لجنةُ غزّة والاختبارُ المُستحيل

ليست المشكلة في قدرة الفلسطينيين على إدارة غزة، بل في الشروط الدولية والإسرائيلية التي تجعل أيَّ إدارةٍ مدنية مشروعًا محكومًا بالفشل. ما يُطرَحُ اليوم سلامًا يبدو أقرب إلى إدارة أزمة طويلة الأمد.

الرئيس دونالد ترامب و”مجلس السلام”: مهمة مبهمة!

يزيد صايغ*

عندما سُئل “ديبلوماسي إقليمي” عن تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة غزة، أجاب في تصريح نقلته صحيفة فايننشال تايمز في 13 كانون الثاني (يناير): “علينا أن نُثبت أنها قادرة على الإنجاز”. قد يبدو هذا الردّ منطقيًا للوهلة الأولى، لكنه في جوهره يُخطئ تشخيص المشكلة. فالمسؤولية الحقيقية لا تقع على عاتق اللجنة الفلسطينية وحدها، بل على “مجلس السلام” الذي أنشأه ويرأسه الرئيس دونالد ترامب للإشراف على غزة، وعلى الدول التي أيّدت قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، الذي أقرّ خطة ترامب المكوّنة من 20 بندًا لغزة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. هؤلاء هم مَن يُفتَرَضُ بهم تهيئة الشروط السياسية والأمنية والاقتصادية التي تُمكّنُ أيَّ إدارةٍ فلسطينية من العمل أصلًا.

في الواقع، تبدو خطة ترامب لغزة و”مجلس السلام” المُروَِّج لهما تجسيدًا عمليًا لكلِّ ما يحذّر منه منتقدوهما. فكما تشير الباحثة في مركز الشرق الأوسط بجامعة هارفارد، سارة روي، فإنَّ إقصاءَ الفلسطينيين عن المشاركة السياسية في صنع القرار لا يعني فقط تهميشهم، بل حرمانهم فعليًا من حقِّ تقرير مصيرهم. وفي أفضل الأحوال، يُعرَضُ عليهم استبدال هذا الحق بمشاريع إعادة إعمار، والقبول بنظامِ فصلٍ عنصري بوصفه بديلًا من الإبادة الجماعية.

هذا المنطق يتكرّر في معظم خطط “اليوم التالي” لغزة التي صاغتها وكالات غربية من دون أيِّ مشاركة فلسطينية ذات معنى. فقد خلصت الباحثتان نور عرفة وماندي تيرنر، من مركز كارنيغي الشرق الأوسط، إلى أنَّ هذه الخطط جميعها تفتح الباب أمام ما تُسمّيانه “رأسمالية الكوارث”: أي إقامة بُنية حُكم تحرُمُ الفلسطينيين من المشاركة السياسية والسيطرة على مستقبلهم؛ وإطلاق عملية استيلاء على الأراضي واستخراج الموارد والتربّح من إعادة الإعمار؛ وفرض ترتيبات أمنية تكرّس استمرار الهيمنة السياسية والاقتصادية لإسرائيل وحلفائها.

الأخطر أنَّ هذا الترتيب الغريب لغزة لم يعد شأنًا محليًا أو إقليميًا فحسب، بل اكتسب بُعدًا دوليًا أوسع. فبدل أن يكونَ إطارًا مؤقتًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، تحوّلَ إلى نموذجٍ لحوكمةٍ فوق وطنية يبدو أنها مُصَمَّمة لإزاحة دور الأمم المتحدة وتهميش الشرعية الدولية، تحت لافتة “السلام” وإعادة الإعمار، بينما يجري عمليًا إعادة إنتاج منظومة السيطرة نفسها بأدوات جديدة.

لا شكّ أن الحاجة إلى نقاشٍ فلسطيني صريحٍ وشاملٍ حول كيف وصلت الأمور إلى هذا الدرك، وكيف يُمكنُ مواصلة النضال من أجل الحرية في المستقبل، باتت ملحّة أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. غير أنّ هذا المسار، على أهميته، لا يُعالجُ المُعضِلة الأكثر إلحاحًا في اللحظة الراهنة. فالبداية الفورية ينبغي أن تكون في حشدِ ضغطٍ سياسي مُنظّم على الجهات التي نصّبت نفسها وصية على غزة، بهدف خلق الشروط التي تُمكّن اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية من ترسيخ وجودٍ فعلي على الأرض، وتقديم إدارة قابلة للحياة، وخدمات أساسية لسكان القطاع.

