
هنري زغيب*
في الغالب والطبيعي اليوم أَن ندخل إِلى مكتبةٍ ونجد على مدخلها مكتبَ مسؤُولة الاستعلامات والمبيعات، سائلةً زوارها عن الكتب التي يبتغون شراءَها. وقد تكون في أَجنحة المكتبة صبايا يساعدْنَهم على زيارة المكتبة. غير أَنَّ المكتبات، التجارية والعامة، لم تبدأْ هكذا منذ مطالعها. فأُولى المكتبات الأَميركية العامة تأَسستْ سنة 1833، وكان معظمُ موظَّفيها ذُكُورًا. لم يكن حضور النساء متاحًا إِلَّا لخدمة الأَطفال زوَّار المكتبة. غير أَن النساء لم يخضَعْنَ بسهولةٍ لهذا الحصْر، فتمكَّنَت رائداتٌ منهن أَن يكسرن الحصْر، ويتولَّيْن مسؤُوليات إِدارية كانت تقتصر على الذكور، ويوسِّعنَ العملَ فيها وازدهارَها.
هؤُلاء الرائدات خلَّدْنَ تاريخ المكتبات العامة بمبادراتٍ جديدة في عصرهِنَّ، وتركْنَ بصمتَهُنَّ دروسًا واضحةً للأَجيال التالية.
بعد الحلقات الثلاث السابقة، هنا الحلقة الأَخيرة عن تلك النساء الرائدات.
پورا بلپريه Pura Belpré (1899-1982)
هي من جزيرة بورتو ريكو، وأَول امرأَة منها تدير مكتبة عامة في مدينة نيويورك. وكما نساء كثيرات من بورتو ريكو هاجرْنَ إِلى نيويورك في النصف الأَول من القرن العشرين، عملَتْ أَولًا في أَحد مصانع الأَلبسة. لكنَّ امتلاكها اللغة الإِسبانية، ونشاطها الاجتماعي والأَدبي بين أَبناء جاليتها، بوَّآها أَن تتسلَّم وظيفة معاوِنة المدير في فرع هارلم من مكتبة نيويورك العامة. مجحتْ في تأْمين كتُب بالإِسبانية لجالية مواطنيها البورتوريكيِّين في المدينة. بدأَت عملها في مكتبة نيويورك العامة سنة 1921، وكانت تتنقَّل إلى فروعٍ عدَّة من المكتبة، وتقرأُ قصصًا للأَولاد بالإِسبانية والإِنكليزية. وغالبًا ما كانت تروي تلك القصص بالقراءة وتشخِّصُها بالدمى بين أَصابعها، مُنْشئَةً بذلك نمطًا جديدًا في المكتبة لاجتذاب الأَولاد. وضعت كتُبًا، أَبرزُها: “پيريز ومارتينا”، أَول قصة مطبوعة بالإِسبانية للأَولاد. بعد غيابها، أُنشئَت جائزة سنوية باسمها تُمنَح لمؤَلَّفِين بالإِسبانية ورسامين يضعون كتبًا خاصة بالأَولاد والناشئة.
كلارا ستانتون جونز Clara Stanton Jones (1913-2012)
بعدما عملَتْ أَولًا في مكتبة ديتْرُوْيْتْ العامة (ولاية ميتشيغان) سنة 1944، أَصبحَت سنة 1970 أَول امرأَة أَميركية من أُصول أَفريقية تتولَّى إِدارة إِحدى أَكبر المكتبات في الولايات المتحدة (حتى 1978). اعترضَ على تَوَلِّيها هذه الوظيفةَ عددٌ من المسؤُولين في المكتبة ذوي البشَرة البيضاء. وما لبثَت أَن أَثبَتَتْ قُدرتها وجدارتها ومهارتها، حتى أَنها انتُخبَتْ (1976-1977) رئيسة جمعية المكتبات الأَميركية، متعاليةً بذلك على التمييز العنصري والجندري. ونجحَتْ في تحويل المكتبة العامة من مستودع كتُب إِلى واحات ثقافة وعلْم وفكر ومعرفة.
إِيفّي لي موريس Effie Lee Morris (1921-2009)
اشتُهرَت بأَنها أَتاحت الفُرص والخدمات للأَقليات ولذوي الإِعاقات البصرية، ونجحَتْ حتى انتُخِبَتْ رئيسة جمعية المكتبات الأَميركية (1971-1972). تخصَّصت في إِدارة المكتبات لدى جامعة كليڤلِنْد، ثم عملَت في مكتبة كليڤلِنْد العامة، منشئةً فيها أَولَ تظاهرة جديدة من نوعها للأَولاد: “أُسبوع التاريخ الزنجي”. وبانتقالها إِلى نيويورك، توالَت خدمة المكفوفين في مكتبة نيويورك العامة. ثم انتقلَت إِلى سان فرنسيسكو، متوليةً مهمةَ أَول منسِّقة خدمات الأَولاد لدى مكتبة سان فرنسيسكو العامة، وأَنشأَت لهم مجموعة كتب للأَولاد خاصة بالأَحداث التاريخية.
الدكتورة كارلا هايدن Carla Hayden
ولدَت في مدينة تالاهاسي (ولاية فلوريدا) سنة 1952 ونشأَت في مدينة نيويورك. مالت باكرًا إِلى المطالعة منذ قرأَت “أَبريل الساطعة”، رواية مرغريت دو أَنجيلي للأَولاد (1946)، وهي عن فتاة أَميركية من أُصول أَفريقية عانت من التمييز الطبقي والعنصري. انتقلَت كارلا إِلى ولاية إِيلينُوْيْ، والتحقَتْ بمدرسة شيكاغو العالية، وبدأَتْ تلْفتُها المؤَلفات الخاصة بالتاريخ البريطاني وأَسراره. ثم التحقَت بكلية ماكموري الجامعية، فإِلى جامعة روزڤلت في شيكاغو، متخرِّجةً منها سنة 1973 بشهادتين: العلوم السياسية والتاريخ الأَفريقي. نالت سنة 1977 شهادة الماجستر في علْم المكتبات، ثم الدكتوراه في العلْم ذاته سنة 1987. ترأَّسَت جمعية المكتبات الأَميركية (2003-2004). وهيأَتْها ثقافتها الأَكاديمية أَن تكون أَول امرأَة (وأَول أَميركية من أُصول أَفريقية) تتولَّى (2016-2025) رئاسة مكتبة الكونغرس، أَكبر مكتبة عامة في العالم. وإِبَّان رئاستها أَتاحتْ دخولَ العموم إِلى المكتبة، ونجحَت في إِغنائها بعددٍ كبيرٍ جدًّا من الكتب.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).
