العراق بينَ نارِ الميليشيات وضُغوطِ الخارج: دولةٌٌ تَبحَثُ عن تَوازُنٍ مَفقود

يجدُ العراق نفسه عالقًا بين تحدّياتٍ داخلية مُعقّدة وضغوطٍ إقليمية ودولية متشابكة، في ظلِّ نفوذِ جماعاتٍ مسلّحة يقوّض سيادة الدولة ويُقيّدُ خياراتها الخارجية. وبين مساعي الحكومة لترسيخ الاستقرار وسياسةِ حُسنِ الجوار، يبقى السؤال الجوهري: هل يستطيع العراق تحقيقَ توازُنٍ مُستدام يحمي مصالحه ويمنعُ انزلاقه إلى صراعاتٍ لا طاقة له بها؟

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني: توقيع اتفاقية “النفط مقابل الماء” لدعم مشاريع البنية التحتية المائية في العراق.

مايك فليت*

تُواجِهُ الحكومة العراقية جملةً من التحدّيات الداخلية التي تستنزفُ قدراتها وتُقيِّدُ هامش حركتها، وفي مقدمتها حالة التناحُر المُستمِرّ بين الفاعلين السياسيين والعسكريين المحليين. ورُغمَ أنَّ التنافس الحزبي وتقلُّب العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان يُشكّلان عنصرَين ثابتَين في المشهد السياسي العراقي، تبقى المُعضِلة الأشد تعقيدًا هي وجود الميليشيات المسلحة على الأراضي العراقية، ولا سيما تلك الموالية لإيران، لما لها من تأثيرٍ مباشر في علاقات العراق مع الولايات المتحدة ودول الجوار. وتتمتعُ جماعات مثل “كتائب حزب الله”، و”منظمة بدر”، و”عصائب أهل الحق” بنفوذٍ سياسي واسع، سواء عبر تمثيلٍ رسمي داخل البرلمان أو من خلال قنوات موازية تعمل خارج الأُطُر المؤسّسية للدولة.

ولا تقتصرُ كلفةُ هذه التحدّيات على إرباك السياسة الداخلية فحسب، بل تمتدُ إلى تقويضِ قدرة العراق على بناءِ علاقاتٍ خارجية مستقرّة وقائمة على الثقة، وهي الثقة التي يُفتَرَض أن تُشكّلَ أساسَ التعاون الأمني وجذب الاستثمارات الأجنبية، فضلًا عن كونها عنصرًا حاسمًا في تجنيب البلاد مخاطرَ العقوبات الدولية التي من شأنها تعميق هشاشة الاقتصاد العراقي المُتداعي أصلًا.

وفي هذا السياق، بذلت الحكومة العراقية جهودًا حثيثة لإرساءِ قدرٍ من الاستقرار وتقليصِ مستويات المخاطر، لا سيما عقب الهزيمة الكبرى التي مُني بها تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) داخل الأراضي العراقية. وانطلاقًا من هذا التصوُّر، طالبت بغداد بإنهاء مهمة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم، مُعتبرةً أنَّ مبرِّرات الوجود العسكري الأميركي المنفصل داخل العراق لم تَعُد قائمة. وأسفر ذلك عن إطلاق مسار عام 2024 الهادف إلى إنهاء عمل التحالف بالتوازي مع التفاوض على إطارٍ أمني ثُنائي جديد، في خطوةٍ كان يُرادُ منها تجريد الجماعات المسلحة الموالية لإيران من إحدى أبرز ذرائعها، والحد من احتمالات تعرُّض العراق لردودٍ أميركية في حال استمرّت تلك الجماعات في استهداف القوات الأميركية.

غير أنَّ مقاربة الحكومة العراقية لمسألة الوجود الأميركي شهدت تحوُّلًا لافتًا عقب انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024. فبينما كانت حكومة محمد شياع السوداني تَميلُ، حتى أيلول (سبتمبر) من ذلك العام، إلى الحفاظِ بهدوءٍ على مظلّة الدعم الأمني الأميركي، اتجهت حسابات عدد من الفصائل خلال العام 2025 نحو تبنّي نهجٍ أكثر براغماتية في التعامل مع واشنطن. هذا التحوُّل، وإن بدا استجابةً لمُتغيّرات إقليمية، أثارَ في المقابل مخاوف الحكومة العراقية من تداعياتٍ أمنية محتملة، وعلى رأسها خطر عودة تنظيم “داعش” إلى الواجهة.

