رُغمَ التحوّلات السياسية العميقة التي شهدتها سوريا ولبنان في العام 2025، لم تنجح المرحلة الجديدة في تبديد الهواجس الأمنية المتبادلة. فالتسريبات الأخيرة أعادت فتح ملفات قديمة، وطرحت أسئلة محرجة حول حدود السيادة، والثقة، واستخدام الماضي كأداةٍ في صراعات الحاضر.
محمد فواز*
حمل العام 2025 تحوّلاتٍ سياسية كبرى في كلٍّ من سوريا ولبنان، أنهت عقودًا من توازُناتٍ اعتُبِرَت ثابتة. ففي سوريا، كان هذا أوَّلَ عامٍ يمرّ من دون وجود عائلة الأسد في الحكم منذ العام 1970، فيما شهد لبنان تبدُّلًا ملموسًا في ميزان القوى السياسية على حساب “حزب الله”. غير أنَّ هذه التحوّلات، على عمقها، لم تُتَرجَم حتى الآن استقرارًا فعليًا في أيٍّ من البلدين، بل فتحت مرحلةً جديدة تتداخلُ فيها الفرص مع المخاطر.
في الحالة السورية، يتركّزُ التحدّي الأبرز حول الحفاظ على وحدة الدولة وتثبيت الاستقرار الداخلي في مواجهةِ تهديداتٍ وجودية للنظام الجديد. ويبرزُ في هذا السياق هاجسُ احتمالِ تلاقي مصالح قوى مُتباينة—من “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) ذات الغالبية الكردية، إلى إسرائيل، مرورًا بجماعات معارضة داخل المجتمع السوري، ولا سيما في الأوساط الدرزية، إضافةً إلى بقايا النظام السابق وحلفائهم. وتتعاملُ دمشق مع هذه المخاطر بمنطقٍ حذر، مُدرِكةً أنَّ الانزلاقَ إلى مُواجهاتٍ مفتوحة قد يُطلقُ دوّاماتَ عنفٍ يصعبُ احتواؤها أو التحكُّم بمآلاتها.
ضمن هذا الإطار الأمني الأوسع، تتشكّلُ نظرةُ سوريا إلى لبنان. فعلى الرُغمِ من بقاءِ ملفّاتٍ عالقة، مثل قضية المحتجزين السوريين في السجون اللبنانية، في صلبِ الاهتمام الرسمي في دمشق، فإنها لا ترقى إلى مستوى التهديد البُنيوي الذي تُمثّله شبكاتُ النظام السابق، ولا سيما في حالِ تحوّل لبنان إلى قاعدةٍ لوجستية محتملة لنشاط هذه الشبكات.
في هذا السياق، وعلى الرُغم من تقارير إعلامية لبنانية تحدثت عن تحسّن في العلاقات السورية–اللبنانية، جاءت تسريباتٌ بثّتها قناة “الجزيرة” في أواخر كانون الأول (ديسمبر) لتَرسمَ صورةً مختلفة. فقد بثّت القناة القطرية ساعاتٍ من تسجيلاتٍ صوتية مُسرَّبة لشخصياتٍ بارزة من نظام الأسد السابق، قيلَ إنَّ بعضهم يُقيمُ في لبنان، وهم يناقشون خططًا لزعزعة الاستقرار في سوريا، ويتطرّقون إلى احتمالاتِ تنسيقٍ أو تواصل مع إسرائيل.
أثارت هذه التسريبات جُملةً من التساؤلات. فهل كان كشفُ شبكات النظام السابق نتيجةَ جهدٍ سوري صرف، أم أنه استندَ إلى دعمٍ تقني أو استخباري خارجي؟ ولماذا خرجت هذه المعلومات إلى العلن في هذا التوقيت بالذات، وهو أمرٌ نادرًا ما يكون عَرَضيًّا في عالم السياسة؟ وإلى أيِّ حدّ تحظى شخصيات النظام السابق بدعمٍ خارجي يُمكّنها من التفكير بعملياتٍ تهدفُ إلى تقويض النظام الناشئ في سوريا؟
في العُمق، لا يخرجُ سلوكُ شبكات النظام السابق عن نمطٍ مألوف في تجارب التحوُّل السياسي. فالقوى التي حكمت لعقود ثم أُُقصِيَت عن السلطة تسعى، بطبيعتها، إلى قلب المعادلة أو، في الحدّ الأدنى، إلى إضعاف شرعية من حلّوا مكانها. ومن هذا المنظور، فإنَّ ما كشفته التسريبات لا يبدو استثناءً أو مفاجأة بقدر ما يَعكِسُ ردَّ فعلٍ مُتوَقَّعًا من نُخَبٍ فقدت نفوذها ومكانتها.
