كابي طبراني*
تعيشُ إيران مُجَدَّدًا على إيقاع الشارع الغاضب، في مشهدٍ باتَ مألوفًا لكنه لا يقلُّ خطورةً عن سابقاته. ما بدأ في أواخر كانون الأول (ديسمبر) احتجاجاتٍ ذات طابعٍ اقتصادي، سرعان ما تحوّلَ إلى مواجهةٍ سياسية مفتوحة بين مُجتمعٍ يضيق ذرعًا بأزماته المتراكمة، وسلطة لم يَعُد في جعبتها سوى أدوات القمع. القتلى والمعتقلون بالآلاف، والإنترنت مقطوع، والبلاد تبدو كأنّها تسيرُ على حافة انفجارٍ مُؤجَّل.
المشهدُ يتكرّرُ منذ سنوات، لكن مع كلِّ جولةِ احتجاج تتبدَّلُ المعادلة قليلًا. تبدأ الشرارةُ من الاقتصاد: انهيارُ العملة، تضخُّمٌ خانق، تآكلُ القدرة الشرائية. ثم ما يلبث الغضبُ أن يتسيَّس، فترتفعُ الشعارات من المُطالبة بالإصلاح إلى الطعن بشرعية النظام نفسه. الردُّ يأتي على النحوِ المعروف: قمعٌ أمني واسع، اعتقالاتٌ جماعية، واستخدامُ القوّة المُفرِطة لإعادةِ فَرضِ “الاستقرار”. غير أنَّ هذا الاستقرار، في كلِّ مرة، يبدو أكثر هشاشةً وأقصر عُمرًا.
ما يُميِّزُ اللحظة الراهنة ليس فقط اتساع رقعة الاحتجاجات أو حدّة العنف، بل السياقُ العام الذي تجري فيه. فإيران تدخلُ هذه الأزمة مُثقلة بسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، والعقوبات، والأزمات البيئية، والتوتّرات الاجتماعية. الثقةُ بين الدولة والمجتمع تآكلت إلى حدٍّ غير مسبوق، فيما باتت فئاتٌ واسعة من الإيرانيين مُقتَنعة بأنَّ صناديق الاقتراع والمؤسّسات الرسمية لم تَعُد تُمثّلُ وسيلةً حقيقية للتغيير.
في الوقت نفسه، تبدو البيئة الإقليمية أقل مُلاءمة للنظام مما كانت عليه في السابق. فسياساتُ التمدُّد الخارجي، التي شكّلت لسنوات أحد أعمدة الخطاب الرسمي، باتت عبئًا اقتصاديًا وسياسيًا. التكاليف ارتفعت، والعوائد تراجعت، فيما انعكست الصراعات الإقليمية مزيدًا من الضغوط على الداخل الإيراني. حتى المواجهات العسكرية الأخيرة، التي راهنَ البعضُ على أن تُعيدَ شحنَ النزعة الوطنية، لم تنجح إلّا لفترةٍ قصيرة، قبل أن يعودَ الغضب الشعبي إلى الواجهة.
أزمةُ الشرعية تتجلّى بوضوح في الأرقام والسلوكيات. نسبُ المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية تراجعت بشكلٍ لافت، والشارعُ لم يَعُد يُميِّزُ بين تيارات السلطة المختلفة، بل ينظرُ إليها كمنظومةٍ واحدة مسؤولة عن التدهور السياسي والاقتصادي. الأخطر من ذلك أنَّ حاجزَ الخوف، الذي شكّلَ طويلًا ركيزةً أساسية لبقاء النظام، بدأ يتصدَّع. فالاحتجاجاتُ تتكرَّر، رُغمَ إدراكِ المشاركين للكلفة الباهظة.
