مدافِعٌ أكثر… مدارسٌ أقل: الوَجهُ الخَفي للإنفاقِ العسكري

كابي طبراني*

لم تَعُد الأسواقُ العالمية تتحرَّكُ فقط على وقعِ أسعار الفائدة والتضخُّم والنمو، بل على إيقاعِ سباقِ تسلُّحٍ مُتسارِع يُعيدُ تشكيلَ أولويات الدول وموازناتها. ففي الوقت الذي تتصاعدُ الحروبُ والتوتُّرات الجيوسياسية، تدخلُ الحكومات سباقًا محمومًا لرَفعِ ميزانيات الدفاع، بينما تدخلُ الرساميل العالمية سباقًا موازيًا نحو الملاذات الآمنة: الذهب، الدولار، السندات السيادية والطاقة. بين السباقَين رابطٌ خفي لكنه بالغُ التأثير: كلُّ زيادةٍ في الإنفاق العسكري تعني مواردَ أقل للتنمية، وعلاوةَ مخاطر أعلى للأسواق، ونموًّا أضعف للاقتصاد العالمي.

تشيرُ أحدث البيانات إلى أنَّ الإنفاق العسكري العالمي بلغ نحو2.7 تريليوني دولار في السنة المالية 2024-2025، بزيادةٍ تُقارِبُ 9% عن السنة المالية السابقة، وهو أعلى مستوى مسجّل منذ نهاية الحرب الباردة. هذا الارتفاع يعكِسُ عودةَ منطقِ “القوّة الصلبة” إلى صدارة العلاقات الدولية، مدفوعًا بالحرب في أوكرانيا، والتوتُّر في بحر الصين الجنوبي، وعدم الاستقرار المُزمِن في الشرق الأوسط.

اقتصاديًا، كلُّ زيادةٍ مُستدامة في الإنفاق العسكري تُزاحِمُ الإنفاقَ على البنية التحتية والتعليم والصحة والابتكار، وتضغطُ على العجوزات والديون، وتَنعكِسُ لاحقًا على التصنيفات الائتمانية وتكلفة الاقتراض. ما يُسمّى “اقتصاد العسكرة” قد يخلق طلبًا صناعيًا قصير الأجل، لكنه يُضعِفُ الإنتاجية طويلة الأمد ويُقلِّصُ رأس المال البشري، وهو ما يحدُّ من إمكاناتِ النموِّ المُستدام.

الولايات المتحدة ما تزالُ تُهَيمِنُ على مشهد الإنفاق العسكري العالمي، إذ قاربت موازنتها الدفاعية نحو تريليون دولار في السنة المالية 2024-2025، أي ما يُقارب 37% من الإجمالي العالمي. الصين أنفقت قرابة 314 مليار دولار، مُستمرّة في توسيع قدراتها البرية والبحرية والفضائية والنووية. روسيا، رُغمَ العقوبات، خصّصت ما يناهز 150 مليار دولار للدفاع، أي أكثر من 7% من ناتجها المحلي. هذه الأرقام لا تَعكِسُ فقط تنافسًا أمنيًا، بل إعادة توجيه ضخمة للموارد العامة نحو قطاعاتٍ غير إنتاجية اقتصاديًا.

ضمن هذه الصورة، يبقى الإنفاق النووي قمّة جبل الجليد لا أكثر. فبرامج تحديث الترسانات النووية، وتطوير الصواريخ الفرط-صوتية، والطائرات المُسَيَّرة، وأنظمة الفضاء السيبراني، كلُّها تُشكّلُ منظومةَ إنفاقٍ عسكري مُتشابكة تمتدُّ لعقود. والمُفارقة أنَّ هذه التطويرات، التي يُفترَضُ أنها تُعزّزُ الردع، تجعل في الواقع استخدام القوة أكثر قابلية للتصوُّر، وبالتالي أكثر احتمالًا، ما يرفع بدوره علاوة المخاطر التي تُسَعِّرها الأسواق على الأصول السيادية والشركات العابرة للحدود.

الصعود العسكري الصيني مثالٌ صارخٌ على هذا التحوُّل. فبكين لا تُوَسّع فقط قدراتها النووية، بل تستثمرُ بكثافة في البحرية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والفضاء، والمُسيّرات (الدرونز). هذا التوسُّع ينقلُ العالم من نظامٍ ثُنائي القطب إلى نظامٍ ثُلاثي أو رُباعي القطب، ويُعقّدُ حسابات المستثمرين. فبدل توازُنِ ردعٍ مُستقر نسبيًا، نحنُ أمامَ توازنات متحرِّكة ترفعُ احتمالات سوء التقدير، والنتيجة المُتَوَقَّعة هي علاوات مخاطر أعلى على الأصول في آسيا وتقلّبات في سلاسل الإمداد.

أما الشرق الأوسط، فيبقى المنطقة الأعلى عالميًا من حيث نسبة الإنفاق العسكري إلى الناتج المحلي الإجمالي. السعودية كانت من بين أكبر عشر دول إنفاقًا عسكريًا في العالم في 2024، بميزانية قاربت 80 مليار دولار. الإمارات تُواصل استثماراتها في أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المُسَيّرة والدفاع السيبراني، بينما ترفع مصر موازنتها العسكرية لتحديث قواتها. الجزائر زادت إنفاقها الدفاعي في ظلِّ توترات إقليمية، والعراق يحاول إعادة بناء قدراته الأمنية بعد سنوات من الحرب. في الخلفية، تبقى إسرائيل لاعبًا عسكريًا مُتقدمًا بتقنياتٍ عالية وسياسة “غموض نووي” تفرضُ معادلةَ ردعٍ إقليمية مُعقّدة، بينما تستثمر إيران وتركيا بكثافة في الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات غير المتكافئة.

