الإنتِرنَت تحتَ الهَيمَنة الأميركية: حين تتحوَّلُ السحابة إلى سلاح

ما بُنيَ ليكون “إنترنتًا” لامركزيًا أصبح اليوم تحت قبضة ثلاث شركات أميركية. في عصر الذكاء الاصطناعي، تتحوّلُ السحابة إلى سلاح، وتتحوّل السيادة الرقمية إلى مسألة أمن قومي واقتصادي.

خمس شركات، شبكة واحدة، وعالم كامل تحت الاعتماد الرقمي.

كات دافي*

خلال العقود القليلة الماضية، وبعيدًا من الأضواء، أحكمت ثلاث شركات أميركية —”أمازون ويب سيرفيسز” و”مايكروسوفت أزور” و”غوغل كلاود”— سيطرتها على ما يقرب من ثُلثَي سوق البنية التحتية السحابية في العالم. ما تشَكّلَ ليس مجرّدَ قصة نجاح تجارية، بل إمبراطورية رقمية عابرة للحدود، نشأت بدافع الربح لا التخطيط الجيوسياسي، وتخضع لمنطق المساهمين أكثر مما تخضع لمُساءلة الناخبين أو حسابات البيروقراطيات الحكومية.

المفارقة أنَّ الإنترنت نفسه صُمّمَ أصلًا ليكون نقيض هذا النموذج: شبكةٌ لامركزية قادرة على الالتفاف حول الأعطال ومقاومة نقاط الفشل أو السيطرة الأحادية. غير أنَّ مزيجًا من سهولة الاستخدام ومُتطلّبات الأمن السيبراني وضغوط الكلفة دفعَ معظم دول العالم إلى الارتماء في أحضان حفنةٍ من المنصّات، لترتقي هذه الأخيرة إلى مرتبة “العمالقة الفائقين”—قوى عظمى في البنية التحتية الرقمية تعمل عبر دولٍ أكثر مما تعمل فيه غالبية المنظمات الدولية.

ومع تضخُّم نفوذ هؤلاء اللاعبين، بدأ صانعو السياسات في واشنطن يكتشفون سُبُلًا لتسخير هذه البنية التحتية الرقمية في خدمة أهداف السياسة الخارجية الأميركية. وفي المقابل، شرعت دولٌ أخرى، بوتيرةٍ مُتسارعة، في البحث عن طُرُقٍ لتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة في مرافقها الرقمية الحيوية. تقنيًا، تبدو المهمة شاقة ومعقّدة. سياسيًا، لم تَعُد خيارًا مؤجَّلًا. وبعد عامٍ واحد فقط على تولّي الرئيس دونالد ترامب ولايته الثانية، باتَ الشعورُ بالإلحاح الذي يُحرّكُ هذه الجهود واضحًا وملموسًا أكثر من أيِّ وقتٍ مضى.

إمبراطورية خفيّة

تعمل “أمازون ويب سيرفيسز” اليوم مع عملاءٍ في نحو 190 دولة، أي أقل بثلاث دول فقط من عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. ولم يعد نفوذ عمالقة السحابة مقتصرًا على مراكز البيانات وحدها؛ إذ تستحوذ “أمازون” و”غوغل” و”مايكروسوفت” و”ميتا” مجتمعةً على أكثر من 70% من السعة العالمية للكابلات البحرية الدولية، بعدما كانت حصتها أقل من 10% قبل عقد واحد فقط. وهذه القفزة الهائلة تعني أنَّ مزوّدي الحوسبة السحابية لا ينقلون البيانات ويخزّنونها فحسب، بل يملكون تأثيرًا متزايدًا على المسارات التي تسلكها هذه البيانات وعلى مَن يصل إليها وكيف.

إلى جانب ذلك، لا تكتفي هذه الشركات بتقديم “بُنية تحتية” بالمعنى الضيِّق للكلمة، بل تعرض منظومات متكاملة من الخدمات والمنتجات، تشمل قواعد بيانات ضخمة، ومنصّات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وأنظمة مُتقدّمة لمراقبة الأمن السيبراني، وحزم برمجيات مُوَجَّهة للمؤسّسات والحكومات. وبذلك، تتحوَّلُ من مجرّد مزوّدة تقنية إلى لاعبة مركزية في الاقتصاد الرقمي العالمي، يصعب على أي جهة عامة أو خاصة الاستغناء عنها من دون كلفة باهظة.

