كابي طبراني*
لم يَكُن قرارُ البرلمان اللبناني بتمديد ولايته لعامَين مجرَّدَ إجراءٍ تقني فرضته ظروف الحرب، بل خطوةٌ سياسية تكشُفُ أزمةً أعمق في شرعية النظام السياسي نفسه. ففي وقتٍ كان من المُفتَرَض أن يتوجّه اللبنانيون إلى صناديق الاقتراع في أيار (مايو) المقبل، صوّت 76 نائبًا من أصل 128 على تمديد ولاية المجلس وتأجيل الانتخابات، بحجة الظروف الأمنية الناتجة عن الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” وتداعيات المواجهة الإقليمية الأوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وبينما يُقدَّمُ القرارُ رسميًا باعتباره ضرورة لتجنُّب انتخابات في ظلِّ الحرب، فإنَّ طبيعته ومدته تثيران تساؤلات جدية حول ما إذا كان الهدفُ حماية الاستقرار أم تجنُّب اختبار صناديق الاقتراع.
من حيثُ المَبدَإِ، يصعب إنكار أنَّ تنظيم انتخاباتٍ وطنية في بلدٍ يعيش تحت تهديد التصعيد العسكري يُمثّلُ تحدّيًا أمنيًا ولوجستيًا كبيرًا. فالانتخابات في لبنان عملية مُعقّدة تتطلّب فتح آلاف مراكز الاقتراع داخل البلاد وخارجها، وتأمين انتقال ملايين الناخبين والموظفين، وهو أمرٌ يصبح بالغ الصعوبة في ظلِّ قصف ونزوح داخلي واسع. لذلك يرى مؤيّدو القرار أنَّ التمديد يهدف إلى تفادي فراغٍ دستوري والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المؤسّسي في لحظةٍ إقليمية شديدة الاضطراب.
غيرَ أنَّ الإشكالية لا تكمن فقط في تأجيل الانتخابات، بل في مدّة التمديد نفسها. فقد اقترحَ بعضُ القوى السياسية تمديدًا تقنيًا محدودًا لا يتجاوز ستة أشهر، على أساس أن تكونَ الحرب قد هدأت نسبيًا خلال تلك الفترة بما يسمح تنظيم الانتخابات لاحقًا. لكنَّ الأغلبية النيابية اختارت تمديد الولاية لعامَين كاملين، وهو ما يتجاوز بكثير فكرة معالجة ظرفٍ أمني مؤقت.
الفارق بين تمديدٍ قصير لتجاوز أزمة طارئة وتمديدٍ طويل يعادل تقريبًا نصف دورة نيابية جديدة ليس مجرّدَ تفصيلٍ إجرائي، بل قرارٌ سياسي كبير. فالتمديد لسنتين يوحي بأنَّ الطبقة السياسية لا تتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة عابرة، بل كواقعٍ طويل الأمد يُبرّرُ تعليق الحياة الدستورية لفترةٍ ممتدة. وهذا ما دفع كثيرين في لبنان إلى التساؤل عمّا إذا كان القرار مُرتبطًا فقط بالوضع الأمني، أم أنه يعكس أيضًا حسابات سياسية داخلية.
في الواقع، تُشيرُ قراءةُ المزاج السياسي إلى أنَّ عددًا كبيرًا من النواب الذين صوّتوا لصالح التمديد كانوا يواجهون احتمالات ضعيفة للفوز في الانتخابات المقبلة لو جرت في موعدها. فالانهيارُ الاقتصادي الذي بدأ عام 2019 أدّى إلى تراجع كبير في شعبية العديد من القوى السياسية. وفي ظل هذا الواقع، كان من المتوقع أن تحمل الانتخابات المقبلة تغييرات في التوازنات داخل البرلمان. ولذلك يرى منتقدو القرار أنَّ التمديد الطويل قد يكون أيضًا وسيلة لتجنُّب اختبار صناديق الاقتراع في لحظةٍ سياسية صعبة بالنسبة إلى جُزءٍ من الطبقة السياسية.
