كابي طبراني*
لم يَكُن توصيف وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري لسلوك روسيا في القرم عام 2014 بأنه “ينتمي إلى القرن التاسع عشر” مُجرَّدَ عبارةٍ عابرة، بل إدانة كاملة لمنطق القوة الذي يقوم على التوسُّع وفَرضِ الأمر الواقع. غير أنَّ المفارقة اليوم أنَّ السياسة الخارجية الأميركية نفسها تبدو وكأنها تستعيدُ ذلك المنطق، لا بوصفه خطأً تاريخيًا، بل كخيارٍ استراتيجي. فما يجري في فنزويلا، وما قيل عن غرينلاند، وبنما، بل وحتى كندا، لا يُمكِنُ قراءته بمعزلٍ عن عودةٍ أميركية واضحة إلى عقلية العام 1898، حين دخلت الولايات المتحدة عصر الإمبراطورية بثقةٍ مُفرِطة وإحساسٍ برسالةٍ عالمية.
عام 1898 شكّلَ نقطةَ تحوُّلٍ حاسمة في تاريخ الولايات المتحدة. ففي ذلك العام، لم تكتفِ واشنطن بإسقاط إمبراطورية إسبانيا، بل أعادت تعريفَ مفهومها للقوّة والأمن. لم يَعُد الأمنُ يعني حماية الحدود فقط، بل أصبحَ مزيجًا من الاقتصادِ القوي، والسيطرة الجغرافية، ونَشرِ ما اعتُبِرَ آنذاك “حضارة” مُتفوِّقة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الولايات المتحدة تَنظُرُ إلى العالم بوصفه فضاءً مفتوحًا لتوسيع النفوذ، لا مجرَّدَ نظامٍ دولي مُتوازِن.
اليوم، تعود هذه الرؤية بثوبٍ جديد. فالاقتصادُ يحتلُّ موقعًا مركزيًا في التفكير الأمني الأميركي. إعادةُ التصنيع، والحمائية التجارية، وتقليص الاعتماد على الخارج، كُلُّها سياساتٌ تُقدََّمُ باعتبارها أدوات أمن قومي، تمامًا كما كان الحال في نهاية القرن التاسع عشر حين كان الخوفُ من الكساد الاقتصادي يوازي الخوف من الحرب. غير أنَّ اللافتَ أنَّ هذا المنطق الاقتصادي لم يبقَ محصورًا في التجارة، بل تمدّد ليطال الأرض ذاتها.
هنا تبرز مسألة الجغرافيا. فبدلًا من الاكتفاء بالنفوذ غير المباشر، عاد الحديث الأميركي عن السيطرة المباشرة أو شبه المباشرة على أراضٍ بعينها. غرينلاند ليست مجرّدَ جزيرةٍ قطبية، بل موقعٌ استراتيجي غنيٌّ بالمعادن، ومفتاحٌ لطرقٍ تجارية جديدة مع تغيُّرِ المناخ. بَنَما ليست مجرد دولة صغيرة، بل عقدة جغرافية حيوية للتجارة العالمية. حتى الإشارات إلى كندا، وإن بدت أقرب إلى الاستفزاز السياسي، تَعكِسُ ذُهنيّةً ترى في الجوار الجغرافي مجالًا طبيعيًا لإعادة الترتيب والهَيمنة.
في هذا السياق، لا تبدو فنزويلا استثناءً، بل جُزءًا من نمطٍ أوسع. فهي دولةٌ غنية بالموارد، قريبة جغرافيًا، وتُعاني من أزمةٍ سياسية عميقة. لذلك، تصبح في التصوُّر الأميركي نموذجًا مثاليًا لتجريب منطق “الإدارة المؤقتة” أو “الوصاية الانتقالية”. المشكلة أنَّ هذا المنطق ليس جديدًا، وقد جُرِِّبَ مرارًا في التاريخ، وكانت نتائجه غالبًا كارثيّة.
الأخطر من الاقتصاد والجغرافيا هو عودة مفهوم “الحضارة” كأداةِ تفسيرٍ وتبرير. ففي نهاية القرن التاسع عشر، كان العالمُ يُقسَّمُ إلى شعوب “قادِرة” على الحُكم وأُخرى “غير مُؤهَّلة”، ويُفتَرَضُ أنَّ الأولى تتحمّلُ مسؤوليةَ إدارةِ الثانية. هذا المنطق، الذي غُلِّفَ آنذاك بلغةٍ أخلاقية، هو ما برَّرَ الاحتلالَ والتدخُّل تحت شعار نشر النظام والتقدُّم.
اليوم، يعودُ الخطابُ نفسه بلغةٍ مختلفة. فالدولُ التي تُعاني من أزماتٍ داخلية تُقدََّمُ باعتبارها عاجزةً عن الحكم الذاتي، ما يفتحُ البابَ أمامَ التدخُّل الخارجي بوصفه “ضرورة”. هذا التفكيرُ لا يقتصرُ على فنزويلا، بل ينسحبُ على نظرةٍ أوسع للعالم، ترى أنَّ الاستقرارَ لا يتحقَّق إلّا بإشراف القوى الكبرى، وأنَّ السيادةَ مسألةٌ مَشروطة بالكفاءة.
لكنَّ التاريخَ يُقدِّمُ تحذيرًا واضحًا. فالتدخُّلُ لا يبقى محدودًا، والوصايةُ لا تكونُ مؤقتة كما يُرَوََّجُ لها. تجربةُ الفلبين بعد 1898 مثالٌ صارخ: تدخٌّلٌ بدأ بحُسنِ نيّة مُعلَنة، وانتهى بحربٍ طويلة، وخسائر بشرية هائلة، وتورُّطٍ استمرَّ لعقود. السببُ لم يكن فقط المقاومة المحلية، بل ما يُمكِنُ تسميته “فخّ التدخُّل”: حين تتورّطُ قوةٌ كبرى في بلدٍ ما، تبدأ في اعتبارِ كلِّ تفصيلٍ داخلي فيه مسألةً تمسُّ أمنها القومي، فيصبح الانسحاب مُكلفًا سياسيًا، والاستمرار خيارًا مفروضًا.
هذه الديناميكية يجب أن تهمّ العالم العربي بشكلٍ خاص. فالمنطقُ الذي يُستَخدَمُ اليوم لتبرير التدخُّل في فنزويلا أو التفكير في غرينلاند هو نفسه الذي استُخدِمَ تاريخيًا في الشرق الأوسط، تحت عناوين مختلفة: حماية الاستقرار، منع الفوضى، أو نشر القيم. وفي كلِّ مرة، كانت النتيجة مزيدًا من التعقيد، لا الحلول.
العودة الأميركية إلى عقلية 1898 قد تمنحُ صانعي القرار شعورًا بالقوة والسيطرة، لكنها تحملُ في طيّاتها مخاطرَ تورُّطٍ طويل الأمد، ليس فقط للولايات المتحدة، بل للمناطق التي تُدرَجُ فجأةً ضمن خرائط “الأهمية الاستراتيجية”. أما الدرس الأهم، فهو أنَّ التاريخ لا يُعيدُ نفسه حرفيًا، لكنه يُعاقِبُ مَن يتجاهلُ منطقه. وفي عالم اليوم، حيث تتداخل الجغرافيا بالاقتصاد، وتُستدعى “الحضارة” لتبرير القوة، يُصبحُ الوعي بهذه العودة ضرورةً، لا خيارًا
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
