حَربُ الكهرباء: كيفَ تُعيدُ الصين تعريفَ الهَيمَنة الطاقِيّة في القرن الحادي والعشرين

لم تَعُد الهيمنة الطاقية تُقاسُ بعدد براميل النفط المُنتَجة، بل بالقدرة على تصنيع وتشغيل أنظمة الكهرباء التي تُغذّي الاقتصاد الرقمي العالمي. وبينما تراهن واشنطن على وفرة الوقود الأحفوري، تمضي بكين في ترسيخ نفوذها عبر الشبكات والمعادن والتقنيات التي سترسم ملامح القوة في العقود المقبلة.

الرئيس شي جين بينغ: تقليص اعتماد الصين على الصناعات التقليدية الثقيلة، ودفع البلاد إلى صدارة تقنيات الطاقة الجديدة.

كارولين كيسان*

على مدى العقدين الماضيين، شهدت خريطة الطاقة العالمية تحوُّلًا عميقًا أعادَ رَسمَ موازين القوة الاقتصادية والاستراتيجية. ففي مطلع الألفية، كانت الصين تُصنَّف بوصفها قوة صاعدة تُعاني هشاشةً بُنيوية في أمنها الطاقي، وتعتمد بدرجةٍ كبيرة على واردات النفط والغاز لتغذية نموّها الصناعي المتسارع. أما اليوم، فقد أصبحت بكين لاعبًا محوريًا في صياغة مستقبل الطاقة العالمي، بعدما نجحت في التمركز في قلب منظومة الطاقة النظيفة، إنتاجًا وتصنيعًا وتصديرًا.

لم تكتفِ الصين بتوسيع قدراتها في مجال الطاقة المتجددة، بل تحوّلت إلى أكبر منتج عالمي لتوربينات الرياح والألواح الشمسية، وأحكمت قبضتها على معظم حلقات سلاسل توريد البطاريات، من استخراج المعادن النادرة إلى التصنيع المُتقدّم. وفي قطاع النقل، تضخّ شركاتها سيارات كهربائية بأسعارٍ تنافسية تضغط بقوة على كبرى شركات السيارات الغربية، فيما تمضي قدمًا في بناء مفاعلات نووية بوتيرة متسارعة لتعزيز مزيجها الطاقي منخفض الكربون. اللافت أنَّ أيًّا من هذه التقنيات لم يُبتَكَر أصلًا في الصين، غير أنَّ براعتها الصناعية واستراتيجياتها طويلة الأمد مكّنتها من أن تُصبحَ صانعة السوق والفاعل المُهَيمن في كلٍّ منها. وبهذا المعنى، فإنَّ سيطرتها المتنامية على الأنظمة التي تمدّ الاقتصادات الحديثة بالكهرباء تضعها على مسارٍ واضح نحو ما يمكن تسميته “الهيمنة الطاقية” في القرن الحادي والعشرين.

غير أن هذا التعريف الواسع للهيمنة لا يحظى بإجماع في واشنطن. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يتبنّى فهمًا أكثر تقليدية للمفهوم، يربطه أساسًا بتعظيم إنتاج الوقود الأحفوري. فمنذ تداعيات أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، مرورًا بثورة النفط الصخري التي جعلت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز عالميًا في العقد الأول من الألفية، ترسّخ في الخطاب السياسي الأميركي أن التفوُّق الطاقي يُقاس بحجم البراميل والأقدام المكعبة المستخرجة من باطن الأرض. وانطلاقًا من هذا التصوُّر، ركّز ترامب على توسيع إنتاج النفط والغاز والفحم محلّيًا وفي نصف الكرة الغربي، وهو توجُّهٌ تجلّى في التحرّكات الأميركية الأخيرة في فنزويلا مطلع هذا العام. كما أنشأ، بموجب أمر تنفيذي في شباط (فبراير) 2025، مجلسًا وطنيًا لهيمنة الطاقة بهدف تعزيز صناعة الوقود الأحفوري، وإعادة تقييم موقع التقنيات النظيفة بين ما ينبغي دعمه وما يمكن الاستغناء عنه.

