إيران أمامَ اختبارِ البقاء: بين القَمعِ وتآكُلِ السلطة

تقف إيران عند مُنعطفٍ بالغ الحساسية، حيث لم يَعُد القمعُ المُكثّف دليلَ قوة بقدرِ ما يَعكِسُ عمق المأزق السياسي والاقتصادي، في لحظةٍ تتقاطعُ فيها حسابات الداخل مع ضغوط الخارج على نحوٍ غير مسبوق.

المرشد علي خامنئي: الحفاظ على النظام يعلو على أيِّ اعتبار، ولو كان الثمن دماء في الشوارع.

أليكس فاتانكا*

في الأسبوع الفائت، بدا أنَّ المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي قد حَسَمَ خياره النهائي في مُواجهة الاحتجاجات المُتصاعدة، مانحًا الضوء الأخضر لاستخدام أقصى درجات العنف دفاعًا عن بقاء النظام. الرسالة كانت مباشرة ولا تحتمل التأويل: الحفاظُ على النظام يعلو على أيِّ اعتبار، ولو كان الثمنُ دماءً في الشوارع. وسرعان ما ترجمت الأجهزة الأمنية هذا التوجُّه ميدانيًا، عبر حملةِ قمعٍ غير مسبوقة من حيث شدّتها واتساعها، بلغت مستوى من العنف يُعَدُّ تصعيدًا خطيرًا حتى وفق المعايير القاتمة للجمهورية الإسلامية نفسها.

قد ينجحُ هذا النهج في إخمادِ التظاهرات مؤقتًا، أو في دفعها إلى التراجع تحت وطأة الخوف، لكنه لا يقتربُ من معالجة المأزق البنيوي الذي يواجهه النظام. فحتى لو تجاوزت السلطة هذه الجولة، فإنَّ مؤشرات الغليان الاجتماعي لا توحي بأنَّ الأزمة قد انحسرت، بل إنَّ ملامحَ مَوجةٍ احتجاجية جديدة بدأت تتشكّل في العمق. إذ إنَّ اللجوءَ إلى قتل آلاف المواطنين لا يُمكِنُ أن يُشكّلَ وصفةً للاستقرار، بل يعكسُ إفلاسًا سياسيًا وعجزًا عن إنتاج حلول، وقد يتحوّلُ في المدى الأبعد إلى عامل تسريع لانهيار النظام بدل إنقاذه.

فالاضطرابات الأخيرة في إيران لا يمكن اختزالها في لحظةِ غضبٍ عابرة، بل تأتي تتويجًا لمسارٍ طويلٍ من التوتّرات المتراكمة. على مدى أربعة عقود، شهدت البلاد دوراتٍ مُتكرِّرة من الاحتجاجات التي اندلعت ثم قُمِعَت ثم خَبَت، من دون أن تُفضي إلى تغييرٍ جذريٍّ ودائم. غير أنَّ ما يُميِّزُ اللحظة الراهنة لا يقتصرُ على اتساع رقعة الاحتجاجات جغرافيًا، مع تسجيل تظاهراتٍ في أكثر من مئة مدينة وبلدة، بل يتجاوز ذلك إلى حالةِ ارتباكٍ غير مسبوقة داخل بُنية النظام نفسه، حيث يتزايدُ الشك في ما إذا كان القمع وحده ما زال كافيًا لضبط الشارع، أم أنه بات يُسرِّعُ التآكل الداخلي ويفتح الباب أمام تدهورٍ منهجي يصعبُ احتواؤه لاحقًا.

على الأرض، سلكت الدولة مسارًا بات مألوفًا في تعاملها مع موجات الغضب الشعبي: اعتقالاتٌ واسعة، حملاتُ ترهيب، وقطعٌ شبه كامل للإنترنت في محاولةٍ لعزل الشارع عن بعضه وعن العالم. وحين أخفقت هذه الأدوات في احتواء الاحتجاجات، انتقلت السلطة إلى خيارٍ أكثر عنفًا، تمثّلَ في استخدام الرصاص الحي وعمليات قتل جماعي على نطاقٍ غير مسبوق. هذا التصعيد لا يعكسُ ثقةً بالنفس بقدر ما يكشفُ حالةَ ذعرٍ عميقة داخل هرم السلطة. ويبدو أنَّ المرشد الأعلى علي خامنئي يتعامل مع الحركة الاحتجاجية بوصفها مؤامرةً خارجية تقودها إسرائيل والولايات المتحدة، وهو اعتقادٌ دفعه إلى ردِّ فعلٍ بالغ التطرُّف، قد لا يحمي النظام بقدر ما يُهدّد ما تبقّى من تماسكه الداخلي. فالتجارب التاريخية تُظهِرُ أنَّ الأنظمة التي تتجاوز هذا الحد من العنف نادرًا ما تخرج منه أكثر قوة أو استقرارًا.

