تتحرّك القاهرة بثقةٍ مُتزايدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ساعيةًً إلى تثبيت موقعها كلاعبٍ محوري في معادلات الأمن الإقليمي. غير أنَّ هذا التمدُّد الخارجي يتزامن مع ضغوطٍ اقتصادية داخلية تطرح سؤالًا مُلحًّا حول قدرة الاقتصاد المصري على تحمّل كلفة الدور الجديد.
هدى أحمد*
من قلب العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، حيث تمتد الشوارع العريضة وسط الصحراء وتعلو الواجهات الزجاجية والرخامية في مشهدٍ أقرب إلى عرض قوة منه إلى مشروع عمراني تقليدي، يتجلى حجم الطموح الذي يقود المرحلة الحالية في مصر. فالدولة تبني بوتيرة متسارعة، وتُوَسّع قدراتها العسكرية، وتُعيدُ رسم تموضعها الإقليمي في آن واحد. في الداخل، تمضي السلطة قدمًا في مشروعات ضخمة وتحديثات عسكرية تهدف إلى ترسيخ السيطرة وبناء سردية “الجمهورية الجديدة”. وفي الخارج، تتحرك القاهرة بثقل متزايد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مُستفيدةً من فراغات إقليمية وتوترات متصاعدة. إنها محاولة واضحة لإعادة تثبيت مصر كركيزة لا يمكن تجاوزها في معادلات الأمن الإقليمي، حتى في وقتٍ يرزح الاقتصاد تحت ضغوط متراكمة تختبر قدرة المجتمع على الاحتمال.
هذا الطموح الخارجي ينعكس بوضوح في الملف السوداني. ففي الأسابيع الأخيرة، برزت مؤشرات متزايدة إلى انخراط مصري أعمق في الحرب الأهلية الدائرة هناك. تقارير إقليمية وصور أقمار اصطناعية تحدثت عن احتمال تنفيذ القاهرة ضربات بطائرات مسيّرة ضد قوات الدعم السريع، التي تخوض منذ العام 2023 صراعًا مفتوحًا مع الجيش السوداني. مصر، التي لطالما اعتبرت المؤسسة العسكرية في الخرطوم شريكًا طبيعيًا وعمقًا استراتيجيًا على حدودها الجنوبية، تنظر إلى تطورات السودان من زاوية أمن قومي مباشر.
فانتصار قوات الدعم السريع، التي ارتبطت بتحالفات إقليمية متغيرة وأثارت علاقاتها ببعض الفاعلين الخليجيين تساؤلات في القاهرة، قد يبدّل موازين القوى على حدود مصر ويعقّد حساباتها الأمنية، خصوصًا في ما يتعلق بأمن وادي النيل. بالنسبة إلى صانع القرار المصري، لا يتعلق الأمر فقط باستقرار جار مضطرب، بل بمستقبل التوازنات على طول الشريان الحيوي الذي يربط مصر بالسودان ويؤثر في معادلات المياه والسياسة معًا.
ولا يمكن فصل التطوّرات في السودان عن الهواجس المصرية الأوسع في القرن الأفريقي. فقد زاد قرار إسرائيل في كانون الأول (ديسمبر) الماضي الاعتراف رسميًا بـ”أرض الصومال” (صوماليلاند) —الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال— من منسوب القلق في القاهرة. فالساحل الطويل لهذا الإقليم يمتد على البحر الأحمر، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، حيث تمرُّ نسبة معتبرة من التجارة الدولية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. الاعتراف الإسرائيلي لا يحمل فقط بُعدًا سياسيًا، بل يفتح الباب أمام علاقاتٍ ديبلوماسية أعمق وربما ترتيبات أمنية مستقبلية قد تُعيدُ رسمَ موازين القوى في ممرٍّ بحري بالغ الحساسية.