بين مقاربتين متباينتين —إحداهما ترى المستقبل في الكهرباء النظيفة وسلاسل الإمداد الصناعية، والأخرى تراه في وفرة الوقود الأحفوري— يتشكّلُ صراعٌ جديد على تعريف “الهيمنة الطاقية” وحدودها، وهو صراعٌ لا يقتصر على أسواق الطاقة فحسب، بل يمتد إلى جوهر التنافس الجيوسياسي في العقود المقبلة.

غير أنَّ هذا التصور التقليدي للهيمنة الطاقية يبدو اليوم أقرب إلى إرثٍ من زمنٍ مضى. فالاقتصادُ العالمي يدخل مرحلةً تتزايد فيها مركزية الكهرباء بوصفها عصب النمو والتنافس. الطلب العالمي عليها يتصاعد باطراد، ومن المرجح أن يتسارَعَ أكثر مع اندفاع الاقتصادات الكبرى نحو كهربة النقل والصناعة والمساكن. ومع الطفرة المتلاحقة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي، وتوسّع مراكز البيانات والتصنيع المتقدم الذي يُغذّيها، تصبح الاقتصادات الحديثة أكثر اعتمادًا على إمدادات كهرباء مستقرّة ووفيرة مما كانت عليه في أي وقت مضى.

حتى العقيدة العسكرية تشهد تحوُّلًا يعكس هذا المسار؛ إذ تتراجع مركزية المنصّات الثقيلة المستهلكة للوقود، مثل الطائرات المقاتلة التقليدية وحاملات الطائرات، لصالح الطائرات المسيّرة والمركبات غير المأهولة تحت الماء العاملة بالبطاريات، فضلًا عن تصاعد أهمية الحرب الإلكترونية كثيفة البيانات. صحيح أنَّ الطلب العالمي على النفط لا يزال ينمو، لكن التوقّعات تشيرُ إلى أنه سيبلغ ذروته أو يستقر في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، مع تحسُّن الكفاءة وإعادة تشكيل أنماط الاستهلاك بفعل التوسُّع في استخدام الكهرباء.

في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة في موقعٍ ملتبس. فهي لا تزالُ تعتمد بدرجةٍ كبيرة على مواردها المحلّية، ويشكّل الغاز الطبيعي العمود الفقري لتوليد الكهرباء فيها، كما يُنتظر أن يزوّدَ معظم مراكز البيانات الأميركية بالطاقة. غير أنَّ تزايد الطلب على الكهرباء يُغيّرُ قواعد اللعبة: فالهيمنة لم تَعُد تُقاس فقط بما يختزنه باطن الأرض من هيدروكربونات، بل بما تملكه الدول من بنية تحتية قادرة على توليد الكهرباء ونقلها وتخزينها بكفاءة—من التوربينات وخطوط النقل والمحوّلات إلى أنظمة الربط الشبكي. والمفارقة أنَّ جُزءًا كبيرًا من هذه المنظومة يُبنى اليوم على تكنولوجيا صينية.

لقد بدأت أوجه القصور في البنية التحتية الكهربائية الأميركية تُلقي بظلالها على سباق واشنطن نحو الذكاء الاصطناعي العام، وتُعمّق اعتمادها على سلاسل توريد تهيمن عليها بكين، سواء في معدّات الشبكات أو الألواح الشمسية أو أنظمة التخزين. وهنا يتضح أنَّ معركة التفوُّق التكنولوجي لا تنفصل عن معركة البنية التحتية للطاقة.

