صَدمَةُ كراكاس في طهران: كيف يتحوَّل إغراءُ “ضَربَةِ الرأس” إلى فخِّ اليوم التالي

مشهدُ نيكولاس مادورو مُكَبّلًا وهو يُقتادُ إلى السجن ليس مجرّدَ صورةِ إذلالٍ سياسي، بل لحظة تختصرُ منطقَ القوة حين تُقرّرُ واشنطن حسمَ النهايات من خارج القواعد التقليدية. هذا المشهد، بما يحمله من إغراءٍ رمزي، فتحَ بابَ المقارنة مع إيران: هل يمكن أن يتكرّرَ سيناريو “كراكاس” في طهران؟ وهل يكفي إخراج رأس النظام لإعادة رسم المشهد السياسي؟ بين تهديداتِ دونالد ترامب، وتعقيدات الدولة العميقة، واحتجاجات الشارع، يطرحُ هذا المقال سؤالًا جوهريًا: هل إسقاط القائد يعني سقوط النظام، أم أنَّ ما بعدَ الضربة قد يكون أخطر من الضربة نفسها؟

المظاهرات طالت 28 محافظة إيرانية من أصل 31: مشكلتها أنَّ ليس لها قادة.

ملاك جعفر عباس*

نيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي، مُكَبَّلٌ بالأصفاد، يرتدي بيجاما وينتعلُ شحّاطة، مُطَأطِئُ الرأس، يسيرُ مُحاطًا بعناصر من وحدة مكافحة المخدرات الأميركية وهم يقتادونه إلى السجن، مَشهدٌ سيظلُّ محفورًا في الذاكرة طويلًا كلحظةِ إذلالٍ تحوَّلت إلى أيقونةٍ تختصرُ النهايات الدراماتيكية للطُغاة الذين يسقطون على أيدي مَن يفوقونهم قوةً وجرأة. إنها لحظةٌٌ مُغريةٌ لشَبَقِ المُخََيَّلة: رأسُ نظامٍ معزول، شرعيته الانتخابية مُتآكلة، جيشه مُتذمِّر، واقتصاده مُنهَك، يُنتَزَعَُ من موقعه بضربةٍ ترامبية خاطفة تُقصيهِ من المشهد من دونِ حمامِ دم. هنا يبرزُ السؤال: هل “يبقى ما حدث في كراكاس داخل كراكاس” أم أنَّ المشهدَ نفسه يُمكن أن نراه في طهران؟

هذه الفرضية تعزّزت بخطٍّ أحمرٍ سطّره الرئيس دونالد ترامب مُهَدِّدًا بتدخُّلٍ أميركي إذا ما أقدمت أجهزة الأمن الإيرانية على قتل المتظاهرين في الاحتجاجات التي دخلت أسبوعها الثاني. غير أنَّ هذا الخطَّ الأحمر احتاجَ إلى توضيحٍ من السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، الذي شدّدَ على أنه لا يُشبِهُ ذاك الذي رسمه باراك أوباما للنظام السوري عندما قصف شعبه بالكيماوي؛ إذ لمّحَ غراهام إلى أنَّ ترامب قد يذهب إلى حدِّ استهدافِ المرشد الأعلى علي خامنئي إذا قُتِلَ المدنيون المطالِبون بحياةٍ أفضل. وفيما تتزايد أعداد ضحايا البطش الأمني في المدن الإيرانية المُحتَجّة، ويتحيّن بنيامين نتنياهو فرصة “إنهاء المهمة” التي بدأها في حزيران (يونيو) الماضي، يترقّبُ العالم ما إذا كان ترامب سيَفي بتعهّداته تجاه الشعب الإيراني.

ضربةٌ بلا خطة؟ مأزقُ النظام بعد إزاحة القائد

لا شيءَ مُستحيلًا مع ترامب. الرجلُ يُفكّرُ خارج القوالب التقليدية، مُستندًا إلى أعتى آلةٍ عسكرية مُسلّحة في العالم، لا يُقيّده قانونٌ دولي ولا محلّي، ولا يردعه مجلس أمن أو كونغرس. نظريًا، يُمكنُ لقوات “دلتا” الأميركية أو لوحدة “شايتيت 13″ الإسرائيلية تنفيذَ عمليةً مُشابهة تطيح فيها بالمرشد الإيراني من موقعه. لكنَّ السؤالَ الأعمق لا يتعلّقُ بالضربة بحدِّ ذاتها، بل بما يليها: ماذا عن النظام؟