بالنسبة إلى إسرائيل، يمنح التقارب مع “أرض الصومال” موقعًا متقدّمًا لرصد التحركات الحوثية المدعومة من إيران، والتي تصاعدت تهديداتها للملاحة في البحر الأحمر، بل وربما لاحتواء هذا التهديد من نقطةٍ جغرافية قريبة. أما بالنسبة إلى مصر، فإنَّ الخطوة تُمثّلُ دخول لاعبٍ إضافي بثقلٍ أمني إلى فضاءٍ تعتبره تقليديًا جُزءًا من نطاقها الحيوي. فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر تجاري بالنسبة إلى القاهرة، بل امتدادٌ مباشر لأمن قناة السويس ومصدرٌ رئيس لعائدات الدولة.
ردُّ الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يكن عابرًا. إذ أعاد التأكيد على “الدور الخاص” لمصر في الصومال، مُحذّرًا من أنَّ الاعتراف الإسرائيلي يُشكّلُ “سابقة خطيرة” تُهدّد استقرار القرن الأفريقي. غير أنَّ الرسائل المصرية لم تبقَ في إطار التصريحات. ففي مطلع شباط (فبراير)، أرسلت القاهرة نحو 1100 جندي إلى الصومال ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار (أوسوم)، في إطار قوة أوسع قوامها خمسة آلاف عنصر كانت مصر قد اقترحت تشكيلها عام 2024. رسميًا، المهمّة تستهدفُ دعم الجهود ضد حركة “الشباب” المتطرفة، لكن سياسيًا واستراتيجيًا، تعكس رغبةً واضحة في تثبيت موطئ قدم مصري داخل البنية الأمنية الصومالية، قبل أن تُرسَّخ ترتيبات إقليمية جديدة قد تقلّص نفوذها.
ولا تنحصر حسابات القاهرة في البُعدِ الإسرائيلي وحده. فثمّة قلق متزايد داخل دوائر القرار المصرية من احتمالِ تقارُبٍ بين إسرائيل وإثيوبيا، خصوصًا مع تزايد التكهّنات بأنَّ أديس أبابا قد تمضي في الاعتراف بـ”أرض الصومال” مقابل الحصول على منفذٍ بحري — وهو هدفٌ استراتيجي تسعى إليه الدولة غير الساحلية منذ سنوات. وقد سبق لإثيوبيا أن لوّحت بهذه الورقة في سياقاتٍ تفاوضية سابقة، ما يجعل احتمال تفعيلها في ظلِّ اصطفافاتٍ جديدة مصدر توتّر إضافي.
أيُّ دعمٍ إسرائيلي لطموحات إثيوبيا البحرية سيُقرَأ في القاهرة بوصفه عامل ضغط مضاعف، في ظلِّ النزاع المستمر حول سد النهضة. فالسد، الذي تصفه مصر بأنه يهدّدُ حصّتها التاريخية من مياه النيل —شريان الحياة لأكثر من مئة مليون نسمة— لا يزال نقطة خلاف حادة بين البلدين. في المقابل، تؤكد إثيوبيا أنَّ المشروع حقٌّ سيادي يندرج ضمن مسارها التنموي. وبين هذين المنظورين، تتداخل الحسابات المائية بالجغرافيا السياسية، ما يجعل أي تغيير في التوازنات الإقليمية المحيطة بمصر عاملًا حساسًا في معادلة الأمن القومي.
سباق النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر
وفي أواخر العام 2025، خطت القاهرة خطوةً إضافية في هذا الاتجاه عبر توقيع اتفاقيات لتطوير ميناء “دوراليه” في جيبوتي وميناء عصب في إريتريا. هذه التحرّكات فُهمت على نطاقٍ واسع باعتبارها جُزءًا من استراتيجية تطويق غير مباشرة لإثيوبيا، عبر تعزيز الروابط مع منافذها البحرية المحتملة. فمن منظور مصري، لا يتعلق الأمر بالاستثمار في البنية التحتية فحسب، بل بإعادة رسم خريطة النفوذ على الضفة المقابلة للبحر الأحمر، بما يتيح للقاهرة امتلاك أوراق ضغط إضافية في مواجهة أديس أبابا.