وخلال العام 2025، اتخذت العلاقات العراقية–السورية طابعًا حذرًا، عَكَسَ إدراكًا متزايدًا لحساسية المرحلة الإقليمية. وفي هذا الإطار، برز لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالرئيس السوري أحمد الشرع في الدوحة في نيسان (أبريل) 2025 بوصفه مؤشّرًا إلى هذا التحوُّل المحسوب. ورُغمَ استمرار بعض الفصائل العراقية في تبنّي خطابٍ مُتشدِّد إزاء التحالف الدولي، فإنَّ المزاجَ العام، ولا سيما داخل الإطار التنسيقي للقوى الشيعية، مالَ تدريجًا نحو مقاربةٍ أكثر براغماتية في التعاطي مع الولايات المتحدة.

وقد تجلّى هذا التحوُّل بوضوح خلال اجتماعٍ عُقِدَ في كانون الأول (ديسمبر) 2025 بين نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، وجوشوا هاريس، القائم بالأعمال في السفارة الأميركية ببغداد، حيث شدَّدَ المالكي على التزام الإطار التنسيقي بمبادئ الحكم الرشيد، وعلى الأهمية الاستراتيجية للعلاقات الاقتصادية بين بغداد وواشنطن. وجاء هذا الخطاب ليعكس محاولة إعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة ضمن حدود توازن دقيق، تفرضه المتغيّرات الأمنية والاقتصادية في آنٍ واحد.

غير أنَّ الإطار التنسيقي، بما يشهده من خلافاتٍ داخلية وتبايُناتٍ حادة حولَ موقع العراق بين الولايات المتحدة وإيران، لا يعدو كونه انعكاسًا مُصَغَّرًا لحالة الانقسام البنيوي الأوسع التي تعاني منها الدولة العراقية. إذ يتجسّد هذا الانقسام في وجود فصائل تنشط من داخل مؤسسات الدولة، وأخرى تعمل خارج سلطتها، في مشهدٍ يفضحُ القصورَ الجوهري في سيادة الدولة واحتكارها لاستخدام القوة.

وفي الوقت الذي تسعى الحكومة العراقية إلى توطيدِ علاقاتها مع الولايات المتحدة وبناءِ مُعادلة توازن تحمي مصالح البلاد، يواصلُ بعضُ الجماعات المسلحة الموالية لإيران العمل على حماية مصالحه الخاصة، وتقويض هذه الجهود، سواء بدوافع سياسية داخلية أو اعتبارات إيديولوجية عابرة للحدود.

أما حالة الهدوء النسبي التي سادت خلال العام 2025 بين الجماعات المسلّحة الموالية لإيران والمنضوية ضمن ما يُعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق”، فلم تكن نتاج ضغوط الحكومة العراقية وحدها، الهادفة إلى كبحِ هجماتٍ قد تزجُّ بالبلاد في مواجهةٍ لا طاقة لها بها، بل جاءت، إلى حدّ كبير، نتيجةَ تهديداتٍ أميركية مباشرة باستهداف هذه الجماعات في حال استئناف هجماتها ضد إسرائيل أو القوات الأميركية، ما أضفى على هذا الهدوء طابعًا هشًّا ومشروطًا أكثر منه تحوُّلًا استراتيجيًا دائمًا.

فعلى سبيل المثال، أبلغت الولايات المتحدة بغداد قبيل ما عُرف بـ”حرب الإثني عشر يومًا” في حزيران (يونيو) 2025 بأنها حالت دون تنفيذ ضربة إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، ورافقت ذلك بتحذيرٍ مباشر لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني من التداعيات المحتملة في حال أقدمت الجماعات المسلحة الموالية لإيران على الرد. وجاء هذا التحذير في وقتٍ ظلَّ الموقف ملتبسًا بشأن المُسيّرات التي استهدفت مواقع عسكرية عراقية، متسببةً بأضرار وخسائر في أنظمة الرادار التابعة للجيش العراقي.