هل تمتلك إيران –كما حصل في فنزويلا- شخصياتٍ قادرةٍ على تلبية دفتر الشروط الأميركي وإدارة البلاد في آنٍ واحد؟  ففي فنزويلا، رفضت إدارة ترامب التعاطي مع زعيمة المعارضة آنا كورينا ماتشادو بحجّة ضعف تمثيلها، غيرَ أنَّ تقريرًا ل”رويترز” أشارَ إلى أنَّ السبب الحقيقي يعود إلى انعدامِ قدرتها، هي أو إدموندو غونزاليز، على الإمساك بمفاصل الجيش والدولة العميقة. وهو ما كانَ سيقودُ، في حالِ تسلّم المعارضة الحُكم، إلى إعادة بناء النظام السياسي من الصفر، في مغامرةٍ مُكلفة لا يحتملها ترامب ولا جمهور “ماغا”. فالديموقراطية، في حساباته، لا تحتلُّ موقعًا متقدّمًا، خصوصًا عندما تُوضَعُ في كفّةٍ مُقابل أكبر احتياطي نفطي في العالم.

بناءً على ذلك، استندت الإدارة الأميركية في مقاربتها إلى تقريرٍ سري لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إي) خلصَ إلى أنَّ السيناريو الأفضل والأقل كلفة يتمثّل في التعامُل مع وجوهٍ من داخل نظام مادورو وإشراكهم في العملية الانتقالية من دون استثناء. فإقصاءَُ أيٍّ منهم عن مرحلة “اليوم التالي” كان سيعني فتحَ المجالِ أمامَ انقلابٍ عسكري محتمل. وبالتالي، عند إسقاطِ النموذج الفنزويلي على الواقع الإيراني يبرزُ سؤالٌ جوهري: إلى أيِّ مدى تتوافر القدرة والقابلية والاستعداد لدى اللاعبين الداخليين والخارجيين للقيام بهذا الدور؟ وإذا ما أقدمت الولايات المتحدة أو إسرائيل على خطوةٍ من هذا النوع بلا ترتيبٍ مُسبَق للمشهد الداخلي، فما هي الاحتمالات التي ستُفتَح عندئذ؟

إذا نُفِّذت هذه الخطوة من دونِ ترتيبٍٍ مُسبَق لليوم التالي، فإنَّ السؤال الجوهري لا يعودُ مُتَعَلِّقًا بكيفية إخراج خامنئي من موقعه، بل بكيفية فصل “الدولة” عن “الثورة” من دون أن ينهارَ البناءُ فوق رؤوس الجميع. هنا بالضبط تبدأ المقارنة الفنزويلية في كشفِ معناها الحقيقي. فواشنطن، بعد مشهد الإذلال في كراكاس، لم تتصرّف كقوة تسعى إلى “ديموقراطية كاملة الدسم”، بل كطرفٍ يُريدُ انتقالًا مضبوطًا بأقل كلفة مُمكنة، حتى لو استدعى ذلك الاعتماد على وجوهٍ من داخل النظام نفسه، مثل وزير الداخلية ديوسدادو كابييو ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو، لضمان “طاعةٍ انتقالية” تحت تهديدِ مصيرٍ شبيهٍ بمصير مادورو.

هذا “المشهد الفنزويلي الثاني” هو المفتاحُ لفَهمِ ما قد يبحث عنه ترامب في طهران إذا قرّرَ القفز من التهديد إلى التنفيذ: شريكٌ من داخل الدولة العميقة قادرٌ على توقيع ما تريده واشنطن وتل أبيب، من دون فتح بوابة فوضى لا يُمكِنُ تسويقها لجمهور “ماغا”، ولا يمكن السيطرة عليها ميدانيًا. ومن هنا يبرزُ السؤال  الحاسم: مَن هو “بادرينو” الإيراني؟ ومَن يمتلك عمليًا وفعليًّا مفاتيح فتح وإغلاق الصندوق الأمني الذي يُبقي الدولة قائمة؟

