“حزب الله” يُخطئ في توظيف سلاحه؟

ابراهيم حيدر*

لا يمكن لبنان أن يتغاضى عمّا يحدث في المنطقة ومدى انعكاساته على وضعه. فمن إيران التي لا تزال معرَّضة لضرباتٍ أميركية، إلى سوريا التي تنتقل إلى مرحلةٍ جديدة بعد مواجهة الحكومة مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، هناك حالة غليان ستترك تداعياتها على لبنان، ولا بُدَّ من رصدها في ضوء التلويح الإسرائيلي المستمر بتوسيع العمليات العسكرية ضد “حزب الله” الذي يرفضُ خطّةَ حصر السلاح بيد الدولة.

الأنظار تتجه إلى ما سيقرره الأميركيون في مختلف ملفات المنطقة، فالعملية ضد “قسد” لا تحدث بدون ضوء أخضر أميركي وباتفاقٍ مع تركيا يحفظ لها أمنها القومي ويحقق ما تريده في ملف الأكراد، وهو ما يُعجّل في التفاوض السوري-الإسرائيلي حول الاتفاق الأمني. وعلى هذا، يبقى لبنان في دائرة التجاذب وساحة صراع، إذ تُشدّدُ واشنطن على نزع سلاح “حزب الله”، فيما إيران تعمل على إعادة بناء قوته لتوظيفها في المواجهة أو في أيِّ حربٍ مُحتملة.

الدولة اللبنانية حسمت أمرها في ما يتعلق بسحب السلاح، حيث حدد رئيس الجمهورية جوزف عون ثوابت تبدأ من المطالبة بوقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة، والتفاوض الديبلوماسي، ثم بالتخلّي عن المغامرات. لكن يبقى التحدي في التنفيذ، وإقناع “حزب الله” بالتخلّي عن السلاح الذي أُخرِجَ من مقاومة إسرائيل.

الدولة مُطالبة، مع تنفيذ خطتها لسحب السلاح، بوضع خريطة طريق متكاملة لتجنيب البلاد حربًا إسرائيلية، وإنقاذها من رهانات تجرُّها إلى مغامراتٍ غير محسوبة، خصوصًا في ظل اندفاعة إسرائيل لفرض شروط إضافية في التفاوض ضمن لجنة “الميكانيزم”، مع تكشّف خطتها للمنطقة العازلة. ومسؤولية الدولة تقتضي قول الكلام الفصل لـ”حزب الله” بأنَّ رَفعَ سقف مواقفه بالتماهي مع مرجعيته، ومُجاهرته بإعادة بناء قوته وتمسُّكه بالسلاح، يُقدّمُ الذرائع للاحتلال ويهفّت خطة الدولة لبسط سيطرتها. فالحزب وهو يدرك أنَّ المنطقة دخلت مرحلة جديدة، لن يستطيعَ الإنكار إلى ما لا نهاية، طالما أنَّ حليفته “حماس” وافقت على تسليم سلاحها في غزة. فإذا كانت مُمانعته اليوم عنوانها المواجهة، وهو العاجز عن الرد على اعتداءات الاحتلال، فإنه يحتفظ بسلاحه لمرحلة أخرى مُرتبطة بالتفاوض الأميركي- الإيراني، أي أنه لن يُسلِّمَ سلاحه للدولة ولن يُسَهِّلَ مهمّتها، بل هو يوظّفه لإسناد إيران ويضعه في سياق التفاوض الإيراني كورقةٍ في لبنان، فيُقدم بنيته أنها خارج الدولة لاستدراج التفاوض معه مباشرة.

رهان “حزب الله” يبقى على مسار التفاوض في المنطقة، فهو يعود ليُقدّم بُنيته كقوة إقليمية، رُغمَ أنه يُدرِكُ أنَّ إسرائيل تتحيَّن الفرص لتوجيه ضربات أكبر لمواقعه، مُتذرِّعةً بحججِ عدم نزع السلاح، حتى وإن كانت واشنطن لا تريد ذلك وتسعى إلى ترتيباتٍ وفق منظورها، كان من نتائجها إعطاء مهلة للبنان ومنح الدولة فرصة لمتابعة إنجاز عملية سحب السلاح. لكن واشنطن لن تنتظر كثيرًا، فهي تطلب من لبنان التقدم أكثر في التفاوض مع إسرائيل بالتوازي مع نزع السلاح، بما يتجاوز لجنة “الميكانيزم” المُعلَّقة اجتماعاتها، أي أنَّ الضغط يتركز على لبنان للدخول في مفاوضات شاملة، وفق ما تحدده واشنطن كشرط لوقف العمليات الإسرائيلية.

الواضح أنَّ احتفاظ الحزب بسلاحه هو لإسناد مرجعيته وليس للدفاع عن لبنان، فيما أزمته البنيوية تحدّ من قدرته على المناورة الإقليمية، الأمر الذي يثير مخاوف من الانزلاق نحو الفوضى والكارثة.

Exit mobile version