وعقب انتهاء الحرب، شدّدَ الإطار التنسيقي على أنَّ الميليشيات العراقية، بما فيها جماعات تنتمي إليه، امتنعت عن اتخاذِ أيِّ خطواتٍ عدائية ضد إسرائيل أو الولايات المتحدة، تفاديًا لانزلاق البلاد نحو تصعيدٍ قد تكون عواقبه كارثية. وأوضح الإطار أنَّ هذا الموقف جاء نتيجةَ تفاهُمٍ جرى التوصل إليه مع حكومة السوداني لمعالجة المخاطر القائمة، في حين أشارت تقارير إلى أنَّ إيران بدورها لعبت دورًا في كبح جماح الفصائل ومنعها من الانخراط في القتال خلال تلك الفترة.

ومع ذلك، فإنَّ لجوء حكومة السوداني إلى إبرام تفاهُمات مع جماعاتٍ مسلحة موالية لإيران بشأن استخدام القوة من داخل الأراضي العراقية يسلّط الضوء على عُمق الانقسامات الداخلية، ويكشفُ حجمَ التحدّيات البُنيوية التي تواجه الدولة في سعيها إلى موازنة علاقاتها الخارجية والحفاظ على سيادتها.

وفي هذا السياق، صرّح وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي، في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت، بأنَّ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ألمحَ خلال اتصالٍ هاتفي إلى “عملياتٍ عسكرية وشيكة” في المنطقة، يُرجَّحُ ارتباطها بتصاعُد التوتر بين إسرائيل وإيران. وبحسب العباسي، حذّر هيغسيث بغداد صراحة من انخراطِ أيِّ فصيلٍ مسلّح مدعومٍ من إيران في أعمال عسكرية ضد إسرائيل.

وبينما أدانت وزارة الخارجية الإيرانية هذا التواصل واعتبرته “تدخُّلًا أميركيًا” في الانتخابات العراقية المقررة في 11 تشرين الثاني (نوفمبر)، ردّت وزارة الخارجية العراقية ببيانٍ صدر في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) وصفت فيه الموقف الإيراني بأنه تدخُّلٌ غير مقبول في الشؤون الداخلية العراقية. ويعكسُ هذا المشهد بوضوح معادلة التوازن الدقيقة التي تُحاول الحكومة العراقية إدارتها بين واشنطن وطهران، كما يبرز هيمنة سياسة “ردود الأفعال” على علاقات العراق الخارجية في ظل استمرار فاعلين داخليين خارج السيطرة في تقويض مسار تطوير هذه العلاقات.

سياسة “حسن الجوار”

وخلال العامين 2024 و2025، تبلورت عوامل رئيسة عدة شكّلت ملامح سياسة العراق الخارجية القائمة على مبدَإِ “حُسن الجوار”. وقد تجسَّدَ هذا التوجُّه بصورةٍ أوضح من خلال ثلاث مبادرات أساسية، تمثلت في تعزيز التعاون مع تركيا لمواجهة نشاط مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية، والتنسيق مع إيران للحد من تحركات مقاتلي حزب الحياة الحرة الكردستاني، إلى جانب تكثيف الجهود المحلية والإقليمية في مجال مكافحة المخدرات.

وانطلقت سياسة حُسن الجوار العراقية من التركيز على ملفاتٍ محددة تمتلك بغداد قدرةً مباشرة على التأثير فيها. فعلى خلاف ملف الجماعات المسلحة الموالية لإيران، الذي يُمثّلُ تحدّيًا أعمق وأكثر تعقيدًا، جاءت محاولات الضغط على الجماعات المحلية المعارضة التي تنفذ هجمات انطلاقًًا من الأراضي العراقية ضد دول الجوار، فضلًا عن تصعيد جهود مكافحة المخدرات، بمثابة رسالة تسعى من خلالها الحكومة إلى تأكيد التزامها بدور “الجار المسؤول” في الإقليم.