ومع ذلك، فإنَّ تحويلَ هذا الغضب إلى تغييرٍ جذري ليس أمرًا محسومًا. فالتجاربُ السابقة تُظهِرُ أنَّ الأنظمة السلطوية لا تَسقُطُ بالاحتجاج وحده، مهما كان واسعًا. ما لم تترافق حركة الشارع مع تصدُّعاتٍ داخل بُنيةِ السلطة، أو انقسامات في الأجهزة الأمنية، أو بروز بديل سياسي مُنظَّم، فإنَّ النظام يبقى قادرًا على الصمود، ولو بثمنٍ متزايد. في الحالة الإيرانية، لا تزالُ أدواتُ القمع مُتماسِكة، والمعارضة تعاني من التشتُّت وغياب القيادة الجامعة.
في الأمد القريب، يُمكنُ تصوُّرُ مساراتٍ مُحتملة عدة للأزمة الإيرانية، وجميعها محفوفة بالمخاطر. السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثّلُ في نجاح السلطة في إخماد الاحتجاجات بالقوة، مقابل ثمن سياسي واجتماعي أعلى، ما يعني هدنة هشّة لا أكثر. سيناريو آخر يقوم على تقديم تنازلات شكلية أو إجراءات اقتصادية محدودة لشراء الوقت، من دون معالجة جوهر الأزمة. في المقابل، قد يلجأ النظام إلى تصعيدٍ خارجي محسوب لصرف الأنظار عن الداخل، وهو خيارٌ محفوفٌ بالمجازفة في ظلِّ ميزان قوى إقليمي ودولي غير مضمون. أما السيناريو الأبعد، لكنه غير مُستبعَد، فيكمن في تآكل تدريجي لقدرة الدولة على الضبط، لا عبر انفجار ثوري سريع، بل من خلال إنهاكٍ طويل يُغيّرُ طبيعة النظام من الداخل.
هذا الواقع يضعُ الخارج، وخصوصًا الولايات المتحدة، أمامَ معادلةٍ شديدة الحساسية. فالتصريحاتُ الداعمة للاحتجاجات قد تُلهِبُ مشاعر الشارع، لكنها في الوقت نفسه تمنحُ السلطة ذريعةً جاهزة لاتهام المتظاهرين بالارتهان للخارج، وتبرير مزيد من القمع. أما الخيار العسكري، فخبرة المنطقة تُظهِرُ أنه غالبًا ما يفتح أبواب الفوضى أكثر مما يصنع مساراتَ انتقالٍ آمن.
البديل الأكثر واقعية يكمُنُ في سياساتٍ أقل صخبًا وأكثر تراكمية: تضييقُ الخناق على المسؤولين عن القمع بدل مُعاقبة المجتمع ككل، دعمُ حرية الوصول إلى المعلومات وكسر العزلة الرقمية، وتثبيت ملف الانتهاكات بوصفه مسألة محاسبة مستقبلية لا تسقط بالتقادم. الأهم من ذلك هو الإقرار بأنَّ التغيير في إيران، إن حصل، سيكون نتاجَ مسارٍ داخلي طويل ومُكلف، لا نتيجةَ قرارٍ خارجي أو ضربةٍ خاطفة.
إيران اليوم تقف في منطقةٍ رمادية بين الصمود والإنهاك. النظامُ قد ينجح مرة أخرى في إخماد الاحتجاجات، لكنه يفعل ذلك على حساب ما تبقّى من شرعيته. والمجتمع، وإن أُجبِرَ على التراجع مؤقتًا، يبدو أقل استعدادًا للعودة إلى الصمت. السؤال لم يَعُد مَن يحكم، بل أيُّ دولةٍ يُمكِنُ أن تستمرَّ بهذه الصيغة.
في هذا المعنى، ما تشهده إيران ليس مجرّدَ موجةِ احتجاجٍ عابرة، بل فصلٌ جديد في أزمةٍ بُنيوية عميقة. فصلٌ قد لا ينتهي قريبًا، لكنه يرسمُ ملامحَ مرحلةٍ تتآكل فيها قدرة السلطة على الحُكم بقدر ما تتآكل قدرة المجتمع على الاحتمال. وبين الطرفين، يقفُ مستقبل البلاد مُعلّقًا على معادلةٍ لم تُحسَم بعد.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: www.gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