في المقابل، أمضت بكين ما يقارب عقدَين في التحضير لهذا التحوّل البُنيوي. فقد تعاملت مع الطاقة والكهرباء باعتبارهما ركنًا من أركان القوة الوطنية الشاملة، لا مجرد قطاع صناعي أو ملفًّا بيئيًا ضيِّقًا. وصاغت استراتيجية طويلة الأمد تمزج بين التصنيع واسع النطاق، والابتكار التكنولوجي، واعتبارات الأمن القومي، تحت مَبدَإٍ توجيهي واضح: بناء قدرات محلية متكاملة وتقليص الاعتماد على الخارج.

اليوم، لا تعني هيمنة الصين على مصادر الطاقة المتجددة مجرَّد تفوُّق صناعي، بل تمنحها نفوذًا متزايدًا على مسارات الكهرباء والبنية التحتية والتنمية الصناعية في أنحاء واسعة من العالم، ولا سيما في بلدان “الجنوب العالمي”. وهي في الوقت ذاته تعكس قراءة استراتيجية أعمق لمسار الاقتصاد الدولي في عصرٍ يصبح فيه الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي محدِّدين أساسيين للقوة الاقتصادية والقدرة التنافسية. وبذلك، لا تبدو المنافسة بين واشنطن وبكين صراعًا على موارد تقليدية فحسب، بل مواجهة على تعريف المستقبل الطاقي والتكنولوجي للعالم.

إنَّ الصعود الصيني في مجال الطاقة، بسماته الصناعية والتكنولوجية المتشابكة، لا يُعَدُّ تطوُّرًا هامشيًا في حسابات القوة الأميركية، بل يمسُّ جوهرها. فهذه التقنيات—من البطاريات المتقدمة إلى معدات الشبكات ومعالجة المعادن النادرة—ليست مجرد أدوات لإنتاج الكهرباء، بل مكونات أساسية في معادلة التفوُّق العسكري والاقتصادي في القرن الحادي والعشرين. وقد أظهرت بكين بالفعل استعدادها لاستخدام موقعها في سلاسل توريد المعادن والتقنيات الحساسة كورقة ضغط في مواجهة واشنطن، ما يُضفي على هيمنتها بُعدًا جيوسياسيًا مباشرًا.

إلى جانب ذلك، تُحدد الصين اليوم وتيرة نشر أنظمة الطاقة النظيفة عالميًا، وأسعارها، وحجمها، واتجاه تنويعها بعيدًا من النفط. فهي ليست “لا غنى عنها” لأن البدائل معدومة، بل لأنَّ قلة من المنافسين تمتلك القدرة الصناعية والتمويلية وسرعة التنفيذ التي تمكّنها من مجاراتها. وهكذا، أصبح حضورها في اقتصاد الطاقة العالمي بُنيويًا، لا يمكن تجاوزه بسهولة في أيِّ معادلة للتحوُّل الكهربائي العالمي.

فالنفوذ في عالم الطاقة لم يعد حكرًا على مَن يستخرجون الموارد من باطن الأرض، بل بات يشمل من يبنون الأنظمة، ويُموّلونها، ويضعون معاييرها، ويدمجون مكوّناتها، ويوسّعون نطاقها عبر الحدود. ووفق هذا التعريف الأوسع، تبدو الصين—لا الولايات المتحدة—الأكثر نجاحًا في تطبيق سياسة هيمنة طاقية متكاملة. صحيح أنَّ واشنطن تملك رأس المال، والموارد الطبيعية، وقاعدة تكنولوجية متقدّمة تؤهلها لقيادة ثورة الكهرباء والبنية التحتية، غير أنَّ تركيزها المُفرِط على تعظيم صادرات الوقود الأحفوري، على حساب تطوير منظومات الطاقة الشاملة، يضعف موقعها في سباق يتجاوز البراميل إلى الشبكات.

