في وداع فينوس خوري غاتا

هنري زغيب*

حين كنَّا، مساءَ السبت من الأُسبوع الماضي، نحتفل في “صالون فيلوكاليَّا الأَدبي” بالذكرى السابعة لغياب زميلتنا الكاتبة والصحافية ميّ منَسّى، لم نكن نَدري أَنَّ شقيقتها الكبرى الشاعرة فينوس خوري غاتا في باريس، كانت تُمضي أَيامها الأَخيرة، حتى انطفأَت قبل يومين ملتحقةً بشقيقتها الغالية مي.

بهذا الغياب يفتقدُها الوسطُ الأَدبي الفرنسي، هي التي أَغنَتْهُ باثنين وأَربعين كتابًا بين شعرٍ ونثرٍ وروايات وكانت نجمةَ حلقاته الأَدبية، ويفتقدُها الوسط الأَدبي اللبناني الذي كانت حاضرة فيه، ولو عن بُعد، هي التي ظلَّ لبنان يقظتَها في الحلْم وفي الواقع، وظلَّ لبنان ضالعًا فيها حتى النفَس الأَعمق. ومع أَنها غادرَت بيروت قبل أَكثرَ من نصف قرن، ظلَّت بيروت تعيش في وجدانها بكل حنان وكل حنين، كأَنها تحتضنُها في شغف الأُمومة، وبقيَتْ في نبْضها بشرّي مدينةُ ولادتها قبل تسعةٍ وثمانين عامًا.

في وَداعها اليوم، تتداعى إِليَّ ذكرياتي مع فينُوس وعشْقها بيروت، وتعود إِليَّ صَدمتُها بانفجار مرفإِ بيروت قبل ست سنوات. وما زال صوتها في بالي يومَ هاتَفَتْني من باريس صارخةً: “انفجارُ المرفأ خطَفَ بيروت من حضني”. وبعد حفنة أَسابيع، أَرسلَت لي كتابها الجديد “ابتعِدوا عن نافذتي”، وفيه ثلاثُ قصائد طويلة: “ابتعِدوا عن نافذتي”، “مشاهدُ من الحياة العادية”، “بيروت 4 آب 2020”. وفي ثلاثتها حنينٌ موجعٌ إِلى أَيام بيروت ونوستالجيا حارقة إِلى لبنان.

أَتوقَّف هنا احترامًا غيابَها الموجع. وعوَضَ أَن أَتكلَّم عنها، سأَدعُها هي تتكلَّم، وأَستحضرها في المقطع الأَول من قصيدتها “بيروت 4 آب 2020″، ففيها كل عاطفة فينوس لبيروتها الغالية. وهنا ترجمتي هذا المقطع:

“نداءَاتُهم تَرفع الحجارة، تَكْشَحُ الدُخان. يسأَلون الجدرانَ المنهارةَ أَن تُعيدَ إِليهم الجَدَّ والحفيدَ وسريرَ العروس. لكنما صُمٌّ هي الجدران، عُمْيٌ سُحُبُ الدخان… المصابيحُ التي تُنير بطنَ الترابِ تُنذِر: صعبٌ على التراب أَن يُعيدَ مَن ابتلَعَهم، فهو يَرمي السرير ويَحتفظ بالطفل، يُعيد حقيبةَ الكُتُب ويحتفظ بالتلميذ، يُرجعُ العصا بدون العجوز، يُعيدُ ماكنة الخياطة لا الخيَّاطة… المصابيحُ والرفوشُ والأَيدي وَجَدَت الكرسيَّ ولم تجِد مَن كان جالسًا على الكرسيّ. كان يقرأُ ولم يكُن ما يُنذر بالموت الآتي إِلى بيروت، ولا أَن تتَشَظَّى الأَبنيةُ، وتصَّاعدَ من تحت الأَرض نداءَاتٌ مذعورةٌ، وتنجرفَ الأَنقاض مع فتات الوليمة الأَخيرة… شاخَت الكتب، ولم يبقَ من الأَحياء سوى صُوَرِهم معلَّقةً على جدران… لو كانوا يعلَمون لكانوا بجلودهم لَفُّوا أَطفالهم. لو كانوا يعلَمون لَزَرَعوهم في أَرضٍ أَكثرَ ثقةً يَنْمُون مع عشبها، ولكانوا اندفنوا بأَيديهم ليوهِموا الموتَ بما هو أَكثر منه موتًا. لو كانوا يعلَمون لكانوا أَقلَّ ذهولًا… مَن يتذكَّرون، يحكُون عن صمتٍ يضجُّ بالصخب، عن أَشجارٍ متفحِّمة، عن مدينة متحجِّرة… في ستِّ ثوانٍ، رجالٌ يتساقطون مع الجدران، نارٌ تلتهم الحجارة، أَعضاء تحترق كالأَغصان اليابسة… وعلى صخرة نائية، سيروي البجع ما سيروي، وللعالم أَن يصدِّق أَو يشكِّك… ها أَنا جالسةٌ قُبالةَ الذهول، أُفكِّر بذُعر الأَشجار، وبصمْتٍ ملْتَبِسٍ فاجأَ المتوسط، ولم يكُن يدري بأَن مدينةً انهارت، وأَنَّ شعبَها يتنفَّسُ الدخان والأَنقاضَ وكَسْرَ الزجاج وموجاتٍ مذعورةً من تَلَبُّدِ الغبار”.

Exit mobile version