في هذا السياق، تتحوّل الصومال إلى نقطة ارتكاز استراتيجية: أداة لموازنة النفوذ الإثيوبي، وفي الوقت ذاته وسيلة لترسيخ الدور المصري في معادلة أمن البحر الأحمر. غير أنَّ هذه المناورات لا تجري في فراغ. فالقرن الأفريقي يشهد سباقًا متسارعًا بين قوى إقليمية متعددة، من تركيا التي رسخت حضورها العسكري والاقتصادي في الصومال، إلى السعودية والإمارات اللتين تنافسان على الموانئ والنفوذ البحري، مرورًا بإيران وإسرائيل اللتين باتتا تنخرطان بشكل أكثر وضوحًا في المعادلة.
وتتحدث تقارير عن مفاوضات سعودية لتشكيل تحالف عسكري جديد يضم الصومال ومصر، في مسعى يهدف جُزئيًا إلى موازنة النفوذ الإماراتي في المنطقة. ومع تعدُّد هذه الاصطفافات، يتبدّل موقع القرن الأفريقي من هامش الجغرافيا السياسية العالمية إلى مركز تنافس محتدم، أقرب إلى ساحة صراع بالوكالة تتقاطع فيها حسابات الأمن البحري بالطموحات الإقليمية.
الداخل الاقتصادي: معادلة الطموح والكلفة
غير أنَّ هذا النشاط الخارجي الكثيف يجري على خلفية داخلية لا تقل تعقيدًا. فالمزاج العام في مصر يميلُ إلى تأييد سياسة خارجية تؤكد حضور الدولة وقوتها، خصوصًا في ظلِّ ما تشهده المنطقة من اضطرابات، من الحرب في غزة إلى الفوضى في السودان وليبيا وأخيرًا الحرب بين أميركا وإسرائيل مع إيران. لكن خلف هذا التأييد العلني، تتردد تساؤلات في الأوساط الشعبية حول قدرة الاقتصاد المصري على تحمّل كلفة هذا التمدد.
الأزمة الاقتصادية التي تُخيّم على البلاد منذ سنوات لم تتبدّد. صحيح أنَّ الجنيه المصري شهد قدرًا من الاستقرار العام الماضي بفضلِ برنامجٍ إصلاحي مع صندوق النقد الدولي وتعهّدات استثمارية خارجية، إلّا أنَّ التضخُّم وارتفاع أسعار السلع الأساسية لا يزالان يضغطان على معيشة المواطنين. الإصلاحات المرتبطة بالتمويل الدولي —بما في ذلك تقليص بعض أشكال الدعم الغذائي وتعديل ضوابط الإيجارات— زادت من الأعباء على الفئات محدودة الدخل والطبقة المتوسطة، التي تجد نفسها عالقة بين متطلبات الإصلاح وضيق الموارد.
في موازاة ذلك، تستمر مشروعات الرئيس السيسي الكبرى بوتيرة متسارعة. فالعاصمة الإدارية الجديدة، التي تُقدَّر كلفتها بنحو 59 مليار دولار، تُقدَّم بوصفها رمزًا لـ”الجمهورية الجديدة”، ومن المقرّر أن تضمَّ ما يصفه المسؤولون بأكبر مقر قيادة دفاعية في العالم. كما تتوسع مشروعات المدن الساحلية على البحر المتوسط، بقيمة تُقدَّر بعشرات المليارات، إلى جانب شبكة ضخمة من الطرق والكباري والمجمعات السكنية التي أعادت تشكيل المشهد العمراني في أنحاء البلاد.
أما المتحف المصري الكبير، الذي افتُتح حديثًا بكلفة تقارب مليار دولار، فيُمثّل استعراضًا للقوة الناعمة المصرية، وجذب بالفعل أعدادًا كبيرة من السياح الأجانب. لكن الإقبال المحلي المحدود يعكس واقعًا اقتصاديًا مختلفًا؛ فبينما تُعرض رموز الحضارة القديمة في قاعات فخمة، يواجه كثير من المصريين تحديات يومية في تلبية احتياجاتهم الأساسية. وهذا التباين بين الطموح العمراني والضغوط المعيشية يشكل الخلفية الصامتة لكل خطوة إقليمية تتخذها القاهرة اليوم.