يتطلّب ذلك توافر مجموعة من الشروط الجوهرية، يأتي في مقدّمها، وقبل أي شيء آخر، حماية جهاز تقديم الخدمات المدنية برمّته من الهجمات الإسرائيلية. فهذا الجهاز لن يكون قادرًا على أداء وظيفته إذا ما احتفظت إسرائيل بحق استهداف أي موقع خدمي، أو منشأة بنية تحتية، أو أي موظف حكومي، بذريعة ملاحقة عناصر أو منشآت تابعة لـ”حماس”. فمثل هذا الواقع سيُحَوِّلُ أيَّ إدارة مدنية فلسطينية إلى هيكل شكلي عاجز عن العمل، مهما حسنت نيات القائمين عليه.

تُظهر التجربة الأوكرانية، على سبيل المقارنة، أنَّ الحفاظ على استمرارية الخدمات المدنية تحت القصف ممكن نظريًا، لكن بشروط قاسية. فقد تمكّنت الحكومة الأوكرانية من مواصلة عملها رُغمَ أربع سنوات من الهجمات الروسية، إلّا أنَّ ذلك لم يكن ليتحقّق لولا تدفّق مساعدات مالية وعسكرية ضخمة من دول حلف شمال الأطلسي. أما اللجنة الوطنية لإدارة غزة، كما يُطلق عليها رسميًا، فستجد نفسها مُضطرّة للعمل من دون أيِّ دعمٍ من هذا النوع أو بهذا المستوى، ما يجعل مهمتها أكثر هشاشة وتعقيدًا.

وهنا تبرز المسؤولية السياسية المباشرة لـ”مجلس السلام”، وخصوصًا للرئيس دونالد ترامب نفسه. فالقوة الثقيلة التي يحتاجها هذا المجلس ليست مزيدًا من الخطط أو التصريحات، بل ممارسة ضغط سياسي مباشر ومستمر على الحكومة الإسرائيلية، لضمان السماح للجنة الوطنية لإدارة غزة بتنفيذ ولايتها من دون أن تبقى عرضة للهجمات الإسرائيلية. من دون هذا الشرط الأولي، سيظلّ كلُّ حديثٍ عن إدارة فلسطينية جديدة لغزة مجرّد تمرين نظري، محكومًا بالفشل قبل أن يرى النور.

ثانيًا، يقتضي أيُّ مسارٍ واقعي للاعتراف بإدارة فلسطينية فاعلة لغزة الإقرار بحقيقة أساسية: لا أمل في إنشاء هيكل إداري قابل للحياة من دون إعادة توظيف آلاف العاملين في القطاع العام، بمَن فيهم المعلّمون، والعاملون في الصحة، وموظفو المياه والصرف الصحي والكهرباء، ومديرو البلديات، وسائر كوادر الخدمة المدنية الذين واصلوا العمل في ظل حكومة “حماس” السابقة. فالسلطة الفلسطينية وحركة “فتح”، المهيمنتان في الضفة الغربية، كانتا قد أمرتا آلاف الموظفين الغزيين المسجّلين لديهما بالبقاء في منازلهم عقب سيطرة “حماس” على القطاع عام 2007، ولا تملكان اليوم القدرة على سد هذا النقص البشري الهائل ببساطة أو بسرعة.

بناءً عليه، لا مفرّ من أن تأتي الغالبية الساحقة من كوادر اللجنة الوطنية لإدارة غزة من بين موظفي الخدمة المدنية الحاليين على الأرض. وهذا يفرض بدوره شرطًا سياسيًا وأمنيًا لا يقلّ أهمية: لا يجوز السماح لإسرائيل بالادّعاء بأنها تملك حق فحص هؤلاء الموظفين أو التدقيق في ولاءاتهم، فضلًا عن استهدافهم أو اغتيالهم. فمثل هذا التدخّل لن ينسف فقط أي إمكانية لبناء جهاز إداري مستقر، بل سيحوّل الإدارة الجديدة إلى كيان مشلول يخضع عمليًا لحق النقض الإسرائيلي في كل تعيين وكل وظيفة.

إلى جانب ذلك، لا يمكن لأيِّ إدارة مدنية فلسطينية أن تعمل في فراغ إنساني. إذ يجب السماح لوكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية باستعادة كامل قدرتها التشغيلية، واستئناف تقديم الخدمات في جميع أنحاء غزة من دون قيود سياسية أو أمنية تعسفية. فقد اضطلعت هذه الجهات تاريخيًا بدور محوري في إبقاء الحد الأدنى من الخدمات قائمًا، وحرمانها من حرية الحركة والتمويل والموارد سيجعل أي حديث عن “إدارة مدنية” مجرّد شعار بلا مضمون.

ثالثًا، لا معنى لأيِّ ولاية إدارية من دون قدرة مادية على إعادة تشغيل الحياة اليومية. يجب أن تكون اللجنة الوطنية لإدارة غزة قادرة على استيراد الآلات والوقود وسائر السلع الحيوية، من أدوية وفلاتر مياه ومواد بناء، لاستعادة الخدمات الأساسية والشروع في ترميم وإعادة بناء المدارس والمستشفيات والمساكن، فضلًا عن إنعاش الأسواق المحلية. لكن حجم المهمة هنا يتجاوز بكثير ما تسمح به الخطابات السياسية المتفائلة.