في نواحٍ كثيرة، كان لهذا الحجم الهائل أثرٌٌ إيجابي على مسار التحوُّل الرقمي. فبالنسبة إلى الحكومات والشركات على حدٍّ سواء، يُوفّرُ الاعتماد على خوادم هذه المنصّات السحابية حلولًا أكثر مرونة وأقل كلفة من بناءِ بُنى تحتية محلّية مستقلة. كما يضمن مستويات من الاستثمار في الصيانة والأمن السيبراني لا تستطيع كثير من الشركات الفردية ولا حتى عدد كبير من الحكومات تحمّلها. فعندما يُشغّلُ بنكٌ وطني أجهزةَ الصرّاف الآلي ونظامَ كشفِ الاحتيال باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي يوفّرها مزوّدٌ سحابي عملاق، أو عندما تعتمد حكومةٌ ما على بنيته التحتية الرقمية لتقديم خدماتها الإلكترونية، فإنَّ هذه الأنظمة تعمل غالبًا بمستوى أمان واستقرار أعلى بكثير مما لو كانت قائمة على بُنيةٍ معزولة أو مُصَمَّمة خصيصًا داخل الحدود الوطنية.

لكن هذا الاعتماد المُكثّف لا يخلو من ثمن. فحين يتعطّلُ أحد هؤلاء المزوّدين، لا يقتصرُ الأثر على شركة أو قطاع واحد، بل يمتد على نطاق واسع وعابر للحدود. فقد أدّى انقطاعُ خدمات “أمازون ويب سيرفيسز” في تشرين الأول (أكتوبر) 2025 إلى سلسلةِ أعطالٍ مُتتالية عطّلت الخدمات المصرفية في المملكة المتحدة، وأوقفت رحلات “دلتا” و”يونايتد” في الولايات المتحدة، وأدّت إلى تعطُّل تطبيقات مثل “سناب شات” و”كوين بيس”. وكلُّ ذلك كان نتيجة خلل واحد فقط في مركز بيانات يقع في شمال ولاية فرجينيا، ما يختصرُ على نحوٍ صارخ هشاشةِ عالمٍ رقمي يعتمد فيه الملايين على عقد تقنية قليلة ومتركِّزة جغرافيًا.

كان الانقطاع السابق عَرَضيًا، وسريع الحل، ويمثّلُ خطرًا معروفًا ومقبولًا ضمنيًا لدى جميع المستخدمين. لكن السؤال الأكثر إرباكًا يبدأ حين لا يكون التعطّل تقنيًا، بل مُتعمَّدًا، وخارجًا تمامًا عن سيطرة الشركة نفسها. هنا تنتقل المسألة من خللٍ تشغيلي إلى أداةِ ضغطٍ سياسي واقتصادي. وكما أظهرت الولايات المتحدة عبر نظام العقوبات الذي فرضته على روسيا في السنوات الأخيرة، فإنَّ آثار هذا النوع من الانقطاعات لا تكون مؤقتة، بل طويلة الأمد وعميقة البصمة.

ما كشفته روسيا

في غضون أسابيع من غزو موسكو لأوكرانيا عام 2022، أعلنت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل “أمازون” و”غوغل” و”مايكروسوفت” و”أوراكل”، طوعًا، أنها ستتوقّف عن قبول أعمال جديدة مع روسيا، مع الاستمرار في خدمة عملائها الحاليين هناك. وقد قُدِّمَ هذا القرار آنذاك بوصفه موقفًا استباقيًا محسوبًا للتضامن مع الديموقراطيات الغربية ورفضًا صريحًا للعدوان الروسي. غير أنَّ هذا الموقف الطوعي تحوّلَ، مع استمرار الحرب، إلى التزامٍ قسري. ففي حزيران (يونيو) 2024، أجبرت وزارة الخزانة الأميركية هذه الشركات العملاقة على قطع العلاقات مع جميع عملائها في روسيا، ما أدّى فعليًا إلى سحب المنتجات والخدمات التي يقوم عليها العمود الفقري للاقتصاد الرقمي الروسي.