قوة عالمية عظمى

منذ تولي شي جين بينغ السلطة عام 2012، تبنّى رؤيةً واضحة لتقليص اعتماد الصين على الصناعات التقليدية الثقيلة، ودفع البلاد إلى صدارة تقنيات الطاقة الجديدة. ولم يكن هذا التحوُّل مدفوعًا باعتباراتٍ بيئية فحسب، بل ارتبط بحساباتٍ استراتيجية أعمق. فقد أشارت الباحثة الأميركية إيمي مايرز جافي، في مقال نشرته مجلة “فورين أفّيرز” (Foreign Affairs) عام 2018، إلى أنَّ اندفاعة الصين نحو الطاقة النظيفة شكّلت في جوهرها محاولة لتقليل تعرُّضها لنفوذ الولايات المتحدة في أسواق النفط والغاز، وللهيمنة البحرية الأميركية على الممرات الحيوية في الشرق الأوسط.

ما بدأ كسياسة تحوُّط لحماية النمو الصيني من الصدمات الخارجية، تحوّل تدريجًا إلى رافعة للنجاح الاقتصادي وتعزيز النفوذ الاستراتيجي. فتنويع مصادر الطاقة، وتوطين سلاسل القيمة، والاستثمار الكثيف في البحث والتطوير، لم تقلّص فقط نقاط الضعف البنيوية، بل خلقت قطاعات تصديرية ذات قيمة مضافة عالية عززت مكانة الصين في الاقتصاد العالمي.

غالبًا ما يُختَزَلُ هذا النجاح في عاملين: ضخامة الإنتاج والدعم الحكومي السخي. ولا شك أنَّ إغراق الأسواق العالمية بتوربينات الرياح والألواح الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية بأسعارٍ تنافسية شكّل عاملًا حاسمًا في ترسيخ الحضور الصيني. غير أنَّ هذا التفسير يبقى قاصرًا إذا تجاهل البُعد الأهم: التماسُك الاستراتيجي. فقد عملت بكين على دمج هذه الصناعات ضمن منظومة متكاملة بإحكام—نظام بيئي صناعي وتكنولوجي يربط بين التعدين، والتصنيع، والتمويل، والمعايير التقنية—بما يُمكّنها ليس فقط من المنافسة، بل من وضع القواعد التي تعمل وفقها السوق العالمية نفسها.

أدركت بكين مُبكِرًا أن تقنيات الكهرباء تمنح ميزةً لا تتوافر في الهيدروكربونات المُوزَّعة جغرافيًا بطبيعتها. فبينما يرتبط النفط والغاز بمواقع استخراج محددة، يمكن إعادة تشكيل منظومة الكهرباء صناعيًا عبر التحكُّم في سلاسل القيمة. ومن هذا المنطلق، عملت الصين على توطين تصنيع المواد الخام، والمكوّنات الوسيطة، والمنتجات النهائية ضمن نطاقات جغرافية متقاربة—غالبًا على بُعد ساعات قليلة من بعضها البعض. هذه الكثافة في سلاسل التوريد خفّضت التكاليف، وسرّعت وتيرة الإنتاج، ومنحت الشركات الصينية تفوُّقًا حاسمًا في السرعة والسعر.

والمفارقة أنَّ مطوّري مراكز البيانات الكبرى في الولايات المتحدة يحاولون اليوم استنساخ نموذج مشابه، عبر إنشاء أنظمة متكاملة رأسيًّا للطاقة والبنية التحتية، مُتقاربة جغرافيًا لتقليل زمن التنفيذ وكلفة التشغيل. غير أنَّ ما تسعى إليه شركات منفردة في السوق الأميركية، كان في الصين ثمرة تخطيط إقليمي متعمّد، واستثمارات مستدامة في البنية التحتية، واستعداد لتحمّل فائض في الطاقة الإنتاجية انطلاقًا من قناعة بوجود سوق عالمية ضخمة تتجاوز الحدود الوطنية.