في إيران، لا يكفي التوقّف عند عنوان “الجيش” لتحديد اللاعب. فازدواجية النظام تنعكسُ على مختلفِ المؤسّسات وتتداخل أدوارها في أحيانٍ كثيرة. الجيش النظامي (أرتش) يحتفظُ ببُنية تقليدية وبحساسية وطنية أكبر تجاه فكرة الدولة، أما الحرس الثوري فصُمِّمَ وأُنشئِ لحماية الثورة، قبل أن يتمدّدَ تدريجًا ليُصبحَ دولةً داخل الدولة، أمنًا واقتصادًا وسلاحًا وشبكات نفوذ محلّية. وداخل الحرس نفسه تتعدّدُ الطبقات والمصالح، ولا تُختَزَل بقبضةٍ واحدة. فجهازُ استخبارات الحرس يُنازعُ وزارة الاستخبارات التقليدية على إدارة الداخل، ووحدات التعبئة (الباسيج) تُستَخدَم كأداة صدمة وترويع ضد الشارع، فيما ترى قياداتٌ ميدانية في القمع السريع ضمانة للبقاء، وتخشى دوائر اقتصادية أن يحرقَ الانفلاتُ المالي ما تبقّى من مصالحها. هذا التداخُل يُفسِّرُ لماذا تُدار الأزمات في طهران بمنطق “تضييق الغرفة” كلما ارتفعَ منسوبُ الخطر، فتغلق القبضة الأمنية باب القرار أمامَ أيِّ دور فاعل للعقل السياسي.

إيران ليست فنزويلا

ثم يأتي العامل الذي يجعل “ضربة الرأس” في إيران مختلفًا جذريًا عن حالة مادورو. فغيابُ المرشد الأعلى قد لا يفتح فراغًا إداريًا فقط، بل بُرَجَّحُ أن يُطلقَ نزاعًا على الشرعية داخل بُنية النظام نفسها. صحيح أنَّ الدستور يُحَدِّدُ ترتيباتٍ وآلياتٍ واضحة في حال وفاة المرشد أو عجزه أو عزله، مانحًا مجلس الخبراء دورًا محوريًا في إدارة المرحلة الانتقالية إلى حين اختيار قائد جديد. غير أنَّ النصَّ الدستوري في لحظاتِ الانفجار لا يَحكُمُ وحده. الذي يَحكُم ويحسم الأمر هو مَن يُديرُ مراكز القيادة السياسية والعسكرية والأمنية والمال. وقد لا ترغَبُ الولايات المتحدة بانتقالٍ دستوري يُعيدُ انتاجَ الازدواجية بين رئيس الجمهورية والمُرشِد الأعلى، لكن الرأس المُتبقّي، أي مسعود بزشكيان، يفتقرُ أصلًا إلى أدوات النفوذ التي تخوّلهُ أو تُمكّنه من الحفاظ على السفينة من الغرق، خصوصًا في ظلِّ اشتداد موجة الاحتجاجات واتساع رقعتها.

صحيحٌ أنَّ واشنطن تستطيع تهديد خامنئي، لكنها لا تستطيع تهديد بُنية الحرس الثوري بالطريقة نفسها، لأنَّ الحرسَ ليس شخصًا واحدًا يمكن إسقاطه بضربة مباشرة. فأيُّ محاولةٍ لقطع الرأس من دون عقد صفقةٍ ما مع جُزءٍ من الجهاز الذي يُمسِكُ فعليًا بمفاصل الحكم، ستقودُ إلى ما تخشاه إدارة ترامب أكثر من أيِّ سيناريو آخر: إنفلاتٌ أمني، وصراعُ أجنحة داخل القوات المسلحة، ثم فوضى تُجبر الولايات المتحدة على الانخراط أكثر بدل الخروج سريعًا. النموذج الفنزويلي نفسه يقدّم الدرس: واشنطن احتاجت إلى التعامل مع بقايا النظام لتفادي انهيار الدولة، مع إبقاء سيف العقوبات والتهديد فوق رؤوسهم.

غير أنَّ المشكلة الأساسية تكمن في أنَّ إيران ليست فنزويلا حين يتعلّق الأمرُ بما يُمكنُ تسميته “الانهيار المُريح”. فإيران تقع على تماسٍ مع حدودٍ مُلتهبة، تضمُّ أطرافًا حسّاسة جدًا. كردستان، سيستان–بلوشستان، خوزستان، ليست مجرّدَ أسماءٍ جغرافية هامشية، بل نقاطُ ارتكازٍ لأزماتٍ مُزمِنة يمكن أن تتحوَّلَ بسرعة إلى حرائق عابرة للحدود إذا ارتبكَ المركز. وفي حال وقوعِ انهيارٍ أمني أو انتقالٍ فوضوي، ستظهرُ الكلفةً الإنسانية فورًا في دول الجوار قبل الداخل: العراق وتركيا وباكستان. هنا يبرزُ ملف اللاجئين كعاملِ ضغطٍ هائل، إذ تُشيرُ بياناتُ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى وجود نحو 773 ألف لاجئ مُسَجَّل في إيران، غالبيتهم من الأفغان، إضافةً إلى تقديرات بوجود قرابة مليوني أفغاني غير مُوَثَّق داخل البلاد. أيُّ انفجارٍ واسع داخل إيران سيعني نزوحًا داخليًا أولًا، تتبعه موجات عبر الحدود ثانيًا، وسط دول جوارٍ تُعاني أصلًا عجزًا عن تحمُّل موجات إضافية.