ومع ذلك، ولا سيما في ما يتعلق بتعامل الحكومة العراقية مع حزبي العمال الكردستاني والحياة الحرة الكردستاني، تبقى قدرة الدولة على فرض سيطرتها محكومة باعتباراتٍ ومصالح قوى إقليمية، وتحديدًا تركيا وإيران. وعلى الرُغم من أنَّ بغداد تستندُ إلى الأعراف والقوانين الدولية لتبرير ضغوطها على هذه الجماعات المُصنَّفة دوليًا كمنظمات إرهابية، والتي تُنفِّذُ هجماتٍ عابرة للحدود من دون احترامٍ للسيادة العراقية، فإنَّ هذا المنطق يفقد قدرًا من تماسكه حين تتقاعس الدولة عن تطبيق المعايير نفسها على الجماعات المسلحة الموالية لإيران، المُصَنَّفة بدورها كمنظمات إرهابية من قبل الولايات المتحدة، والتي تورّطت في تنفيذ هجمات طالت دولًا عدة في المنطقة.

التعامل مع حزب العمال الكردستاني

تُمثّلُ قضية حزب العمال الكردستاني، التي أخفق العراق في إدارتها بفاعلية على مدى عقود، أحد أبرز ملفّات التحوُّل في العلاقات السياسية بين بغداد وأنقرة. فبحسب الرواية العراقية، استغلّت تركيا وجود الحزب داخل الأراضي العراقية لتبرير تنفيذ ضربات جوية متكرّرة في العمق العراقي. وفي أعقاب محادثات رفيعة المستوى عُقِدت في بغداد عام 2024 بين مسؤولين عراقيين وأتراك، أقدمت الحكومة العراقية على حظر حزب العمال الكردستاني والكيانات المرتبطة به داخل البلاد، وسعت، بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان، إلى دفع مقاتليه نحو معسكرات مخصصة لنزع السلاح.

وترافق ذلك مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بغداد، وهي الأولى له منذ العام 2011، في خطوةٍ عكست تحسُّنًا ملحوظًا في العلاقات الثنائية. غير أنَّ ملفَّ حزب العمال الكردستاني لا يزال بالغ التعقيد داخل العراق، لا سيما في مناطق مثل سنجار، حيث تتداخل أدوار الحزب مع قوات الحشد الشعبي، والحزب الديموقراطي الكردستاني، والقوات الأمنية العراقية، إلى جانب فاعلين محليين من الإيزيديين، ضمن شبكة أمنية شديدة التعقيد تتنافس على النفوذ والسيطرة، ويزيد من تعقيدها تعثُّر تنفيذ اتفاق سنجار.

التعامل مع حزب الحياة الحرة الكردستاني

في 11 آب (أغسطس) 2025، قامَ علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بزيارةٍ إلى بغداد التقى خلالها عددًا من كبار المسؤولين العراقيين، من بينهم مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، ورئيس مجلس النواب محمود المشهداني، ورئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني. وأسفرت الزيارة عن توقيع مذكرة تفاهم بين العراق وإيران بشأن التعاون في أمن الحدود، هدفت إلى تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي وتنفيذ دوريات مشتركة في المناطق الحدودية.

وجاءت هذه المذكرة استنادًا إلى اتفاق الأمن المشترك المُوَقَّع في 19 آذار (مارس) 2023، والمُتعلّق بضبط الحدود واتخاذ إجراءات تهدُفُ إلى تحييد المعارضة الكردية الإيرانية داخل إقليم كردستان. كما تزامن توقيعها مع تصاعُد هجماتٍ يُرجّح أن حزب الحياة الحرة الكردستاني نفّذها داخل إيران انطلاقًا من قواعد في شمال العراق أواخر تموز (يوليو) 2025. وعلى غرار مقاربة بغداد في ملفات مشابهة، انصبَّ الهدف الرئيس من هذا التعاون على تفادي أي ضربات إيرانية محتملة داخل الأراضي العراقية نتيجة عمليات عابرة للحدود.

جهود مكافحة المخدرات

بالتوازي مع هذه التحرُّكات، كثّفت حكومة محمد شياع السوداني جهودها لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، وهو ما انعكسَ في تصاعُد العمليات الأمنية التي استهدفت شبكات الاتجار خلال العامين 2024 و2025. ففي الربع الأول من العام 2025، أعلنت المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية تسجيل أكثر من ثلاثة آلاف حالة اعتقال، وإصدار مئات أحكام الإدانة، إلى جانب مصادرة كميات كبيرة من المواد غير المشروعة، تجاوزت ألفي طن، نُفِّذَ جُزءٌ كبير منها بموجب أوامر قضائية صادرة عن محكمة التحقيق المركزية في الرصافة.