كانت العواقب ثقيلة منذ اللحظة الأولى. فحتى قبل دخول العقوبات حيّز التنفيذ رسميًا، سارعت الشركات الروسية إلى الهروب نحو بنية تحتية محلية تفتقر إليها في الواقع. وفي آذار (مارس) 2022، حذّرت وزارة التنمية الرقمية الروسية من أن مخزون تخزين البيانات في البلاد قد لا يكفي سوى لستة أسابيع فقط. ومع اندفاع المؤسسات لاستبدال الأنظمة الغربية، نشأ ما وصفه بعض المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات بـ”حديقة الحيوانات”: مزيجٌ غير متجانس من برامج روسية الصنع، وحلول مُرتَجلة مُصمّمة خصيصًا، تعمل في الغالب من دون تحديثات أنظمة أساسية أو دعم تقني مستدام.

وبعد ثلاث سنوات، لم يتقلّص هذا العجز الهيكلي، بل ازداد حدّة. فكما قال أحد المديرين التنفيذيين الروس في قطاع التكنولوجيا لمجلة “MIT Technology Review، بدا الأمر وكأنَّ “عشرين عامًا من مستقبل روسيا قد سُرقت في لحظة واحدة”. تحتاج روسيا اليوم إلى نحو 30 ألف رف جديد لمراكز البيانات سنويًا لتلبية الطلب المتزايد، لكنها لم تكن تتوقع إضافة أكثر من 4,600 رف فقط في العام 2025. وفي الوقت نفسه، يتدهور الأمن السيبراني بصورةٍ مطّردة مع اتساع الفجوة التكنولوجية بينها وبين المعايير العالمية. وفي تموز (يوليو) 2025، استغلَّ قراصنة ثغراتٍ في البنية التحتية المُجَزّأة لشركة “إيروفلوت”، الناقل الجوي الروسي الرئيسي، ما أجبرها على إلغاء عشرات الرحلات، في حادثةٍ اختزلت كلفة التفكُّك الرقمي المفروض قسرًا.

ما منحَ العقوبات قوتها الحقيقية هو أنها أجبرت جميع مزوّدي الخدمات الأميركيين الرئيسيين على الامتثال في آنٍ واحد. ومن زاويةٍ مُعَيّنة، بدا ذلك انتصارًا للديموقراطيات الغربية: جهدًا مُنَسّقًا يعكس عقودًا من الشراكة عبر الأطلسي، ورؤية استراتيجية مشتركة، ومصالح أمنية متبادلة بين الحلفاء. غير أنَّ هذا “النجاح” يحمل في طياته تحذيرًا مقلقًا. فاليوم، ومع تدهور العلاقات الأميركية مع حلفائها وشركائها التقليديين، لا يذكّرنا ما جرى لروسيا بقوة واشنطن فحسب، بل أيضًا بالعواقب الوخيمة التي قد تترتب على أيِّ دولةٍ تجد نفسها في يومٍ ما على الجانب الخطَإِ من هذه المعادلة الرقمية–السياسية.

البحث عن استراتيجية للخروج

من تصعيد الحروب التجارية إلى تقليص المساعدات الخارجية، ومن التلويح بغزو فنزويلا إلى المطالبة بضمّ غرينلاند، خلّف نهج ترامب التخريبي في السياسة الخارجية لدى الحلفاء والشركاء صورة قاتمة عن الحكومة الأميركية، بوصفها جهة غير جديرة بالثقة ومتقلّبة السلوك على الساحة الدولية. ولم يقتصر هذا الانطباع على سياساته الخارجية فحسب، بل تعزّز داخليًا أيضًا مع استيلائه المتدرّج على السلطة التنفيذية، عبر مطالبته قادة شركات التكنولوجيا بالولاء، وقلبه لأهداف الأمن القومي المعلنة استجابةً لنفوذهم، وتهديده العلني لمؤسسات وأشخاص بدءًا من رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي وصولًا إلى مسؤولين منتخبين في ولايات مثل مينيسوتا. وكما بات متوقَّعًا، يقدّم ترامب وصفة ثابتة: فوضى غير مسبوقة مقرونة بازدراء صريح لسيادة القانون.

