجزها عن تقديم أبسط الخدمات للعاصمة الثانية، لكنهم لمسوا، بمفهوم المخالفة، كما يقول رجال القانون، أنه ليس من بديلٍ لتلك السنوات العجاف، إلّا الدولة على قلّة إمكاناتها ومواردها…
وبهذا لا أكون مُجانِبًا للحقيقة إن قلتُ إنَّ طرابلس لن تكونَ بعد الآن حقلًا للتجارب الميليشياوية والأحلام السياسية المريضة.
ومع هذا، فإنَّ المريضَ الذي يبرأ من الداء العضال، ستظهرُ عليه الأضرار الفادحة التي خلَّفها داؤه، ومن هذا ما نراه من تصدُّعِ الأبنية الذي يُشرِّدُ عائلات ويَزهقُ أرواحًا ويشيع الهلع، ويحاسب النواب والمرشّحين والحكومة بأنَّ حان الوقت لتنطلق الورشات الإنمائية بعد ملء الفراغ المُزمن في مرافق المدينة ومجالسها. بل أعودُ وأُكرّر، إنَّ عنوانَ التنمية لمحافظتي الشمال، يكونُ بتأهيل سكة الحديد من محطة طرابلس التاريخية حتى الحدود السورية.
عند ذاك سيلمس الناس بداية ازدهار مستحق.
- رشيد درباس هو وزير لبناني سابق يعمل بالمحاماة، كان سابقًا نقيبًا لمحامي شمال لبنان.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).
