السعودية وإيران… تقاربٌ هشّ فوقَ جَمرِ الإقليم

كابي طبراني*

في لحظةٍ إقليمية شديدة الاضطراب، يبدو التقارب السعودي–الإيراني وكأنه يسيرُ عَكسَ التيّار. فمنذ استئنافِ العلاقات الديبلوماسية بين الرياض وطهران في 2023 بوساطة صينية، تعرّضت المنطقة لسلسلةٍ من الهزّات الكبرى: حرب غزة، تراجع نفوذ حلفاء ووكلاء إيران الإقليميين، الضربات الإسرائيلية المباشرة على أهداف داخل إيران في حزيران (يونيو) 2025، ثم القصف الأميركي لمنشآت نووية إيرانية، وأخيرًا عودة آلية “سناب باك” والعقوبات الأممية. ومع ذلك، لم يَنهَر مسار التهدئة بين القوَّتين الإقليميتين، بل تحوّل إلى خيار براغماتي تفرضه حسابات المصالح.

بالنسبة إلى طهران، لم يَعُد تحسين العلاقات مع الجوار الخليجي ترفًا ديبلوماسيًا، بل ضرورة استراتيجية. نموذجُ الردع غير المتماثل الذي اعتمدته إيران لسنوات عبر شبكة حلفاء وأذرع في لبنان وغزة وسوريا والعراق تعرّض لاهتزازاتٍ عميقة. الضربات الإسرائيلية المتواصلة، وسقوط النظام السوري السابق، وتآكل قدرات “محور المقاومة”، كلُّها عوامل قلّصت هامش المناورة الإيراني. ومع الضربات الإسرائيلية–الأميركية داخل الأراضي الإيرانية، باتت معادلة الردع التقليدية موضع اختبار غير مسبوق.

إلى جانب التحدّيات الأمنية، تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متجددة. إعادة تفعيل العقوبات الأممية في أيلول (سبتمبر) 2025 أعادت القيود على السلاح والبرامج الصاروخية والقطاع المالي، فيما تستمر العقوبات الأميركية الثانوية في ردع المصارف والشركات الإقليمية عن الانخراط مع السوق الإيرانية. وفي ظلِّ موجات احتجاج داخلية متقطّعة، تسعى القيادة الإيرانية إلى تخفيف التوترات الخارجية، خصوصًا مع دول الخليج، لتقليص احتمالات العزلة الكاملة.

في المقابل، أعادت المملكة العربية السعودية ترتيب أولوياتها. رؤية 2030، بما تحمله من مشاريع عملاقة في البنية التحتية والسياحة والتكنولوجيا والطاقة النظيفة، تحتاج إلى بيئة مستقرة. تجربة استهداف منشآت “أرامكو” في بقيق عام 2019 شكّلت إنذارًا استراتيجيًا للرياض حول كلفة الانزلاق في صراع مفتوح مع إيران. ومن هنا، جاء خيار التهدئة كجُزءٍ من مقاربة أوسع تُوازِنُ بين الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة والانفتاح الإقليمي لتقليل المخاطر.

الضربات الإسرائيلية–الأميركية في حزيران (يونيو) 2025 شكّلت أول اختبار فعلي لمسار التقارب. في السابق، كان من المرجح أن تنخرطَ الرياض في محور مُناوئ لطهران. أما هذه المرة، فقد أدانت المملكة الاعتداءات على السيادة الإيرانية، ورفضت استخدام أراضيها أو أجوائها لأيِّ عملٍ عسكري ضد إيران. من جهتها، حرصت طهران على مُعايرة ردودها لتجنُّب استهداف السعودية أو مصالحها، في رسالةٍ واضحة بأنَّ قناة التهدئة ينبغي أن تبقى مفتوحة.

مع ذلك، يظل هذا المسار هشًّا. فالسعودية لا تزال ترى في الولايات المتحدة شريكًا أمنيًا أساسيًا، ولم تغلق الباب أمام احتمال تطبيعٍ مشروط مع إسرائيل. في المقابل، تعتبر طهران الوجود العسكري الأميركي والإسرائيلي في الخليج عنصرًا مُهدِّدًا للاستقرار. هذا التباين الجوهري يضع حدودًا واضحة للتقارب، ويجعله أقرب إلى “إدارة تنافس” منه إلى تحالف.

على الصعيد الاقتصادي، تبدو مؤشّرات التطبيع متواضعة لكنها رمزية. استئناف الرحلات الجوية، تسهيل إجراءات الحج والعمرة، وبحث إنشاء مجلس أعمال مشترك، كلها خطوات إيجابية. غير أنَّ العقوبات تشكل عائقًا بنيويًا أمام تطور العلاقات التجارية. المصارف الخليجية مُندَمِجة بعمق في النظام المالي الغربي، وأيُّ انخراطٍ واسع مع إيران يعرّضها لمخاطر قانونية جسيمة. لذلك، تظلُّ التجارة الثنائية محدودة، وتتركّز في سلعٍ استهلاكية مُنخفضة الحساسية.

الملف النووي الإيراني يبقى العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل هذا التقارب. استمرار الجمود، وتصاعد التهديدات الإسرائيلية، واحتمال لجوء إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى جولة جديدة من الضربات المحدودة، كلها سيناريوهات تضغط على الرياض لاختيار تموضُعٍ دقيق. أيُّ انخراطٍ سعودي مباشر في تطبيقٍ صارم للعقوبات الأممية قد يُنظَرُ إليه في طهران كعودة إلى سياسة الاحتواء، ما يهدد المكاسب الديبلوماسية الأخيرة.

في الوقت نفسه، تخشى إيران ما تُسمّيه “الحرب الهجينة” — أي الجمع بين الضغط العسكري الخارجي وزعزعة الاستقرار الداخلي عبر العقوبات والحرب السيبرانية والعمليات السرية. في مثل هذا السيناريو، قد تميل طهران إلى توسيع نطاق الرد ليشمل أدوات غير تقليدية أو ساحات إقليمية حساسة، ما يضع دول الخليج أمام مخاطر مباشرة على الطاقة والملاحة.

من هنا، تبرز أهمّية تحويل التهدئة إلى آلياتٍ مؤسّسية. حواراتٌ أمنية منتظمة، قنواتُ اتصالٍ بين الأجهزة المختصة، وتنسيقٌ في إدارة الأزمات يُمكِنُ أن يُقلّلَ من مخاطر سوء التقدير. كما إنَّ “ديبلوماسية الحج” أثبتت قدرتها على خلق تعاون تقني مستدام، يمكن البناء عليه في مجالات الصحة العامة وإدارة الكوارث والتبادل الأكاديمي.

في المحصّلة، لا يرقى التقارب السعودي–الإيراني إلى مستوى شراكة استراتيجية، لكنه يُمثّلُ تحوُّلًا مهمًا في إدارة الخلافات. ففي ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وتزايد احتمالات المواجهة مع إسرائيل، يبدو أنَّ الرياض وطهران توصّلتا إلى قناعة مشتركة: الاستقرار النسبي، حتى لو كان هشًا، أفضل من انزلاقٍ غير محسوب إلى مواجهةٍ مفتوحة.

في بيئة إقليمية تتسم بالتقلُّبات، قد يكون الحفاظ على هذا الخيط الرفيع من التواصل إنجازًا بحد ذاته — وخط دفاع أول ضد حرب لا يريدها أحد، لكن الجميع يستعدُّ لها.

Exit mobile version