لقد تعاملت بكين مع تصنيع الطاقة النظيفة بوصفه صناعة استراتيجية، لا قطاعًا تجاريًا عاديًا. فوفّرت الدعم المالي، ووجّهت رؤوس الأموال نحو البحث العلمي، والمجمّعات الصناعية، وتحديث شبكات الكهرباء، وتنمية القوى العاملة. وتوسّع الابتكار بالتوازي مع التوسُّع في الإنتاج، ما أتاحَ انتقال التقنيات الجديدة بسرعة من المختبر إلى خطوط التصنيع. كانت المنافسة بين الشركات شرسة، وفشلت تجارب عديدة، وحدثت موجات اندماج قاسية أعادت تشكيل السوق. لكن المحصلة كانت نظامًا بيئيًا أكثر صلابة وقدرة على المنافسة عالميًا.

تصدير النفوذ

حَوّلَ هذا النموذج، القائم على الكثافة الصناعية والتكامل، الانتشار المحلي إلى رافعةِ نفوذٍ عالمي. فالتوسُّع الهائل داخل الصين خفّض التكاليف محلّيًا، بينما ضمنت القدرة التصديرية إيصال التكنولوجيا إلى أسواق تشهد نموًّا سريعًا في الطلب وتُعاني نقصًا في رأس المال. وعلى مدى عقد من الزمن، استطاعت الصين توفير تقنيات طاقة نظيفة مُنخفضة التكلفة وسريعة النشر على نطاق يصعب مجاراته: فالألواح الشمسية الصينية تقل تكلفتها بنحو 30 إلى 40 في المئة عن نظيراتها الغربية، فيما تُباع السيارات الكهربائية الصينية بنحو نصف سعر مثيلاتها الأميركية أو الأوروبية.

هذا الفارق السعري جعل التكنولوجيا الصينية خيارًا جذّابًا لعددٍ كبير من دول العالم النامي، حيث تسعى الحكومات إلى حلولٍ عملية وفورية لتأمين طاقة موثوقة وبأسعار معقولة، بدلًا من الاكتفاء بتعهدات بعيدة المدى. وقد تعزز هذا التوجه عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، الذي فجّر أزمةً في أسواق الغاز العالمية وكشفَ هشاشة الاعتماد المُفرِط على الوقود الأحفوري. شهدت دول مثل الهند وباكستان وسريلانكا انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي وارتفاعًا حادًا في تكاليف الطاقة، ما جعل اللجوء إلى الألواح الشمسية المصنّعة في الصين خيارًا منطقيًا وسريع التنفيذ. وبمجرّد تركيب هذه الأنظمة، أصبحت الطاقة الشمسية مصدرًا محلّيًا مستقرًّا من حيث الكلفة والإمداد، يقلّص التعرض لصدمات الأسواق العالمية ويعيد رسم معادلة الأمن الطاقي في تلك البلدان.

لم تكتفِ الصين بتصدير مكوّنات منفردة ضمن سلاسل القيمة العالمية، بل انتقلت إلى مستوى أعلى من التكامل، عبر تقديم أنظمة طاقة شاملة تشمل التوليد والنقل والتخزين وتحديث الشبكات، وغالبًا ما تقترن بحزم تمويل وصيانة طويلة الأجل. ففي كينيا، شيدت شركات صينية مزارع للطاقة الشمسية ووسّعت شبكات الكهرباء الوطنية. وفي باكستان، تنتج الألواح الشمسية الصينية جيغاوات من الطاقة المتجددة ضمن مشروعات واسعة النطاق. أما في أميركا اللاتينية، فتشارك الشركات الصينية في تحديث شبكات النقل، وتمتلك أو تُشغّل بالفعل أكثر من عشرة في المئة من البنية التحتية للكهرباء في البرازيل، مع حضور متنامٍ في مناطق أخرى من “الجنوب العالمي”.