في الكواليس، يُدرِكُ كثيرون داخل النظام خطورة هذا المسار. فعلى مدى أشهر، لم تَعُد النقاشات حول مستقبل نموذج الحكم في الجمهورية الإسلامية حكرًا على الغرف المُغلقة، بل خرجت إلى العلن داخل أوساطٍ من المؤسّسة السياسية نفسها. وقد أصدرت تياراتٌ ذات خلفيّاتٍ إصلاحية بيانات غير مألوفة في صراحتها، اعترفت فيها بالاحتجاج السلمي بوصفه حقًا مشروعًا، مُحذّرةً في الوقت ذاته من أنَّ الحديث عن “الاستماع إلى المحتجّين” يفقد معناه بالكامل ما لم يُقتَرَن بإصلاحٍ اقتصادي فعلي، ومُساءلة حقيقية، وفتح قنوات سياسية قادرة على استيعاب الغضب الاجتماعي بدل سحقه.

الأهم أنَّ هذه الأصوات، رُغمَ تباعدها عن خطاب السلطة، ترفُضُ بوضوح أيَّ تدخُّلٍ خارجي في الأزمة، لا انطلاقًا من ولاءٍ للنظام، بل خوفًا من أن يؤدّي ذلك إلى عسكرة الصراع ومنح الدولة ذريعة لتشديد القمع إلى مستويات أعلى. ما تسعى إليه هذه التيارات هو حماية ما تبقّى من فضاءٍ مدني مستقل، ولو بالحد الأدنى. ورسالتها تحمل تحذيرًا بالغ الدلالة: حين تُختَزَلُ المعارضة في ملفٍّ أمني صرف، وتُجَرَّد من بُعدِها السياسي، تختفي السياسة تمامًا، ويُفتَحُ الباب أمام مواجهة صفرية لا رابحَ فيها.

الاضطرابات الراهنة في إيران لا تقودها إيديولوجيا مُحَدّدة، ولا تُحرِّكها رهاناتٌ واضحة على إصلاحٍ تدريجي، بقدر ما تُعبّرُ عن حالةِ استنزافٍ شامل تُطاوِلُ الاقتصاد والمجتمع ومؤسّسات الدولة في آن واحد. إغلاقُ الأسواق، واتساعُ رقعة الاضطرابات العمالية، ودخول فئات لطالما راهنت على الاستقرار إلى دائرة الاحتجاج، كلُّها مؤشّرات إلى أزمةٍ أعمق تتصل بتآكل القدرة على الحُكم نفسها. ورُغمَ أنَّ حجمَ المشاركة لا يزال متفاوتًا، فإنَّ ذلك لا يعكس ثقةً بالنظام، بل يعكس في المقابل خشيةً واسعة من الانزلاق إلى الحرب والفوضى والانهيار الإقليمي، ما يجعل تجنّب المخاطرة خيارًا عقلانيًا لدى شرائح واسعة من المجتمع.

في هذا السياق، تكتسبُ احتمالات الانقسام داخل بُنية السلطة أهمية خاصة، وهي لم تَعُد سيناريو بعيد المنال. فالنظامُ يبدو مُنهَكًا على المستويات كافة: لا يملك خطّةً اقتصادية قابلة للحياة، ولا رؤيةً سياسية تتجاوز هاجس البقاء، ولا تصوُّرًا واضحًا لخلافة السلطة يُطَمئِن نخبته القلقة. هذه الحقائق لا تغيبُ عن أذهان التكنوقراط والبيروقراطيين، ولا حتى عن بعض العاملين في الأجهزة الأمنية. ويعي هؤلاء، في الوقت نفسه، حقيقةً أكثر إزعاجًا: كلّما ازدادَ تورُّطهم في سفك الدماء دفاعًا عن علي خامنئي، ارتفعت احتمالاتُ المحاسبة في مرحلةٍ لاحقة. فالانتقام، في السياق الإيراني، ليس شعارًا عابرًا، بل نمطًا تاريخيًا مُتكرِّرًا في لحظاتِ التحوُّل الكبرى.

من هنا، يبرز التحدّي المركزي أمام المعارضة الإيرانية، داخل البلاد وفي الشتات على السواء: كيف يمكن تحويل هذه القناعة الكامنة إلى حقيقةٍ مُعتَرَف بها داخل أوساط النظام؟ كيف تُقنعُ الدوائر القريبة من السلطة، وعناصر الأمن تحديدًا، بأنَّ الاستمرار في القتل دفاعًا عن زعيمٍ مُتقدِّمٍ في السن، من دون أفقٍ سياسي أو خطّة للمستقبل، لا يحميهم بل يُهدّدُ مصيرهم الشخصي؟ وكيف يمكن ترسيخ فكرة أنَّ زمن النظام قد شارَف على نهايته، إن لم يكن اليوم فغدًا، وأنَّ الانسحابَ المُبكِر أقل كلفة من الغرق معه حتى النهاية؟

هنا تحديدًا تتقاطع الأزمة الإيرانية مع دور السياسة الأميركية، ولكن ليس بالصورة التي تتخيّلها واشنطن غالبًا. فالتشبيه الشائع بغزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 مُضَلِّلٌ إلى حدٍّ بعيد؛ إذ إنَّ إيران اليوم ليست العراق آنذاك، ولا توجد ظروفٌ مماثلة يمكن إسقاطها عليها. الخيار المطروح ليس بين الحرب والتقاعس، بل بين تصعيدٍ مُتهوِّر قد يُوحِّدُ النظام خلف القمع، وبين ضغطٍ ذكي وطويل النفس، يُراكِمُ التآكل الداخلي ويُضعِفُ نظامًا يتداعى بالفعل من دون أن يمنحه ذريعةً للتماسُك من جديد.