المفارقة الاقتصادية هنا صارخة: منطقة تضمُّ بعضًا من أعلى نسب البطالة بين الشباب عالميًا، وأكبر فجوات الإسكان، وتحديات تعليمية وصحّية مُزمنة، تُنفِقُ في الوقت نفسه عشرات المليارات سنويًا على التسلُّح. كلُّ صفقة أسلحة ضخمة تعني عمليًا مشاريع تنموية مُؤجَّلة: مدارس لا تُبنى، مستشفيات لا تُحدَّث، وشبكات نقل عام لا تُطوَّر. وهذا ليس طرحًا أخلاقيًا مجرَّدًا، بل معادلة مالية بحتة تعكسها بنود الموازنات عامًا بعد عام.

الآثار الاجتماعية لهذا السباق العسكري لا تقلُّ خطورةً عن آثاره الاقتصادية. فحين تُوَجَّه الموارد نحو السلاح بدل التنمية، تتآكل الطبقة الوسطى، وتتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويزداد الاحتقان الاجتماعي. في العديد من الدول العربية، يترافق ارتفاع الإنفاق العسكري مع تقليص الدعم ورفع الضرائب غير المباشرة وتجميد الأجور، ما يزيد من ضغوط التكلفة المعيشية ويقوّض الثقة في العقد الاجتماعي.

من منظور الأسواق، عودة “عالم الموازنات العسكرية الثقيلة” تعني ارتفاعَ مؤشّر عدم اليقين الجيوسياسي، وهو مؤشّرٌ ثبت ارتباطه تاريخيًا بتباطؤ الاستثمار وتأجيل قرارات التوسُّع لدى الشركات الكبرى. الرساميل تكره الغموض، وحين ترتفع احتمالات الصراع، تفرّ نحو الذهب والدولار والسندات السيادية والطاقة، مما يخلق حلقةً من تدفقات رأس المال نحو الأصول الآمنة بدل الاستثمار الإنتاجي.

في جنوب آسيا، تظلُّ العلاقة المتوتّرة بين الهند وباكستان نموذجًا لكيف يمكن لصراعٍ عسكري أن يُدمّرَ اقتصاداتٍ صاعدة. الهند رفعت إنفاقها العسكري إلى نحو 86 مليار دولار، بينما خصصت باكستان قرابة 9 مليارات للدفاع في 2025 رُغم أزمتها الاقتصادية. هذا التفاوت لا يُغيّرُ حقيقةَ أنَّ البلدين يواصلان سباقًا يستنزفُ مواردهما المحدودة، فيما تبقى قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية تعاني نقصَ التمويل.

هل هذا المسار حتمي؟ ليس بالضرورة. هناكَ بديلٌ عقلاني أقل كلفة وأكثر استدامة. عالميًا، يتطلّبُ الأمرُ إعادةَ إحياءِ قنوات الحوار بين القوى الكبرى، وصياغةَ أُطُرٍ جديدة للحدِّ من التسلُّح تعكس الواقع مُتعدِّد الأقطاب، وتوسيع مفهوم الأمن ليشمل الأمن الغذائي والمائي والرقمي، لا الأمن العسكري فقط. إقليميًا، يُمكنُ للدول العربية الدفع نحو مبادرات بناء ثقة جماعية، بما يُخفّفُ احتمالات سوء التقدير ويُقلّصُ الحاجة إلى سباقاتِ تسلُّحٍ استعراضية.

اقتصاديًا، الرسالة واضحة: كلُّ دولارٍ يُهدَرُ في سباقٍ عسكري غير ضروري هو دولارٌ لا يُستثمَرُ في الطاقة النظيفة والبنية التحتية والتعليم والصحة والابتكار. وكلُّ تصعيدٍ مُحتَمَل هو ضريبة غير مُعلَنة على النموِّ والاستثمار والاستقرار الاجتماعي. الأمنُ الحقيقي لا يُقاسُ بعدد الدبابات والصواريخ، بل بقدرةِ الدولة على خلق وظائف وتحسين الخدمات وبناء اقتصاد مُتنوِّعٍ قادرٍ على الصمود أمام الصدمات.

في نهاية المطاف، المدافع قد تحمي الحدود، لكنها لا تبني مستقبلًا. وبين خيارِ الاستمرارِ في سباقِ تسلُّحٍ مُكلِف وخيارِ الاستثمار في أمنٍ ذكي أقل تكلفة وأكثر استدامة، يقف العالم—والعالم العربي خصوصًا—أمامَ مُفترق طرق تاريخي. القرارُ ليس أمنيًا فقط، بل اقتصادي واجتماعي بامتياز. والخيار الثاني، مهما بدا سياسيًا صعبًا، هو اقتصاديًا الخيارُ الوحيد العقلاني إذا أردنا أسواقًا أكثر استقرارًا… ومجتمعاتٍ أكثر ازدهارًا.

Exit mobile version