لكن الأهمية السياسية للتمديد لا تتوقّف عند مسألة الانتخابات النيابية فقط. فالمجلس النيابي الذي سيُنتَخَب، إذا جرت الانتخابات بعد سنتين، سيكون هو نفسه المجلس الذي سيتولى انتخاب رئيس الجمهورية الجديد في العام 2028 مع انتهاء ولاية الرئيس الحالي جوزيف عون. وبذلك تصبح تركيبة البرلمان المقبلة عاملًا حاسمًا ليس فقط في التشريع أو تشكيل الحكومات، بل أيضًا في تحديد هوية رئيس الدولة المقبل. ومن هذا المنظور، يبدو أنَّ التحكُّم بتوقيت الانتخابات يحمل تأثيرًا مباشرًا في ميزان القوى الذي سيحكم معركة الرئاسة المقبلة.
وإلى جانب ذلك، يحمل التمديد بُعدًا سياسيًا آخر يتعلق بقيادة السلطة التشريعية نفسها. فتمديد ولاية المجلس يعني عمليًا بقاء رئيس المجلس نبيه بري في موقعه لسنتين إضافيتين، إذ سيُعيدُ المجلس الحالي انتخابه رئيسًا كما جرت العادة منذ عقود. وبذلك يستمر بري، الذي يبلغ اليوم 88 عامًا ويشغل رئاسة المجلس منذ العام 1992، في إدارة السلطة التشريعية لفترة إضافية. وهذا الواقع يعكس استمرارية النخبة السياسية نفسها التي تدير الحياة السياسية في لبنان منذ عقود، ويطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول قدرة النظام السياسي على تجديد قياداته.
لكن خلف هذه الحسابات الداخلية تكمن مُعضِلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها. فقرار الحرب والسلم في السنوات الأخيرة لم يعد حكرًا على المؤسّسات الرسمية، بل أصبح مُرتبطًا أيضًا بقوى مسلحة خارج إطار الدولة، وفي مقدمتها “حزب الله”. ومع اندلاع الحرب الحالية مع إسرائيل، وجد لبنان نفسه مرة أخرى في مواجهة عسكرية واسعة نتيجة صراع إقليمي أكبر. وفي مثل هذه الظروف تصبح المؤسسات الدستورية نفسها رهينة التطوّرات العسكرية، ويتراجع دور السياسة أمام منطق الحرب.
كما يأتي قرارُ التمديد في لحظةٍ تعاني فيها المؤسسات اللبنانية أصلًا أزمة ثقة عميقة. فمنذ الانهيار الاقتصادي في العام 2019، يعيش اللبنانيون واحدة من أسوَإِ الأزمات المالية في تاريخ البلاد، مع انهيار العملة الوطنية وتآكل المدّخرات وارتفاع معدلات الفقر. وفي ظلِّ هذه الظروف ينظر كثير من اللبنانيين إلى الطبقة السياسية باعتبارها مسؤولة عن الانهيار. وعندما يُمدّد النواب لأنفسهم في هذا السياق، حتى لو كانت الحرب أحد الأسباب، فإنَّ القرارَ يُعزّزُ الانطباع بأنَّ النظام السياسي غير قادر على تجديد نفسه ديموقراطيًا.
وقد يؤدي ذلك إلى نتيجتين متناقضتين. فمن جهة قد يزيد حالة اللامبالاة السياسية لدى المواطنين الذين فقدوا الثقة بفاعلية الانتخابات. ومن جهة أخرى قد يُغذّي موجات جديدة من الغضب الشعبي إذا شعر اللبنانيون بأنَّ الحرب تُستَخدَمُ ذريعةً لتأجيل الاستحقاقات الدستورية.
في النهاية، لا يمكن فصل قرار التمديد عن السياق الأوسع الذي يمرُّ به لبنان اليوم. فالبلاد تواجه تراكُب ثلاث أزمات في وقت واحد: أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وصراع إقليمي يتوسّع على حدودها، ونظامٌ سياسي يعاني من تآكل الثقة الشعبية. وقد يكون التمديد خطوةً اضطرارية لتجنُّب انتخابات في زمن الحرب، لكنه يسلط الضوء في الوقت نفسه على هشاشة الشرعية السياسية في لبنان.
والسؤال الذي يواجه لبنان اليوم ليس فقط متى ستُجرى الانتخابات المقبلة، بل ما إذا كان النظام السياسي قادرًا على استعادة دورة ديموقراطية طبيعية. ففي بلدٍ اعتاد تعليق استحقاقاته كلما اشتدت الأزمات، قد لا يكون الخطر الحقيقي في تأجيل الانتخابات لعامَين، بل في أن يصبح تأجيل الديموقراطية هو القاعدة لا الاستثناء.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