يبدو أنَّ أدواتَ الضغط التقليدية قد بلغت حدودها القصوى. فالعقوبات، رُغمَ اتساع نطاقها وتشدُّدها، لم تنجح في تعديل سلوك النظام، بقدر ما ألقت بثقلها على المجتمع، وعمّقت الأزمات المعيشية للفئات الأضعف. أما الخيار العسكري، فيحمل مخاطر أكبر، إذ قد يؤدّي إلى انقسام الرأي العام داخليًا، ويمنح طهران ذريعةً جاهزة لتعبئة الداخل تحت شعار “الأمن القومي”، فيما يُخطئ الهدف الحقيقي للأزمة. فالمتظاهرون في الشوارع لا يُواجهون منشآت نووية ولا يعترضون على برامج تسلّح، بل يواجهون الهراوات والرصاص، والسجون، وحجب الإنترنت، وسياسات الإخضاع اليومي.

في المقابل، تبدو الأداة الأميركية الأكثر فاعلية أقل صخبًا وأكثر استراتيجية. فالإبقاء على إيران مُتَّصِلة بالعالم الخارجي، ورفع كلفة القمع، قد يُحدِث أثرًا أعمق من أيِّ ضربة عسكرية. فالقمعُ يزدهر في الظل والعتمة، بينما يُشكّل الظهور العلني عامل ردع. حماية قنوات الاتصال، والتصدّي لقطع الإنترنت، وتوثيق الانتهاكات، ودعم تدفُّق المعلومات، كلها خطوات تُصَعِّبُ تنفيذ القتل بعيدًا من الأعين، وتمنح المُتردّدين داخل النظام مساحةً لإعادة الحسابات قبل الانخراط الكامل في آلة العنف.

وبالمستوى نفسه من الأهمية، يتعيّن على واشنطن توسيع، بهدوء ومن دون ضجيج، الأدوات التي تُسَهِّلُ الانشقاقات داخل النظام: فتح مسارات قانونية واضحة، توفير مظلات حماية مالية، تقديم ضمانات استخباراتية، والأهم توجيه رسالة لا لبس فيها مفادها أنَّ مَن يتوقّفون عن قتل المدنيين لن يُعامَلوا كأعداءٍ دائمين. استخدامُ هذه الأدوات مُجتمعة قد يُطَمئن صغار المسؤولين والعاملين في أجهزة الدولة إلى أنَّ الحياة لا تنتهي بسقوط علي خامنئي، وأنَّ الاستمرار في لعب دور الجلّاد يحملُ كلفةً شخصية وقانونية باهظة في المستقبل.

إذا نُفِّذَ هذا النهج بدقّة، فإنه كفيلٌ بجعل خامنئي يشعرُ بضعفٍ أكبر مما يوحي به خطابه المُتشدّد. وبالنسبة إلى الرئيس دونالد ترامب، يوفّر هذا المسار مخرجًا سياسيًا يتقاطع مع حدسه ومع مخاوف قاعدته الشعبية في آن. فهو يُجنِّب الولايات المتحدة الغرق في مستنقعٍ جديد في الشرق الأوسط، ويمارس في الوقت ذاته ضغطًا حقيقيًا على نظامٍ سعت واشنطن إلى تقويضه منذ العام 1979. وعلى هذا الأساس، يمكن لترامب أن يُجادِلَ، بقدر من المصداقية، بأنه أضعف النظام الإسلامي، وساند الشعب الإيراني، وأبعد بلاده عن حربٍ أخرى مفتوحة بلا أفق.

قد لا يقدّمُ خيارُ ضبطِ النفس الحَذِر، المُقتَرِن باستراتيجيةٍ منهجية لإضعاف الخصم من الداخل، انتصاراتٍ سريعة أو مشاهدَ دراماتيكية تتصدّر العناوين. لكنه، في المقابل، يملك مقوّمات تحقيق نتائج أعمق وأكثر استدامة، لأنه يعمل على تفكيك أسباب القوة بدل الاكتفاء بمواجهة مظاهرها. مثل هذا المسار قد يفتح الباب أمام تحوُّلٍ جذري لا يقتصر على إيران وحدها، بل يمتدُّ إلى مجمل الشرق الأوسط الذي دفع، طوال ما يقرب من أربعة عقود، أثمانًا باهظة لسياسات وحكم علي خامنئي.

Exit mobile version