وعلى خلفية هذا التصعيد، حققت مديرية مكافحة المخدرات العراقية حضورًا دوليًا لافتًا، بحلولها في المرتبة الثالثة عالميًا وفق تصنيف قمة الشرطة العالمية لعام 2024 في دبي. كما استثمر العراق هذه الجهود لتعزيز تعاونه مع دول الجوار، ولا سيما المملكة العربية السعودية، حيث نُفِّذَت عملياتٌ مشتركة استندت إلى تبادُل معلومات استخبارية، أسفرت عن ضبطِ شحناتٍ كبيرة من المخدرات، من بينها كميات ضخمة من حبوب الكبتاغون المُهَرَّبة عبر الأراضي السورية.

ومع ذلك، ورُغمَ هذا التقدُّم، تبقى جهود العراق في مكافحة المخدرات مُقَيَّدة بتهديد الجماعات المسلحة المُنخرطة في الاقتصاد غير المشروع، والتي تعمل في بعض الأحيان من داخل مؤسّسات الدولة نفسها. ويتفاقَمُ هذا التحدّي مع شروع هذه الجماعات في إعادة بناء شبكات الاتجار التي تعطّلت عقب سقوط نظام الأسد، ما يُضيفُ عبئًا جديدًا على علاقات العراق مع دول الجوار، ويحدّ من قدرة الحكومة على تحويل نجاحاتها الأمنية إلى مكاسب سياسية مستدامة.

الإقتصاد والإستثمار وأثر الإحتياجات الداخلية على السياسة الخارجية

وفي مسعى لاستثمار مناخ الثقة الذي أفرزته سياسة “حُسن الجوار” مع المحيط الإقليمي، عملت حكومة محمد شياع السوداني على جذب الاستثمارات الخارجية لتلبية احتياجاتها من الموارد ومعالجة الاختلالات الاقتصادية والبنيوية التي تُثقِلُ كاهلَ الدولة العراقية. وفي هذا الإطار، كثّفت بغداد خلال العامَين 2024 و2025 جهودها الديبلوماسية عبر توقيع سلسلةٍ من مذكرات التفاهم مع دول الإقليم، ركّزت على مجالات التعاون الأمني والاستثمار الاقتصادي وقطاعات حيوية أخرى، في خطوةٍ هدفت إلى تنويعِ العلاقات الإقليمية وتعزيز اندماج العراق مع محيطه، بعد سنواتٍ من التراجع الذي فرضته الصراعات الداخلية والاصطفافات السياسية.

ويبرزُ في هذا السياق مشروع “طريق التنمية”، الذي وُقِّعَ إطاره التنفيذي في العام 2024 بين العراق وتركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة، بوصفه أحد أبرز مشاريع التعاون الإقليمي. ويهدفُ المشروع، الذي تُقدّر كلفته بنحو 17 مليار دولار، إلى إنشاءِ ممرٍّ برّي وسكة حديد تمتد على مسافة تقارب 1200 كيلومتر، انطلاقًا من ميناء الفاو الكبير في البصرة، مرورًا بعددٍ من المدن العراقية الرئيسة، وصولًا إلى الأراضي التركية. ويسعى هذا المسار إلى تعزيز موقع العراق كمحورٍ لوجستي يربطُ بين أسواق الشرق الأقصى والشرق الأوسط وأوروبا. وفي السياق ذاته، وقّعَ العراق مع تركيا اتفاقية “النفط مقابل الماء” لدعم مشاريع البنية التحتية المائية، عقب استئناف تصدير النفط عبر خط أنابيب كركوك–جيهان.

كما أبرمت الحكومة العراقية مذكرات تفاهم مع عددٍ من دول المنطقة، من بينها سلطنة عُمان، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، والأردن، شملت مجالات متعددة، أبرزها استثمارات القطاع الخاص، والتجارة، والصحة، وتبادل المعلومات الاستخبارية، ومكافحة المخدرات، وقطاع الكهرباء، إضافة إلى تطوير النفط والغاز.