الشارع وحده لا يكفي… ومأزق النهاية المفتوحة

أمّا السؤال الذي يُحرّكُ مُخَيَّلةَ كثيرين –هل يستطيعُ الشعبُ إنهاءَ ما لا تُنهيه الضربة؟– فيحتاجُ إلى تفكيكٍ صارم بعيدًا من الرغبات. فالتاريخ الحديث مليءٌ بلحظاتِ أمل إنتهت إلى خيباتٍ قاسية. صحيحٌ أنَّ الاحتجاجات المُتواصلة منذ أكثر من عشرة أيام امتدّت إلى 28 محافظة من أصل 31 بحسب تقارير دولية، وشهدت مدنٌ عدة إضراباتٍ متزامنة ومشاركة لتجّار البازارات الكبرى، وسقط خلالها في المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن ما يقارب 36 قتيلًا واعتُقِلَ أكثر من 2100 شخص وفق تقديراتٍ حقوقية. إلّا أنَّ طابعها غير المُنَظَّم وغيابَ قيادةٍ واضحة لها لا يضمنان تحوُّلها إلى ثورةٍ ذات مفاعيل سياسية عميقة. فهي لم تَبلُغ بعد مستوى الشلل الاقتصادي والأمني القادر على فرضِ تغييرٍ جذري في حسابات النظام، ولم تؤدِّ إلى انشقاقاتٍ واسعة في الهيكل التنظيمي يسمحُ بنشوء قوى قادرة على تحدّي المركز.

بل إنَّ التصريحات الإسرائيلية والأميركية، وتلك التي يُطلقها ولي عهد الشاه رضا بهلوي، دعمًا للمتظاهرين، وفَّرت للأجهزة الأمنية ذريعةً مُوََثَّقة لإعادة توصيف الحراك باعتباره امتدادًا لمؤامرةٍ خارجية، ما ضَيَّقَ معها أيُّ هامش براغماتي مُحتمَل وقلّص فُرَصَ التسوية إلى حدّها الأدنى. الشارع الإيراني قادرٌ على رفع الصوت والاحتجاج ورفع كلفة المواجهة، لكنه يواجه جهازًا تعلّم القمع على دفعات، فقد طوّر أدواته بعد 2009، وأعاد اختبارها في 2019، كما استخدمها على نطاقٍ أوسع في 2022، ثم قفز إلى مستوى أشد بعد حرب حزيران (يونيو) 2025 عبر الاعتقالات والإعدامات وتوسيع تعريف التهديد الأمني. حين تدخل دولة بهذا المزاج في طور طوارئ، تصبح الحركة الشعبية أصعب تنظيمًا، ويصبح الانشقاق داخل الأجهزة أصعب، ويصبح الانتقال السلس احتمالًا نادرًا.

لهذا، إذا نفذت الولايات المتحدة أو إسرائيل ما يشبه مشهد كراكاس في طهران، فإنَّ السيناريو الأكثر واقعية لا يُشبه لقطة رجل مُكبَّل يُساق إلى السجن. الاحتمالُ الأرجح هو دولةٌ تُقفِلُ أبوابها من الداخل، تتقلّصُ فيها السياسة إلى وظيفةٍ أمنية، وتتقدّمُ فيها أجهزة الحرس الثوري خطوةً إضافية نحو الحكم العسكري المباشر، يترافق مع صراعٍٍ صامت أو خشن على الخلافة، وتوتّرات على الأطراف تشتعل تبعًا لميزان القمع والاحتواء، ثم موجات نزوح وتدخّلات إقليمية تفرضُ نفسها على الجميع.

وهنا يتّضح جوهر المفارقة التي لا يريد أن يسمعها المُتَحَمِّسون للضربة: نجاحُ “ضربة الرأس” لا يضمن تحقيق أهداف واشنطن وتل أبيب، وقد يفتح بابًا لأشكال حُكمٍ أكثر عنادًا وأقل قابلية للتفاوض. فالبنية التي ستتولّى إدارة “اليوم التالي” ستكونُ مدفوعةً بغريزة البقاء لا بمنطق الإصلاح. قد يستطيعُ ترامب إخراج خامنئي من المشهد، لكنَّ السؤالَ الأهم يبقى: هل يُمكِنهُ عقدَ صفقةٍ مع “خامنئي آخر” يجعل إيران “عظيمةً مُجَدَّدًا”؟

Exit mobile version