هكذا “أَحبُّوهُنَّ”

فرانز كافكا وميلينا

هنري زغيب*

في بعض رسائل الحُب، غالبًا، شعرٌ دون أَن يقصد كاتبوها كتابةَ الشعر. وكما سنرى في هذا المقال، كتبوها بقلوبهم لا بأَناملهم، فانسابت عواطفهم بكل عُريها في حدِّها الأَعلى. من هنا تُطلُّ مفاجآتٌ جميلة في تلك الرسائل، وتَشي بأَيدٍ راجفة عند كتابتها، وليالٍ بيضاء من الأَرق الـمُضْني، وقلوبٍ ترتجف من قلقٍ عاطفي حادّ. واللافت أَنَّ كاتبيها، وهُم من كبار الشعراء والأُدباء، انسابوا عفويًّا في رسائلهم بما لا يَظهر عادةً بهذا الشكل العاري في قصائدهم ومنثُوراتهم.

هنا مجموعةٌ منهم مع صراحة رسائلهم.

جون كيتس وفاني

فلاديمير نابوكوف: انفراط الكلمات

كان الكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف (1899-1977) سنة 1922 عقد خطوبته على سْفيلْتانا سيْوِرتْ لكنها فسخَتْها بعد أَقلَّ من سنة. وتعرَّف نابوكوف في أَيار/مايو 1923 بـفيرا سْلُونيم (190201991) في حفلة راقصة، وتزوَّجها في نيسان/أَبريل 1925. وكان أَمضى معها فترة عاطفية لاهبة كتب لها رسائل حارَّة جاء في بعضها: “شمسي أَنتِ، وروحي، وكلُّ جميل أَراه. أُحبُّكِ أَبعدَ من جميع الكلمات، من جميع الظُروف، من جميع الدموع والابتسامات”. هكذا يبدو أَنَّ نابوكوف، وهو سيِّد الكلمة الأَدبية، عبَّر بأَبسط الكلمات العادية اليومية، عن مشاعره البدائية العارية، فلا تنصيعَ للعبارات، ولا استعارات، ولا تنقية أُسلوب، بل انفراط الكلمات بدون أَيِّ جهد لتنْقيتها من الكلام الأَولي. وعبارة “أَبعد من جميع الكلمات” تفاجئُ بصدورها عن كاتب بحجْمه كرَّس حياته لأَعلى مستوى من الأَدب. يعني أَنَّ الكلمات الأَدبية عجزَتْ عن تعبير ما يريد إِيصاله إِلى فيرا. إِنه الحب الأَكبر من الكلمات. الحب لا بأَقوى العاطفة الحارة بل بعُري العاطفة خارجَ تعبير كل كلام. ومما كتب نابوكوف إِلى فيرا بهذا السياق البدائي: “قد يكونُ عجزي عن التعبير دليلًا على عالَمٍ خلَقْتِهِ بي أَوسعَ من طاقتي على التعبير”.

آنايـيس نين وهنري ميلِر

فرانز كافْكا: الانسحاق أَمام الحبيبة.

“أَنتِ سكِّين أَغرزُها بي. هكذا أَفهَم حبَّكِ”. هكذا عبَّر الكاتب التْشيكي فرانْزْ كافْكا (1883-1924) في رسالته إِلى ميلينا جيسينْسْكا (1896-1944) وكانت المرأَةَ التي أَحبَّها بجنون غامر، وهي ترجمَت معظم مؤَلَّفاته. ولم يرعوِ عن التعبير البسيط بأَكثر تعابيره عُريًا، يكتبُها بحقيقتها، بحدَّتها وبدون تنصيع. كان يعتبر هذا النوع من التعبير البدائي خلاصًا له وأَمانًا. إِنه الحب بكامل عنفه، والاعتراف بقوَّته، وبأَنَّ هذا الحب غير العادي منسحقٌ كلِّيًّا أَمام الحبيبة، وتاليًا هو منفلتٌ من كل رقابةٍ وازعةٍ على تعابيره. وهذا ما يراه الكتَّاب والشُعراء أَصدقَ تعبير عن الحب، ولو جاء التعبير عنه صادمًا بلامأْلوفه. وبدا أَنَّ الحب لدى كافكا ليس الدفْءَ بل التَحوُّل الجارف نحو حالةٍ خارجَ كل منطق.

