هنري زغيب*
فيما تئِنُّ أَرضُ الجنوب تحت ضربات العدوِّ القاصمة، يقف شعبُنا في الجنوب صامدًا متمرِّدًا على قدَره الأَسود، رافضًا أَن يخضَع أَو يركَع، لأَن كرامته اللبنانية تعادل هويته الوطنية، وتُنَمِّي انتماءَه المتجذِّر في كل شبرٍ من أَرض الجنوب.
يظنُّ هذا العدوُّ أَنه بتدميره الحجر يدمِّر البشر. لكنَّ تدمير الجسد لا يدمِّر الروح. ولبنان مساحةٌ روحيةٌ لا يطالها تدميرٌ مهما طغى وبَغى. ففي لبنان شعبٌ يَنشُبُ من الدَمار إِلى عمار، ولا يَغور مهما تكرَّرت محاولاتُ إِزالته. وفي لبنان أَبناءٌ متعلِّقون بأَرضهم وبيتهم وبلدتهم، ويَرون إِليها في هيبة وتقديس، وينعكسون منها وفيها بأَبهى ما يستاهل لبنان.
من هؤُلاء المتكرِّسين في جنوبنا الأَغلى: ابنُ النبطية علي حسين مزرعاني (مؤَهَّل سابق في الجيش اللبناني). فبعد إِصداره ثلاثةَ كتُبٍ وثائقيةٍ بقلمه وكاميراه عن مدينته الغالية: “النبطية في الذاكرة”، و”قضاء النبطية في القرن العشرين”، و”النبطية: ذاكرةُ المكان والعمران”، أَصدر أَخيرًا كتابه الرابع “النبطية والتراثُ المعماري المفقود – قبْل وبعدَ العدوان”، حرصًا منه على إِبقاء مدينته في ذاكرة أَجيالِ الأَمس وأَجيالِ اليوم وكلِّ يوم. وهو عمل لو زاوله كلُّ مؤَرّخٍ أَو حافظٍ تراثَ مدينتِه أَو بلدتِه أَو ضيعتِه، لَأَزهَرَ لبنان متوهِّجًا دومًا في ذاكرة المستقبل.
في هذا الكتاب الجديد (80 صفحة حجمًا كبيرًا في طبعة أَنيقة لدى “دار الفارابي”) يؤَرخ علي حسين مزرعاني بالصوَر قبْل عدوان 2024 وبعده: كيف كان المكانُ – البيتُ أَو القصرُ أَو السوقُ أَو الـمَعْلَم التراثيّ العمراني النادر- وكيف تَهَشَّمَ أَو تَهدَّم لدى سقطَت عليه صواريخُ العدوِّ المحشوَّةُ حقدًا أَكثرَ من المواد التفجيرية، طيلةَ 66 يومًا بين 23 أَيلول/سبتمبر و27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
هكذا تتدرَّج صفحاتُ الكتاب بِصُوَرِ “القَبْل” الزاهي في نبطيةٍ عريقة زاهية زاهرة زاخرة بجمال بيئةٍ وبيوت وقصور وساحات، وقبالتها على الصفحة الواحدة صُوَر “البَعْد” الفاجع بتشَوُّه البيئة والبيوت والقصور والساحات.
أَفتح الكتاب، وأُعاين القَبْلَ الزاهي والبَعد الواهي: الوسط التجاري، ساحة النبطية، الجامع الجديد، مكتبة الزين، ضريح حسن كامل الصبَّاح، الشارع الرئيس، حيّ السراي، مدارس المصطفى، مباني آل صادق، الجامع القديم، حيّ الميدان، بلدية النبطية واتحاد بلديات الشقيف، جامع حي الحورانية، حيّ المقاصد، درج حيّ السراي، المركز الثقافي الفرنسي، الساحة العامة، حيّ البياض، بيوت تراثية نادرة أَنوفة من القرن التاسع عشر، ومعالِـمُ ذاتُ هَيبة وجمال وعراقة، ومشاهدُ كانت ملْءَ الحياة الجنوبية الرضيَّة الآمنة الغنية بأَهلها وإِرثها البشري والعمراني، تحوَّلت ركامًا يصدُم العين، ويوجِع القلب، ويُشعل الغضب في الوجدان على عُدوانٍ أَعمى، لا يرى من جنوبنا الحبيب سوى أَبنيةٍ ومراكز، غيرَ مدركٍ أَنَّ في جنوبنا شعبًا لا يُرهِبُه خطرٌ: يقفُ في وجه العاصفة ولا يَلوي، يُعيد العَمار على الدَمار، ويَنشُب في إِباءِ الكبَر وكرامةِ أَنه ابن لبنان، يُعاندُ يُقاوم يَثُور ولا يهاب تهديدًا ولا تنديدًا ولا وعيدًا، لأَنَّ الصاروخ يهدُم بيتَ الإِقامة ولا يَهدُم عنفوان الكرامة.
بهذه الروحية الجنوبية اللبنانية أَطْلع علي حسين مزرعاني كتابَه الجديد ضوءًا منيرًا عتمةً هبَطتْ على النبطية، لكنَّ صباح النبطية أَقوى من ظلمة الليل، وشمسَ النبطية أَقوى من شموع الخوف، وكلُّ لبنانيٍّ له في جنوب لبنان ما له في بلدته حيثما يكون وتكون بلدتُه…
إِنه لبنان الخالد. ولا خوفَ عليه مهما عدُوٌّ طغى وبغى ورغا، عدوٌّ يخطِّط لا لاغتصاب فلَذٍ من أَرضنا بل لاغتصابِ صفحاتٍ من تاريخنا تدويرًا وتزويرًا، ولا يعرف أَنَّ شعب لبنان يعرف حقيقة وطنه الساطع على الصفحة الأُولى من جميع كتُب التاريخ.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني:com أو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