النتيجة لا تقتصر على ريادة في مجال الطاقة النظيفة، بل تتجاوزها إلى نفوذٍ ملموس على مسار انتشار الكهرباء عالميًا—من تحديد المعايير التقنية إلى التأثير في خيارات التمويل وأنماط الاعتماد طويل الأمد. فحين ترتبط البنية التحتية الحيوية بعقود تشغيل وصيانة وتمويل ممتد، يتحول المورّد إلى شريك دائم في صياغة السياسات الطاقية للدول المستفيدة.

هذا النجاح دفع بكين إلى تقنين مقاربتها الشاملة عبر اعتماد قانون طاقة جديد في أواخر العام 2024. وعلى خلاف التشريعات السابقة التي نظّمت قطاعات منفصلة—كالفحم والنفط والغاز والطاقة النووية والمتجددة—يتعامل القانون الجديد مع الطاقة كمجال استراتيجي موحّد. بات أمن الطاقة، والتنمية الصناعية، والابتكار التكنولوجي، وهيكل السوق تُعالج ضمن إطار قانوني وسياسي متكامل، تتولى فيه السلطات المركزية تنسيق التخطيط، وتنظيم التقنيات الناشئة، ومواءمة الأهداف الصناعية مع متطلبات الأمن القومي.

والأهم أنَّ الفلسفة الحاكمة لهذا الإطار تقومُ على التوسّع لا الإحلال. فبينما يسرّع القانون نشر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية والهيدروجين وأنظمة التخزين، فإنه يؤكد في الوقت ذاته استمرار أهمية الوقود الأحفوري. لا يُنظر إلى الفحم والنفط والغاز كإرثٍ ينبغي التخلص منه سريعًا، بل كأساسٍ يجب تحسينه وتعزيز مرونته. لذلك يحظى توسيع الشبكات وتحديثها بأولوية وطنية لبناء قدرات قادرة على امتصاص الصدمات، ويُعترف بدور الفحم في استقرار النظام الكهربائي، مع دعم استكشاف النفط والغاز لتقليص المخاطر الخارجية. هذا التعايش ليس تناقضًا بقدر ما هو تصميم متعمّد لنظام طاقة متعدد الركائز، يدعم النمو الصناعي ويشغّل التقنيات الجديدة ويمنح الصين أفضلية تنافسية في بيئة عالمية مضطربة.

“وات” سيكون التالي

بحلول العام 2025، أصبحت نتائج هذه الاستراتيجية أكثر وضوحًا. فقد أعادت التوترات التجارية المتجددة مع بكين تذكير واشنطن بمدى اعتماد الصناعات الأميركية—من الدفاع إلى التصنيع المتقدم—على سلاسل توريد صينية للمعادن الحيوية وتقنيات الطاقة، وبمدى هشاشة هذه الاختناقات المحتملة. ومع ذلك، أمضت الولايات المتحدة جُزءًا كبيرًا من العام تحتفي بارتفاع صادراتها من النفط والغاز تحت شعار “الهيمنة على الطاقة”.

غير أن وفرة المعروض العالمي ضغطت على أسعار النفط الخام، ما أتاح للصين تكوين احتياطيات كبيرة بكلفة منخفضة. وفي سوق تُعاني فائضًا في الإنتاج، تحمي قاعدة الاستيراد المتنوعة لبكين ومخزوناتها المتراكمة اقتصادها من الاضطرابات المحتملة، بما في ذلك أي فقدان للإمدادات من فنزويلا أو غيرها. وهكذا، بينما تُقاس الهيمنة في الخطاب التقليدي بعدد البراميل المصدّرة، تبدو بكين وكأنها تراكم عناصر قوة أكثر تعقيدًا—قوة لا تُختزل في مورد واحد، بل تمتد عبر الشبكات والمعايير والقدرات الصناعية التي ستحدد شكل النظام الطاقي العالمي في العقود المقبلة.