في المقابل، لا توحي مضامين التسجيلات المُسَرَّبة بوجود تنظيمٍ مُتماسك، مُنضبِط، ومُكتَمِل الأدوات، قادر على التأثير الحاسم في مسار سوريا الجديدة. كما إنَّ الأحاديث المُتداوَلة لا تُشيرُ إلى رعايةٍ إقليمية أو دولية مُنظََّمة تقفُ خلفَ شبكات النظام السابق أو تُوَجِّهها. ويبدو أنَّ هذا الفراغ هو ما دفع شخصيات من حقبة الأسد إلى البحث عن قنواتٍ جديدة من تلقاء نفسها، وعلى رأسها محاولة فتح خطوط تواصُل مع إسرائيل، وهي نقطةٌ محورية في تقرير “الجزيرة”. غير أنَّ هذه المحاولات، كما تعكسها التسريبات، بدت في حدودها الأوَّلية، وكشفت—عند التدقيق—قدرًا من السذاجة السياسية والاستراتيجية أكثر مما كشفت عن مشروعٍ فعلي قابلٍ للحياة.
كان لتسريبات “الجزيرة” صدى يتجاوز الساحة السورية–اللبنانية، ليطال إسرائيل ضمن مشهد التنافسات الأوسع في المشرق العربي. فقد بعثت هذه التسريبات رسالةً واضحة مفادها أنَّ شبكات النظام السوري السابق تخضع لرقابةٍ لصيقة، وأنَّ أيَّ محاولة من أيِّ طرفٍ خارجي للتَواصُل معها أو توظيفها لن تبقى طيّ الكتمان. ويبدو أنَّ الهدفَ غير المُعلَن كان وَضعَ حدودٍ مُسبَقة أمامَ أيِّ مساعٍ إسرائيلية لاستثمار جماعاتٍ مُعارِضة للقيادة الحالية في دمشق.
وفي جوهرها، حملت التسريبات تحذيرًا أكثر عمومية: إنَّ استضافةَ فلول النظام السابق أو توفيرَ مظلّة حماية لهم—حتى من دون دعمٍ مباشر لنشاطاتهم—لم تعد مقبولة كما في السابق. وقد وُجِِّهَ هذا التحذير بصورةٍ خاصة إلى الدولة اللبنانية وبعض القوى السياسية فيها، في ظلِّ تقارير عن اجتماعاتٍ يُقال إنها ضمّت شخصيات من النظام السابق وعناصر معارضة أخرى على الأراضي اللبنانية. وفي هذا الإطار، ورُغمَ التراجُع الملحوظ في حدّة الخطاب السوري الرسمي تجاه إيران في الآونة الأخيرة، فإنَّ ذلك لا يعني تساهُلًا مع أيِّ محاولاتٍ لزعزعة الاستقرار في سوريا، سواء جاءت من أطرافٍ مُرتَبِطة بإيران أو بـ”حزب الله”.
على وَقعِ هذه التسريبات، سارع كلٌّ من بيروت ودمشق إلى احتواء التوتر المتصاعد. فحاول الجانب اللبناني طمأنةَ السوريين عبر مسارَين مُتوازيين. أوَّلًا، أكّد أنَّ ما ورد في التسريبات أُُخِذَ على محمل الجد في بيروت، وهو ما انعكسَ في تصريحاتٍ رسمية وإجراءاتٍ أمنية اتخذها الجيش اللبناني. وثانيًا، تجنّبت السلطات اللبنانية نفي تقرير “الجزيرة” بصورةٍ قاطعة، مع التشديد في الوقت نفسه على أنَّ مضمونه ينطوي على قدرٍ من المبالغة. وأوضحَ المسؤولون أنَّ وجودَ عددٍ محدود من شخصيات النظام السابق في لبنان—إن صحّ—لا يعني امتلاكهم وزنًا سياسيًا مؤثّرًا، كما نفوا حصولَ أيِّ اجتماعاتٍ أو عمليات تخطيط منظّمة من النوع الذي أشارت إليه التسريبات.