فقد ألحقت إسرائيل أضرارًا جسيمة أو دمرت أكثر من 90% من منازل غزة، و22 مستشفى من أصل 36، وآلاف المدارس، وجميع الجامعات الاثنتي عشرة، ونحو 89% من مرافق المياه والصرف الصحي وأنظمة التخلص من النفايات. ولم يتبقَّ سوى نحو 1.5% من الأراضي الزراعية صالحة للاستخدام ويمكن الوصول إليها. أما إزالة ما يُقدَّر بنحو 61 مليون طن من الأنقاض، فستستغرق سنوات طويلة، لا سيما في ظل انتشار الذخائر غير المنفجرة والمواد الملوّثة وبقايا الجثث، ما يجعل عملية إعادة الإعمار تحديًا هندسيًا وإنسانيًا وأمنيًا في آن واحد.

في هذا السياق، نصّت خطة ترامب المكوّنة من 20 بندًا على أن يتمكّن سكان غزة من التنقّل بحرية من وإلى القطاع، وتعهدت بتقديم مساعدات كاملة وإدخال “المعدات اللازمة” لإعادة تأهيل البنية التحتية وإزالة الأنقاض وفتح الطرق “فورًا” عند تطبيق وقف إطلاق النار في تشرين الأول (أكتوبر) 2025. غير أن هذه الالتزامات بقيت حتى الآن حبرًا على ورق، في ظل استمرار العراقيل الإسرائيلية على الأرض.

وهنا تعود المسؤولية السياسية مرة أخرى إلى ترامب و”مجلس السلام”. فبعد أن قدّما نفسيهما بوصفهما مهندسي مرحلة ما بعد الحرب في غزة، لم يعد يكفي الاكتفاء بالتصريحات أو الخطط العامة. المطلوب اليوم هو الوفاء الفعلي بهذه التعهدات، والضغط العملي لرفع القيود عن حركة الأشخاص والسلع والمعدات. من دون ذلك، ستبقى اللجنة الوطنية لإدارة غزة إدارة بلا أدوات، ومشروعًا سياسيًا محكومًا بالفشل قبل أن تتاح له فرصة الاختبار الحقيقي.

حتى مع استيفاء الشروط الثلاثة السابقة، تبقى جدوى نهج ترامب لاستعادة ما يسميه “السلام والأمن” في غزة، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، مرهونة بشرط حاسم إضافي: توسيع نطاق سيطرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة ليشمل كامل أراضي القطاع. وهذا بدوره يستلزم نشر قوة استقرار دولية، كان من المفترض، وفق التصريحات الرسمية، أن تُرسل قوات برية فور التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار. غير أنَّ الواقع حتى الآن لا يُظهِرُ أيَّ مؤشرات ملموسة على اقتراب هذا السيناريو من التحقق، رُغم أنَّ مصادر أميركية تتوقع، في أحاديث خاصة، إعلانًا “خلال أسبوعين”. وبغياب هذه القوة الدولية، ستظل أيُّ إدارةٍ فلسطينية عاجزة عن فرض سلطتها، أو حماية مؤسساتها، أو ضمان الحد الأدنى من الأمن اللازم لتسيير الحياة المدنية. لذلك، يُعدّ نشر قوة الاستقرار الدولية الشرط الرابع والأساسي لنجاح اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ومن دونه تنهار بقية الشروط عمليًا.

صحيح أن عيوب خطة ترامب و”مجلس السلام” التابع له كثيرة وعميقة، سواء لجهة تغييب الفلسطينيين عن صناعة القرار، أو تكريس ترتيبات أمنية تخدم ميزان القوى القائم، أو تحويل إعادة الإعمار إلى أداة سياسية واقتصادية. لكن لهذه الأسباب تحديدًا، تصبح الشروط الأربعة المذكورة أعلاه أجندة ضرورية للعمل السياسي والتأثير الديبلوماسي، لا مجرد مطالب نظرية. فعلى الدول العربية والأوروبية المشارِكة في محادثات المرحلة الثانية — والتي يُطلب منها توفير قوات حفظ سلام وتمويل إعادة الإعمار — أن تتحرك على وجه السرعة، ليس لمباركة الخطة كما هي، بل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه منها عبر فرض هذه الشروط كحدّ أدنى للجدية والمصداقية. إنَّ التقاعس عن ذلك لا ينسف فقط الغاية من تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، بل يعرّض العملية برمتها للانهيار، ويترك القطاع غارقًا في فراغ سياسي وأمني وإنساني لسنوات مقبلة. وفي هذه الحال، لن تكون غزة ضحية حرب ماضية فحسب، بل رهينة سلام مؤجَّل لم يُصمَّم أصلًا ليُنجَز.

Exit mobile version