وعلى صعيدٍ آخر، تُواصِلُ العلاقات العراقية–الصينية نموُّها بوتيرةٍ متسارعة، إذ تشارك الشركات الصينية في إنتاج ما بين 50 و67 في المئة من النفط العراقي، كما أسهمت محطات توليد الكهرباء التي أنشأتها الصين منذ العام 2019 في توفير نحو نصف إمدادات البلاد من الطاقة الكهربائية. وقد نُفِّذَ العديدُ من هذه المشاريع ضمن إطار مبادرة “الحزام والطريق” التي انضمَّ إليها العراق عام 2015. ويواكب ذلك نموٌّ ملحوظ في التبادُل التجاري، حيث صدّرت الصين بضائع بقيمة 8.8 مليارات دولار إلى العراق في الربع الأول من العام 2025، مقارنةً بمليار دولار فقط خلال الفترة نفسها من العام 2024.

ومع ذلك، وعلى الرُغمِ من سعي بكين إلى توسيع حضورها الديبلوماسي والأمني عبر مبادراتٍ مُتعدِّدة، فإنها لا تزال غير قادرة على تعويض الضمانات الأمنية التي توفّرها الولايات المتحدة، ولا على موازنة الأثر المحتمل للعقوبات الأميركية على العراق. ورُغمَ ذلك، تبقى الصين شريكًا مفضّلًا لدى قطاعات واسعة من النُخَب العراقية، التي تنظر إليها بوصفها طرفًا يمكن التنبؤ بسلوكه، لا يتدخّل مباشرة في الشأن الداخلي، ويُركّزُ على شراكات اقتصادية قائمة على المنفعة المتبادلة.

وفي المحصّلة، فإنَّ مجمل هذه الجهود الديبلوماسية، بما تتضمّنه من مذكّرات تفاهُم واتفاقات إقليمية ودولية، تهدف إلى تمكين العراق من مواجهة تحدياته الداخلية، وعلى رأسها ضعف البنية التحتية وارتفاع معدّلات البطالة. غير أنَّ نجاح هذه المساعي يبقى مشروطًا بقدرة الحكومات المقبلة على البناء على ما تحقق، واستثماره بصورةٍ فعّالة، والأهم من ذلك، بمدى قدرة الدولة على كبح الفساد، وتحسين بيئة الأعمال، والحدّ من مخاطر الجماعات المسلحة التي لا تزال تشكّل عائقًا رئيسًا أمام تحقيق استقرار اقتصادي مستدام.

العراق بين فرصة التوازن ومخاطر الانقسام

إنَّ تحقيقَ الأمن والاستقرار الداخلي في العراق يظلُّ رهينَ توحيد الجهود الإقليمية والدولية لدعم الحكومة العراقية في مسارِ بناءِ الدولة وتعزيز التنمية المؤسسية، ولا سيما عبر توسيع التعاون في مجالات الاستثمار والبنية التحتية، والتفاوض على أُطُرٍ واضحة للتعاون الأمني وشروطه، بما يَحُولُ دون أيِّ أنشطة تصبُّ في مصلحة شبكات الميليشيات التي تُقوّضُ أُسُسَ الأمن والنمو الاقتصادي في البلاد. غير أنَّ نجاحَ هذه الجهود يبقى مشروطًا بمدى التزام النخب العراقية بتحويل مسارات الإصلاح من تعهّداتٍ سياسية إلى مُمارساتٍ فعلية على أرض الواقع، إذ إنَّ أيَّ تهاوُنٍ في هذا المسار سيجعل من هذه المبادرات مجرّد مكاسب ظرفية قابلة للتآكل.

ورُغمَ أنَّ التحديات البنيوية التي تواجه العراق لا يمكن معالجتها بين ليلةٍ وضحاها، فإنَّ دولةً أكثر تماسُكًا واستقرارًا على الصعيد الداخلي ستكونُ أقدر على تحصين قرارها السيادي، وردع التدخّلات الخارجية، والحدّ من الانتهاكات السياسية التي تنبع من داخلها قبل خارجها. غير أنَّ هذا المسار يصطدم، في كثيرٍ من جوانبه، بالاستراتيجية الإيرانية تجاه العراق، التي تَميلُ إلى تفضيلِ جارٍ ضعيفٍ تحتفظ فيه الجماعات غير الرسمية بهوامش نفوذ واسعة، وهو ما يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة العراقية.