من منظور دمشق، بدا هذا الردّ اللبناني على الأرجح غير كافٍ، وربما جاء بنتائج عكسية. فقد يكون السوريون رَؤوا فيه محاولةً لاحتواء التداعيات إعلاميًا أكثر منه تعبيرًا عن استعدادٍ فعلي لاتخاذ إجراءاتٍ بحقّ شخصيات من النظام السابق. ويبدو أنَّ هذا الانطباع تعزّزَ لدى القيادة السورية بقناعتها بمصداقية التسريبات، إذ نادرًا ما تُنشَر مواد من هذا النوع من دون ضوءٍ أخضر رسمي، ولو غير مُعلَن. ووفق هذا الفهم، لم يكن مُتوقَّعًا أن يُبدّد الردُّ اللبناني شكوكَ دمشق، بل لعلّه عمَّقها، لا سيما في ظلِّ مواقف لبنانية داخلية بدت مُنسَجِمة مع القراءة السورية الرسمية.
في هذا السياق، جاء بيانٌ صادر عن شيخ بلدة راشيا ليزيد من حدّة هذه الشكوك. فقد أشار البيان إلى أنه أبلغ الجهات اللبنانية المختصة بأماكن وجود شخصيات من نظام الأسد السابق، موضِّحًا أنهم “يقيمون في مناطق مخصّصة لهم، وبين السكان، في شقق وفيلات مستأجرة جرى توفيرها لهم مع خدمات كاملة، بدعم من جمعيات لبنانية وعربية ودولية”. ولا شكّ أنَّ مثل هذا الكلام أسهم في ترسيخ الاعتقاد السوري بأنَّ القضية تتجاوز حالاتٍ فردية معزولة.
وترافَقَ ذلك مع تصاعُدِ الضغوط داخل لبنان نفسه. إذ دعا بعض البلديات في شمال البلاد إلى تدخُّلٍ مباشر من الدولة، فيما طالب أحد النواب بتشديد الإجراءات الأمنية واعتقال عناصر النظام السوري السابق. وزادَ المشهد تعقيدًا مقتل غسان نعسان السخني، وهو ضابط سابق في نظام الأسد، أخيرًا في إحدى القرى الجبلية اللبنانية. وقد فتح هذا الحادث الباب أمام فرضيات مقلقة، من بينها احتمال أن تكون جهات مقرّبة من القيادة السورية—أو تعمل بالنيابة عنها—قد بدأت بالتحرّك لتصفية حساباتها مع شخصيات من النظام السابق، في ظل غياب خطوات لبنانية حاسمة لمعالجة الملف.
تكشف هذه التطوّرات عن تآكل متسارع في منسوب الثقة بين بيروت ودمشق، وهو مسار مرشّح لأن يضع الدولة اللبنانية تحت مجهرِ تدقيقٍ متزايد، سواء في دمشق أو في العواصم المعنية بالملف السوري. وسيتركّز هذا التدقيق على كيفية إدارة لبنان لعلاقته مع سوريا، ولا سيما في ما يتصل بالاعتبارات الأمنية التي تراها دمشق جُزءًا من أمنها القومي، وانعكاسات ذلك على الاستقرار الداخلي اللبناني. وفي الوقت نفسه، سيُعيدُ هذا المسار فتحَ النقاش الخارجي حول مدى استمرار “حزب الله” في امتلاك نفوذ حاسم داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وقدرته على التأثير في قراراتها السيادية.
ورُغمََ نفي “حزب الله” أي دورٍ له في دعم أو تسهيل أنشطة شخصيات من عهد الأسد داخل سوريا، فإنَّ اتهاماتٍ لا تزالُ تُطرَحُ حول استضافته بعض هذه الشخصيات أو توفير بيئة تسمح لها بالتحرّك. غير أنَّ السؤال الأشد إلحاحًا يتجاوز مسألة النفي والإثبات: لماذا يؤوي لبنان—أو على الأقل جهات لبنانية بعينها—شخصيات من النظام السوري السابق في هذه المرحلة الحساسة، إن لم يكن تمهيدًا لاستخدامهم كورقة سياسية أو أمنية في وقتٍ لاحق؟
- محمّد فوّاز كاتب وصحافي لبناني.
