نحو معنى جديد للقيادة: إليكِ يا امرأة اليوم

إيمان درنيقة الكمالي*

“أعيدوني إلى المنزل.. لقد خُدعنا!” بهذه العبارة الصارخة، تعلن شريحة كبيرة من نساء اليوم تمرُّدًا غير متوقَّع ضد “فخّ التمكين” الذي تحوّل، وللأسف، إلى قيدٍ تدفع العديد من النساء ثمنه من صحتهن العاطفية والجسدية.

ومع تزايد سرعة هذا العصر، نقف اليوم لنُحَيِّي المرأة المعاصرة”؛ تلك التي لا تشبه امرأة الأمس كثيرًا، لأنها تخوض معارك لم تكن تخطر على بال المرأة في الماضي. فبينما كانت تحديات الأمس محصورةً بجدران المنزل أو كسر القيود الاجتماعية التقليدية، نجد امرأة اليوم تقاتل في جبهات مفتوحة ومتقاطعة: تقتحم عالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمنافسة شرسة، وفي الوقت ذاته، تحرس الهوية الأُسَرية وتزرع القيم في نفوس جيلٍ يتربى في عالمٍ رقمي يبتلع الروح.

لم تكن رحلة المرأة نحو القمّة سهلة، لكنها كانت مثمرة وباهرة، ولغة الأرقام لا تكذب؛ إذ تشير بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أنَّ النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يُدِرن ما يقرب من 30% من الشركات الناشئة. وبحسب تقارير اليونسكو الأخيرة، تكتسح الإناث مقاعد الدراسة الجامعية بنسبة تتجاوز 55% في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (ٍStem) في دول مثل لبنان والخليج العربي والأردن.

هذه الأرقام تعكس اكتساحًا معرفيًا وطموحًا هائلًا؛ ومع ذلك لا يخفى على أحد حجم التحديات التي تواجهها النساء في رحلتهن نحو القيادة. ولعلَّ أوّلها هو “العبء المزدوج” (The Double Burden) حيث يُطلب من المرأة ممارسة عملها أو إدارة مؤسساتها بكفاءة عالمية في الصباح، والعودة لتكون المحرّك الأساس للنسيج الأسري في المساء، من دون أن يُسمح لها بهفوة واحدة أو لحظة تعب.

وزاد “الطين بلة” عالم التواصل الاجتماعي (تيك توك وأخواته) الذي حوّل مهمة زرع القيم إلى صراعٍ ضد “سخافة” المحتويات الفارغة؛ فتحية إكبار لكلِّ امرأة توازن بين خوارزميات العصر ونبضات القلب للقيام بمهامها على أكمل وجه.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل كان عليها كسر “السقف الزجاجي الثقافي” Glass Ceiling))؛ وهو ذاك الحاجز غير المرئي الذي يمنع النساء من الوصول إلى مراكز صنع القرار، ليس لنقصٍ في الكفاءة، بل لرسوخ قوالب نمطية ترى في رزانة المرأة “عاطفة مفرطة”، وفي حزمها “خروجًا عن الأنوثة”. إنَّ القيادة بالنسبة إلينا هي معركة يومية لـ “تطبيع” وجود الأنثى كشريك طبيعي ووازن، بعيدًا من كليشيهات “الكوتا” أو المجاملات.

ولعلَّ أشدّ التحديات ليست تلك التي يفرضها المجتمع على المرأة، بل التي تفرضها المرأة على نفسها في سعيها إلى نيل “صك الاعتراف” من المجتمع؛ حيث وقعت الكثيرات في فخ “المرأة الخارقة” (Superwoman) وحمّلن أنفسهن ما لا يطيقه البشر؛ بل وذهبت بعضهنّ للمبادرة بدافع المساندة أو الرغبة في التميّز، إلى تحمّل أعباء إضافية ليست من صلب مهامهن، ما يعرف بتبنّي “المسؤولية المستعارة”، ليتحوَّل ما كان “فضلًا” بمرور الوقت إلى “فرض” وواجب في نظر المحيط! وعندما تقرر المرأة التراجع لاستعادة توازنها، تُفاجأ باتهامات التقصير.

إلى جانب هذه التحديات، لا بد من التأكيد أنَّ المرأة القيادية ليست آلة صماء؛ إنها قلبٌ يشعر، وقد يمر بلحظات انكسار أو خيبة؛ لكن عظمتها تكمن في “المرونة العاطفية” (Emotional Resilience)؛ تلك القدرة على تحويل الألم إلى طاقة إبداع وممارسة عملها بابتسامة واثقة وكبرياء لا ينكسر.

في الختام، ندائي لكلِّ امرأة: نحن لا نريد نساءً خارقات محترقات نفسيًا، بل نريد قياديات مُلهمات يمتلكن القدرة على التأثير. تذكّري أنكِ إنسان قبل كل شيء، وليس المهم أن نحمل الجبال لنثبت قوتنا، بل أن ننجح ونحن متصالحات مع حدود طاقتنا. فالعبرة ليست في كمِّ المهام، بل في جودة الأثر وكيفية الإلهام.

استفيدي من الذكاء الاصطناعي واستخدمي التكنولوجيا لـ”أتمتة الأعباء” ومنح نفسك الوقت المستحق لراحتك، لتتفرغي لما هو أسمى. اكسري الكليشيهات القديمة، واصنعي نموذجكِ الخاص للقيادة؛ نموذجًا يغذي روحكِ ولا يستنزفها. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الآلات، بل يحتاج إلى “أرواح” قائدة، ملهمة، هادئة، ومحبة لذاتها…

إليكِ يا امرأة اليوم.. كوني قائدة!

Exit mobile version