جون كيتْسْ: جنون غير عاديّ

الشاعر الإِنكليزي جون كيتْسْ (1795-1821) كانت له علاقة عاصفة مع جارته في هامسْتِيد فاني براون (1800-1865). ومن “عواصف” حبه كتابتُه لها: “الحبُّ دِيني. أَموت لأَجله. أَموتُ لأَجلكِ”. كأَنما هو شاعر بأَنَّ عمره قصير، خصوصًا بعد اكتشافه مرضَه القاتل: السلّ فقضى عليه وهو في الخامسة والعشرين. من هنا كان زخْم تعلُّقه بها في جنون غير عادي، فعاش حبَّه بكثافة عاطفة عالية جدًّا، تَعادَلَ فيها شعوره بالموت. لذا كان يشعر أَنه من دونها، أَو بعيدًا عنها، لا يمكنه أَن يعيش. وراح ينبض حبَّه في فكره وهدَف حياته وإِيمانه. وكتب ذلك في رسائل إِليها قد لا يكون ضَمَّنها قصائده. لم يكن الحب جُزءًا من حياته. كان كلَّ حياته.

أَلبر كامو وماريا

آنايـيـس نين: العاشقان إِلى اكتمال

“أَنتَ تعيش في عالم حواسي. وأَنا أَعيش في عالم الفكر. وكلانا نشكِّل العالم”.

بهذه القوة خاطبت الكاتبة الأَميركية آنايـيس نين (1903-1977) حبيبَها الكاتب الأَميركي هنري ميلر (1891-1980). كانت ترى الحب اكتمالًا وتَكاملًا بين الحبيبين. كل منهما نصفُ الآخر. وكلاهما معًا طريقةُ حياة. في كلَيهما يجتمع الروحاني والشهواني. الفكر والجسد. لا يعيش أَحدُهما من دون الآخَر. لا يكتمل أَحدٌ من دون الآخر. كلاهما يشكِّل الاكتمال. وهي فكرة متنوِّرة جميلة للمشاركة في الحياة اليومية. لا بذوبان أَحدهما في الآخ بل بالتناغُم والتناسُق. الحب في قناعتها انفتاحٌ وامتدادٌ إِلى فضاءات جديدة. من هنا الإِضافة المتبادلة التي لم يكن ممكنًا بلوغُها كلٌّ وحده.

أَلبر كامو: الحب العنيف بشُعلة حارقة

“أُحبُّكِ بنَوع من الذعر والغضب، لأَن هذا النوع من الحب لا يبلُغه الإِنسان إِلَّا مرةً واحدة وحيدة في العُمر”.

بهذا الوضوح العنيف راسل الكاتب الفرنسي ألبر كامو(1913-1960) حبيبتَه الممثلة المسرحية ماريا كازاريس (1922-1996). وهذا شعور قد يكون عامًّا بين العاشقين لكنَّ التعبير عنه قد لا يكون عامًّا بهذا الوضُوح. فما كل عاشق يعترف به ويقوله للحبيبة. ليس حبًّا هانئًا هادئًا، بل عنيفٌ في شعلته الحارقة. حب يعرف في جوهره أَنه لن يتكرر. وهذه “المرة الواحدة والوحيدة” لا تقاس برقمها بل بعنفها العاطفي الذي يجتاح كل ما يعترضه. لذا لم يكن الحبُّ في نبض كامو راحةً وهناءةً بل حارقًا كلَّ ما قبله وسواه، لأَنه حقيقي ولا يأْتي سوى تلك “المرة الواحدة الوحيدة”.

Exit mobile version