بالنسبة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، لا تقتصر هذه المشروعات على بُعدِها العمراني أو الاقتصادي، بل تؤدّي أدوارًا سياسية متشابكة. فهي تقدّم صورة عن دولةٍ تتحرك وتُنجز وتبني، وتُعيد تشكيل المجال العام حول سردية التقدم والانضباط. كما تُتيحُ في الوقت نفسه بناء شبكات مصالح واسعة، وتعزّز حضور المؤسسة العسكرية في قلب النشاط الاقتصادي.
تشير تقديراتٌ وتقاريرُ مُتداولة إلى أنَّ القوات المسلحة تُنفّذُ الحصة الأكبر من مشروعات الأشغال العامة، فيما تستفيد الشركات المرتبطة بها من استثناءاتٍ تنظيمية وإجرائية تحدُّ من خضوعها للرقابة التقليدية. هذا النموذج يمنح الدولة قدرة على اتخاذ القرار السريع وتنفيذ المشاريع بوتيرة عالية، لكنه يثير في المقابل تساؤلات حول الشفافية وتكافؤ الفرص أمام القطاع الخاص. ويرى منتقدون أنَّ العائد الإنتاجي لبعض هذه المشروعات لا يتناسب مع كلفتها الضخمة، وأنها لا تولّدُ القيمة المضافة الكافية لاقتصادٍ يحتاج إلى تنشيط قطاعات الصناعة والتصدير والتكنولوجيا.
أحد التجار في القاهرة لخّص هذا الشعور قائلًا: “هذه المشاريع لا تُنمّي اقتصادنا، بل تُستخدَم كغطاء. نحن جميعًا نعاني”. ورُغمَ أنَّ هذا الرأي لا يُعبّر بالضرورة عن إجماع، فإنه يعكس فجوةً متزايدة بين الخطاب الرسمي الذي يحتفي بالإنجازات العمرانية، وبين تجارب يومية يطغى عليها ارتفاع الأسعار وضيق الهوامش المالية.
المنطق السياسي وراء هذه المقاربة يبدو واضحًا. ففي ظل تضييق المجال أمام المعارضة المنظمة، أصبحت “شرعية الأداء —القائمة على البنية التحتية، وإبراز رموز القوة الوطنية، وتأكيد الدور الأمني— الركيزة الأساسية لخطاب النظام. ويُكمل الحضور الإقليمي هذا البناء الرمزي؛ إذ يعزز تصوير مصر كفاعل مركزي في ملفات السودان والصومال وأمن البحر الأحمر سردية الدولة القوية القادرة على حماية مصالحها في بيئة مضطربة.
كما إنَّ هذا التموضع الخارجي يرفع من أهمية مصر لدى شركائها الدوليين، سواء في الغرب أو في الخليج، الذين يبحثون عن شريكٍ مستقر يضمن انسياب التجارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ويُسهم في احتواء بؤر التوتر الإقليمية. فكلما تعزز دور القاهرة في هذه المعادلات، ازدادت قدرتها على التفاوض والحصول على دعمٍ سياسي واقتصادي.
لكن هذه الاستراتيجية ليست خالية من المخاطر. فالتورُّط المباشر أو غير المباشر في الحرب السودانية قد يجرُّ مصر إلى مسار صراع طويل الأمد، يصعب التحكُّم في مآلاته. كما إنَّ احتدام التنافس في القرن الأفريقي قد يُحوِّل المنطقة إلى ساحة استقطابٍ حاد، يُقوّض الاستقرار الذي تسعى القاهرة إلى تثبيته.