كما تعكسه خطتها الخمسية الأخيرة، تمضي بكين في توسيع نطاق استراتيجيتها الصناعية المنسّقة مركزيًا—التي كانت وراء صعودها في تصنيع الطاقة النظيفة—لتشمل قطاعات ناشئة مثل المركبات ذاتية القيادة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات. الهدف لم يعد مجرّد اللحاق بالركب، بل تثبيت موطئ قدم قيادي عبر دمج تقنيات الجيل المقبل في سلاسل التوريد المحلية وتوسيعها على نطاق واسع قبل أن يتمكّن المنافسون من مجاراتها. إنها المقاربة ذاتها: احتضان مبكر، تصنيع كثيف، ثم فرض معايير السوق.

ستظل الولايات المتحدة تستفيد لعقود من موقعها كمورّدٍ رئيس للنفط والغاز، غير أنَّ معادلة القوة التكنولوجية تتحوُّل في اتجاهٍ آخر. فبينما لا تزال الشركات الأميركية تتصدّر تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتصميم الرقائق المتقدّمة، فإنَّ توسيعَ نطاق هذه الإنجازات يعتمد على بُنيةٍ كهربائية وطنية تعاني التجزُّؤ والتقادم والصراعات التنظيمية. تمتلك واشنطن الموارد الطبيعية، ورأس المال، والقدرة الابتكارية اللازمة للمنافسة، لكن الاستقطاب السياسي أعاق بلورة استراتيجية صناعية متماسكة تربط بين الطاقة، والمعادن الحيوية، والتصنيع المتقدّم.

قبل أن تضيق نافذة الفرص، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة صياغة سياسات الطاقة والمعادن الحيوية الأميركية بحيث تتمحور حول التكامل والابتكار، لا الاستخراج الخام وحده. فالرهان الأكثر جدوى لا يكمن في تعظيم إنتاج الوقود الأحفوري فحسب، بل في اغتنام الفرص عبر طيف واسع يشمل النفط والغاز الطبيعي والطاقة النووية والطاقة المتجددة والبطاريات—أي بناء منظومة طاقة متعددة الركائز قادرة على دعم الاقتصاد الرقمي والصناعات المستقبلية.

ومع ذلك، منح “المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة”، الذي أنشأه دونالد ترامب، أولوية لنفوذٍ تصديري قصير الأجل في مجال الهيدروكربونات على حساب الريادة التكنولوجية بعيدة المدى. ورُغمَ استمرار دعمه للطاقة الحرارية الأرضية والطاقة النووية المتقدمة وابتكارات البطاريات، فإنه قلّص الدعم الفيدرالي لنشر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاقٍ واسع، وحوافز السيارات الكهربائية، وتحديث شبكات الكهرباء—وهي القطاعات التي تقود التحول العالمي نحو الكهرباء. وبتقييد حجم هذه الصناعات ونطاقها، تخاطر الولايات المتحدة بإضعاف موقعها في سباق تتقاطع فيه أنظمة الطاقة مع التصنيع والذكاء الاصطناعي في مسار واحد متداخل.

إنَّ استعادة التفوق التكنولوجي الأميركي تتطلب اقتران الثروة الطبيعية باستثمار مستدام في الابتكار، والتصنيع المحلي، وبناء شراكات دولية تعزز سلاسل التوريد البديلة. المفارقة أنَّ الإدارة الأكثر صخبًا في تبنّي شعار “الهيمنة على الطاقة” قد تكون بسياساتها الحالية أقل قدرة على تحقيقه. فعندما يُختزل مفهوم الهيمنة في الوقود الأحفوري، وتُهمَّش التقنيات التي تُكهرب الاقتصادات الحديثة، فإنَّ واشنطن تتنازل عن الأرضية التي تُبنى عليها قوة القرن الحادي والعشرين. في النهاية، لن تكونَ الهيمنة لمَن يُنتِج الوقود فحسب، بل لمَن يستطيع توفير الكهرباء التي تُشغّل الاقتصادات—والبنية التحتية التي تجعل هذا التشغيل مُمكنًا ومُستدامًا.

Exit mobile version