كابي طبراني*
الانخفاضُ الحاد الأخير في سعر عملة ال”بيتكوين” لم يَكُن مجرَّدَ تصحيحٍ تقني عابر، بل لحظة كاشفة أعادت طرحَ سؤالٍ جوهري: هل يُمكِنُ للسياسة أن تُرَوِّضَ أصلًا وُلد خارج حدود الدول؟
فبعد أن لامست “بيتكوين” مستوياتٍ قياسية قاربت 126 ألف دولار، تراجعت أخيرًا إلى حدود 69 ألفًا، بخسارة تُقاربُ 45% من الذروة. وخلال أشهرٍ قليلة، تبخّرَ ما يزيدُ على تريليوني دولار من القيمة السوقية الإجمالية للعملات الرقمية عالميًا، بعد أن كانت قد تجاوزت 4 تريليونات دولار في أوجها. هذه الأرقام وحدها تكفي لتفسير حالة القلق التي تسود أوساط المستثمرين، بما في ذلك في العالم العربي والخليج حيث يتنامى الاهتمام بالأصول الرقمية.
لكنَّ الهبوطَ الحالي يحملُ بُعدًا سياسيًا إضافيًا.
خلال حملته الانتخابية، تعهّد دونالد ترامب بجعل الولايات المتحدة “عاصمة الكريبتو في العالم”. ومع صعود الأسعار بعد الانتخابات، سارع إلى تبنّي الفضل في الطفرة، في إشارةٍ إلى أنَّ الغطاءَ السياسي والدَعمَ التنظيمي يُمكنُ أن يُشكِّلا مظلّةَ أمانٍ للسوق. كما عززت إدارته نهجًا أكثر ودًّا تجاه القطاع، سواء عبر دعم أُطُرٍ تنظيمية جديدة أو من خلال حضور شخصيات مؤيّدة للعملات الرقمية في مواقع القرار.
إلّا أنَّ ما يجري اليوم يُبرِزُ حدودَ هذا الرهان. فمهما بلغ وزن الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي، تظلُّ “بيتكوين” سوقًا عابرة للحدود. التداول يتمُّ على مدار الساعة، والسيولة تنتقل بين نيويورك وسنغافورة وهونغ كونغ ودبي ولندن في ثوانٍ. ما يحدثُ في السياسة النقدية الأميركية، أو في الاقتصاد الصيني، أو في أسواق الأسهم الأوروبية، ينعكسُ فورًا على شهية المخاطرة عالميًا—ومن ثمَّ على أسعار العملات الرقمية.
منذ إطلاقها عام 2009 على يد الشخصية الغامضة ساتوشي ناكاموتو، عُرِفَت “بيتكوين” بدوراتِ صعودٍ وهبوط حادة. في 2017 ارتفعت إلى نحو 20 ألف دولار ثم فقدت أكثر من 80% من قيمتها خلال عام. في 2021 بلغت قرابة 69 ألفًا، قبل أن تهبطَ في 2022 إلى ما دون 16 ألفًا بعد انهيار منظومة “تيرا” وسقوط منصة “FTX” بقيادة سام بانكمان-فرايد. كلُّ دورةٍ حملت سرديتها الخاصة، لكنَّ القاسمَ المُشترك كان التقلّب الحاد.
الجديدُ في الدورة الأخيرة هو عُمقُ المشاركة المؤسّسية. دخولُ صناديق متداولة في البورصة (ETFs) مُرتبطة ب”بيتكوين” جَذَبَ عشرات المليارات من الدولارات خلال فترة قصيرة. شركة “بلاك روك” (BlackRock)، التي تدير أصولًا بأكثر من 9 تريليونات دولار، أطلقت صندوقًا ل”بيتكوين” شهدَ نموًّا سريعًا في الأصول المُدارة. هذا التطوُّرُ منحَ السوق قدرًا أكبر من الشرعية، لكنه ربطها في الوقت ذاته بالأسواق التقليدية.
فخلال العامين الماضيين، ارتفع الارتباط بين “بيتكوين” وأسهم التكنولوجيا، خصوصًا مؤشر “ناسداك”. وعندما تتراجعُ أسهُمُ النمو بفعل ارتفاع أسعار الفائدة أو تباطؤ الاقتصاد العالمي، تَميلُ العملات الرقمية إلى التراجع معها. بمعنى آخر، لم تَعُد “بيتكوين” تتحرّكُ بمعزلٍ عن النظام المالي، بل أصبحت جُزءًا من منظومةِ الأصولِ عالية المخاطر التي تتأثّرُ بالسيولة العالمية.
بالنسبة إلى المستثمرين في الخليج، حيث تتقاطَعُ وفرة السيولة مع طموحات التحوُّل الرقمي، فإنَّ الهبوطَ الأخير يَفرضُ قراءةً هادئة للأرقام. تُشيرُ تقارير دولية إلى أنَّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتت من أسرع المناطق نموًّا في تبنّي العملات الرقمية، مع تدفُّقاتٍ سنوية تُقدَّرُ بمليارات الدولارات. دولة الإمارات العربية المتحدة رَسّخت مكانتها كمركزٍ إقليمي عبرَ أُطُرٍ تنظيميّة واضحة نسبيًا، فيما يتزايدُ اهتمامُ المستثمرين الأفراد والمؤسّسات في المملكة العربية السعودية، وقطر، والبحرين، والكويت.
لكنَّ هذا الانخراطَ لا يُوفّرُ حصانةً من تقلُّبات السوق العالمية. فعندما تنخفض القيمة السوقية الإجمالية للعملات الرقمية بتريليونات الدولارات، يتأثّرُ المستثمر العربي كما يتأثّرُ غيره. صحيح أنَّ المعروضَ من “بيتكوين” محدودٌ بـ21 مليون وحدة -وقد تمَّ تعدين حوالي 19 مليونًا- لكنَّ الندرةَ لا تَمنعُ موجات البيع الجماعي عندما تتبدّلُ التوقّعات.
المُفارقة أنَّ “بيتكوين” وُلِدَت بوصفها بديلًا من النظام المالي التقليدي بعد أزمة 2008، لكنها اليوم أكثر اندماجًا فيه من أيِّ وقتٍ مضى. صناديقُ استثمار، شركاتٌ مُدرَجة تحتفظُ بها في ميزانياتها، ومُنتَجات مالية مُنَظَّمة – كلُّها تجعلها أقرب إلى أصلٍ مالي تقليدي عالي المخاطر، لا إلى أداةٍ خارج النظام.
الهبوطُ الكبير اليوم هو تذكيرٌ بأنَّ السوق أكبر من أيِّ شعارٍ سياسي. يمكن للرؤساء أن يُشَجّعوا القطاع، ويُمكِنُ للحكومات أن توفّرَ بيئةً تنظيمية جاذبة، لكن لا أحدَ يستطيعُ إلغاءَ دورات السوق أو ضمان مسار الأسعار.
بالنسبة إلى الأسواق العربية، الرسالة ليست في الانسحاب التام ولا في الاندفاع غير المحسوب، بل في إدراكِ طبيعة الأصل. “بيتكوين” قد تكون جُزءًا من محفظةٍ استثمارية مُتنوِّعة، لكنها تبقى أصلًا عالي المخاطر، يتأثر بالسيولة العالمية والثقة والتوقّعات.
وفي عالمٍ تتبدّل فيه هذه العوامل بسرعة، يبقى الثابت الوحيد في “بيتكوين” هو التقلُّب – مهما تعدّدت العواصم التي تسعى إلى احتضانها.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