إضافةً إلى ذلك، فإنَّ أيَّ سوء تقدير في التعامل مع إثيوبيا —سواء في ملف سد النهضة أو في مسألة الاعتراف بـ”أرض الصومال”— قد يزيد من تعقيد التوازنات الهشّة في حوض النيل. ومع تصاعد التنافس بين السعودية والإمارات في الصومال، قد تجد مصر نفسها أمام معادلة دقيقة، تحاول فيها الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع حلفاء خليجيين ذوي أجندات متباينة، من دون أن تنزلق إلى اصطفافات تُقيّد هامش حركتها.
في المحصّلة، تتحرك القاهرة اليوم على خطٍّ رفيع بين طموح مشروعٍ إقليمي واسع، وواقعٍ اقتصادي داخلي يتطلّب إدارةً حذرة. نجاح هذه المعادلة سيعتمد على قدرة الدولة على تحويل النفوذ السياسي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، من دون أن تتحوّل ساحات المنافسة الخارجية إلى عبءٍ يُثقل كاهلَ الداخل.
رهان القوة… ومخاطر الاستنزاف
غير أنَّ الهشاشة الاقتصادية تُضاعف من كلفة هذه الحسابات الاستراتيجية. فالدعم الخارجي —سواء عبر برامج التمويل الدولية أو التدفقات الاستثمارية الخليجية— منح الاقتصاد المصري فسحة زمنية، لكنه لم يُحدِث تحوُّلًا بُنيويًا عميقًا. معدّلات الفقر ارتفعت خلال السنوات الماضية، والإصلاحات الهيكلية ما تزال جُزئية ومتعثّرة. وفي ظلِّ هيمنة المؤسسة العسكرية على قطاعاتٍ واسعة من النشاط الاقتصادي، يتراجع هامش المبادرة أمام القطاع الخاص، بينما تبقى بطالة الشباب ونقص فرص العمل التحدّي الأبرز في مجتمعٍ شاب ومُتنامٍ.
هذه المعادلة تطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا لو لم تُترجم التحركات الإقليمية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة؟ وإذا ما تعرّضت طرق التجارة أو تدفقات الاستثمار لاضطرابات نتيجة صراعات إقليمية أو صدمات خارجية، فإنَّ قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمة ستكون محدودة. وفي مثل هذا السيناريو، قد يتآكل رصيد القبول الشعبي تدريجًا، خصوصًا إذا لم يشعر المواطن بأنَّ الطموحات الكبرى تنعكس تحسُّنًا في حياته اليومية.
في المقابل، يبدو الرئيس السيسي مقتنعًا بأنَّ مسار الصمود يمرُّ عبر معادلة مزدوجة: إظهار الحزم خارج الحدود، وبناء هياكل صلبة في الداخل. الفكرة أنَّ دمج مصر في منظومة أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتأكيد السيطرة والاستقرار داخليًا، سيمنح النظام قدرة على ردع التهديدات وكسب ثقة الشركاء الدوليين. غير أنَّ الجغرافيا السياسية لا تمنح ضمانات مُسبَقة. ففي منطقةٍ تعجُّ بالتنافسات المتشابكة، قد يُعزز التوسع المصري موقع القاهرة، لكنه قد يفتح أيضًا أبوابًا لصراعات تستنزف موارد اقتصاد لا يزال في مرحلة تعافٍ هش.
من قلب العاصمة الجديدة، حيث تبدو الأبراج والمقارّ الحكومية رمزًا لمرحلة مختلفة، يظهر الطموح واضحًا للعيان. غير أنَّ استدامة هذا الطموح لن تُقاس بحجم المنشآت أو بريق الموانئ المُطوّرة، بل بقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين التمدد الإقليمي ومتطلبات الداخل. فالقوة الحقيقية في النهاية لا تُختَبَرُ فقط في ميادين النفوذ الخارجي، بل في قدرة الاقتصاد على دعم هذا النفوذ من دون أن يدفع المجتمع ثمنًا يفوق طاقته.
- هدى أحمد هي مراسلة “أسواق العرب” في القاهرة.