ومع ذلك، تفرضُ الواقعية السياسية على الفاعلين الدوليين والإقليميين الإقرار بأنَّ وجودَ إيران كجارٍ للعراق يُمثّلُ حقيقةً جيوسياسية لا يمكن تجاوزها، الأمر الذي يفرضُ على بغداد إدارةَ علاقاتها معها بحساباتٍ دقيقة تُراعي هذا الواقع من دون التفريط بمصالحها السيادية. وفي المحصّلة، تبقى مسؤولية معالجة هذه القضايا الجوهرية مُلقاة، في المقام الأول، على عاتق العراقيين أنفسهم، إذ إنَّ الانقسامات السياسية المُزمِنة التي وسمت المشهد الداخلي لسنواتٍ طويلة أعاقت مسارَ التقدُّم، ولم يَعُد هناك مُتَّسَعٌ لمزيدٍ من التراخي، خصوصًا في ظلِّ تحدِّياتٍ مُتصاعِدة كالتغيُّر المناخي واحتمالات الانزلاق إلى صراعٍ إقليمي واسع قد تكون كلفته مُدَمِّرة.

وفي هذا السياق، يُمكنُ الإقرار بأنَّ الحكومة العراقية السابقة نجحت، عبر تبنّي سياسة “حُسن الجوار”، في تحقيقِ قدرٍ من التوازن بين متطلِّبات الأمن والاقتصاد، مَكّنَ البلاد من تجنُّب الانجرار إلى مواجهةٍ إقليمية مفتوحة، وساعد على توسيع شبكة علاقاتها مع دول الجوار ودفعها في اتجاهاتٍ أكثر إيجابية. غيرَ أنَّ التعويلَ على عائدات هذا الاستقرار النسبي وحده يظلُّ رهانًا محفوفًا بالمخاطر، في ظلِّ استمرار أزماتٍ داخلية عميقة تتعلّقُ بندرة الموارد المائية، وتحديات الطاقة، واستشراء الفساد، وإفلات الميليشيات والأحزاب من المساءلة، فضلًًًًًًا عن ضعف القطاع الخاص وهشاشة الموازنة العامة للدولة.

ومع استمرار التوتّرات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبقى موقع العراق بالغ الحساسية، فيما ستجدُ الحكومة المقبلة نفسها أمام إرثٍ ثقيلٍ من المشكلات البُنيوية التي يتطلّبُ كلٌّ منها حلولًا خاصة ومتكاملة. وهو ما يفرضُ عليها البناء على المكاسب المحدودة المتحققة، والعمل على ترسيخِ توازُنٍ واقعي في علاقاتها الدولية، بالتوازي مع تعزيز قدرات الدولة داخليًا بما يخدم مصالح الشعب العراقي.

ولا خلاف على أنَّ مصلحة النخب السياسية، كما مصلحة المواطنين، تقتضي وضع العراق في موقع الشريك الموثوق والبيئة الآمنة للاستثمار، عبر الاستمرار في تنويع العلاقات الإقليمية وبناء الثقة مع دول الجوار، والحفاظ على نهج “حُسن الجوار” بوصفه إحدى أدوات حماية الاستقرار. غير أنَّ بلوغَ هذا الهدف يظلُّ مرهونًا بتوصُّل القوى السياسية إلى توافُقٍ حقيقي حول استراتيجيةٍ وطنية جامعة، تعترفُ صراحةً بأنَّ الميليشيات الخارجة عن سيطرة الدولة تُمثّلُ عبئًا على مستقبل البلاد، بل وعلى المصالح الأساسية لهذه القوى نفسها.

إنَّ الفشلَ في إدارة هذا التوازُن الدقيق بين السياسة الخارجية ومُتطلّبات الداخل لن يؤدّي إلّا إلى تعميق الانقسامات القائمة، بما يُهدّدُ استقرار العراق من الداخل، وقد ينعكسُ بتداعياتٍ سلبية على المنطقة بأسرها. وفي هذه اللحظة المفصلية، التي يحاول فيها العراق استعادة قدر من الاستقرار وسط هذا الكَمِّ الهائل من التحديات، يُصبحُ من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، الاستمرار في تحمُّلِ كلفة الانقسام والشقاق الداخلي، وما يحمله من مخاطر حقيقية على بقاء الدولة ووظيفتها.

Exit mobile version