بالنسبة إلى الدول التي تقوم أنظمتها المالية، وخدماتها الحكومية، وطموحاتها المستقبلية في مجال الذكاء الاصطناعي على البنية التحتية السحابية الأميركية، يمثّل هذا الواقع ثغرة استراتيجية في أحسن الأحوال، وتهديدًا وجوديًا في أسوَئها. فقد استند قرار تصعيد العقوبات ضد روسيا، وتسليح اعتمادها على الخدمات الرقمية الأميركية، إلى تحالفات سياسية راسخة، وتضامن إيديولوجي، ومرجعيات في القانون الدولي، ما منح تلك الخطوة قدرًا من الشرعية. لكن الإيمان بتمسّك الولايات المتحدة بهذه الأسس يتآكل بسرعة في عهد ترامب، وفي الوقت نفسه يتزايد القلق من احتمال أن تُجبِر الحكومة الأميركية شركات الحوسبة السحابية العملاقة، فجأةً وبقرار سياسي، على الامتثال لمطالبها مهما كانت تداعياتها على الحلفاء.

هذه الديناميكية تتكرّر باستمرار في أحاديثي مع مراقبين أجانب. فقد قال لي محلل سياسي في الخليج مؤخرًا: “لسنا نكره الحكّام المستبدين؛ يمكننا التعايش والعمل معهم. بل إن وجود حاكم مستبد في أميركا قد يحمل بعض الفوائد. المشكلة الحقيقية أنه حاكم متقلّب”. أما وزير أوروبي فعبّر عن القلق بصيغة أكثر مباشرة: “كنا ندرك دائمًا أنَّ اعتمادنا على الشركات الأميركية ينطوي على مخاطرة، لكننا لم نتخيّل يومًا أن تتحوّل الولايات المتحدة نفسها إلى تهديد”.

أصبح السعي إلى الاستقلال التكنولوجي اليوم محرّكًا رئيسًا لموجة متصاعدة من جهود التوطين الرقمي حول العالم. ففي أواخر العام 2024، وافق البنك المركزي الهندي على إطلاق برنامج تجريبي لتوفير خدمات بيانات سحابية مخصّصة للشركات المالية، في خطوة تتحدّى هيمنة وادي السيليكون، وإن كانت لا تزال في بداياتها المتواضعة. وفي آذار (مارس) 2025، أقرّ البرلمان الهولندي ثمانية قرارات تهدف إلى تقليص الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأميركية، من بينها قرار يدعو إلى إنشاء منصة خدمات سحابية هولندية ذات سيادة وطنية. أما في تموز (يوليو) 2025، فقد تبنّى المجلس التشريعي للاتحاد الأفريقي “إعلان لوساكا”، الذي يدعو إلى “مستقبل رقمي وذكاء اصطناعي آمن وشامل وذو سيادة”، في إطار سعي أفريقيا إلى شقّ طريق ثالث بين البنيتين التحتية الأميركية والصينية، وسط تزايد الطابع التجاري لانخراط واشنطن مع القارة السمراء.

غير أنَّ تحويل هذه الطموحات إلى واقعٍ عملي سيكون بالغ الصعوبة، للأسباب نفسها التي جعلت عمالقة الحوسبة السحابية الأميركيين يرسّخون هيمنتهم منذ البداية. فوفورات الحجم، وتشابك الوظائف والخدمات ضمن منظومات متكاملة، يخلقان حواجز دخول مرتفعة للغاية أمام أيِّ منافسٍ جديد. وكما في كلِّ ملفٍ تقني راهن، يُخيّمُ شبح الذكاء الاصطناعي بقوة على المشهد. فبناء قدر من الاستقلال في سوق الذكاء الاصطناعي العالمية يتطلّب استثمارات هائلة عبر مختلف مستويات البنية التحتية: ليس فقط في مراكز الحوسبة السحابية، بل أيضًا في الرقائق الإلكترونية، والبرمجيات، والكوادر البشرية، ومجموعات البيانات، ومراكز البيانات نفسها.

وتُقدّمُ التجربة الصينية مثالًا صارخًا على حجم الكلفة المطلوبة. ففي العام 2024 وحده، أنفقت بكين أكثر من 150 مليار دولار أميركي سعيًا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال أشباه الموصلات، مع نتائج لا تزال حتى اليوم غير مُكتَمِلة. ومع أنَّ هذا الرقم يُوضّحُ حجمَ الرهان الاستراتيجي، فإنه يكشف أيضًا حدود ما تستطيع معظم الدول تحمّله ماليًا. فالقليل جدًا من الاقتصادات يمكنه الاقتراب من هذا المستوى من الاستثمار طويل الأمد.

وعلى الأرجح، لن يتجه معظم العالم نحو استقلالٍ رقمي كامل، بل نحوَ نموذجٍ هجين يعترفُ بأنَّ السيادة التكنولوجية المُطلقة غير واقعية، وبأنَّ الاعتمادَ الكامل على مزوّدي خدمات خارجيين ينطوي على تهوّرٍ استراتيجي. تقنيًا، لا تزال الشركات الأميركية العملاقة في مجال الحوسبة السحابية تحتفظُ بموقعٍ يؤهّلها لخوض منافسة شرسة مع نظيراتها الصينية في أسواق الذكاء الاصطناعي العالمية. غير أنَّ ما كان يُعدّ في السابق عوامل تَمَيُّز حاسمة للشركات الأميركية—مثل الحماية من تدخل الحكومة وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة—بات اليوم موضع شك متزايد، في عالم لم تعد فيه الحدود بين النفوذ السياسي والبنية التحتية الرقمية واضحة كما كانت.

ومن المهم أيضًا التنبيه إلى أنَّ عمالقة الحوسبة السحابية ليسوا مجرد لاعبين سلبيين في هذا المشهد المُتحوِّل. صحيح أنهم لا يملكون القدرة على السيطرة على واشنطن، لكنهم ليسوا بلا حول ولا قوة أيضًا. ومع تصاعد أهمية البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بوصفها عنصرًا من عناصر القوة الوطنية، تجد هذه الشركات الأميركية نفسها مضطرة إلى التكيّف مع موقعها الجديد والدقيق. فهي تعمل عبر عدد من الدول يفوق ما تعمل فيه معظم الجيوش، وتمتلك القدرة على إعادة تشكيل المجتمعات وإعادة رسم آفاق التنمية والاقتصاد والسياسة في دول بأكملها. وبفعل هذا الانتشار والنفوذ، يمكن—بل قد يُفرَضُ عليها—أن تتحوَّلَ إلى أدواتٍ من أدوات قوة الدولة، سواء أرادت ذلك أم لم تُرِده.

في المحصّلة النهائية، قد يتوقف بقاء هذه الشركات في المدى الطويل ونفوذها العالمي بدرجة أقل على الصفقات التي تبرمها في الخارج خلال السنوات المقبلة، وبدرجة أكبر على النفوذ الذي تمارسه في الداخل الأميركي نفسه، لضمان مساءلة الدولة عن احترام المبادئ الديموقراطية والقانون الدولي. ففي غياب قيادة أميركية تحظى بثقة الدول الأخرى، وقيم تُعترف بها بوصفها مرجعية مشتركة، تتحول الهيمنة التجارية الأميركية على البنية التحتية الرقمية من خطر محدود يمكن التعايش معه، وإن كان مؤسفًا، إلى نقطة ضعف استراتيجية لا يمكن للنظام العالمي تحمّلها. عند هذه النقطة، لن يكون التحدي تقنيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل أزمة ثقة عميقة في مستقبل النظام الرقمي الدولي برمّته.

Exit mobile version