هنري زغيب*
كأَنَّ العُمرَ كان يمشي حدَّها لا فيها. قبل فترةٍ ندَهَتْها الثالثةُ والتسعون، فلم تلتفِتْ، وواصلَت مِشيَتها الأَنُوف، بما اعتادَتْهُ من عُلُوِّ رأْسٍ واستقامةِ بُنْيَةٍ وخَطوةٍ فتيَّة.
منذ عرفْتُها، قبل عشرين عامًا، وهي في النضارة ذاتها قامةً وتطلُّعًا. لا قامتُها انحنَتْ تحت ثقْل الثلاث والتسعين، ولا تطلُّعاتُها انحنَت عن التطلُّب كي تظَلَّ AUST واحةً جامعيةً رائدةً في الأَوساط الأَكاديمية. هذه سيِّدةٌ لا تُحصي ساعاتِ عملِها المتواصل بل تُحصي تلكَ التي لم تأْتِ بعد، كي تُوَسِّعَ في الوقت فيَستوعبَ طُمُوحاتها.
من فكرة لَمَعتْ في بالها ذاتَ يوم، أَطلقَت مع زوجها فؤَاد صقر سلسلة مراكز أَميركية لتعليم اللغة الإِنكليزية. وسرعان ما عمَّت المراكزُ مُدُنًا كبرى في لبنان. ومن فكرةٍ ذاتِ طموحٍ كبيرٍ، أَطلقَت “الجامعة الأَميركية للعلوم والتكنولوجيا” AUST. وبجرأَةٍ أُعجوبيةٍ نجحَتْ في توسيعها من مبنى في الأَشرفية إِلى اثنين فثلاثة حتى اثنَي عشر. وامتدَّت معها الجامعة إِلى فرع ثانٍ في زحلة، فثالثٍ في صيدا فرابعٍ في بحمدون، وهي في جميعها حاضرةٌ باستمرار في أُمومة راعية حانية عَطوفة.
أُمومة، قلتُ؟ بلى. ومرارًا كنتُ أَقف قُبالَتَها ولا أَجدُ ما أُخاطبُها إِلَّا بعبارة :”كم أَنتِ أُمٌّ كثيرة”. وهي فعلًا كثيرة. فلم تكتفِ بحنانها على أَولادٍ خمسةٍ جميعُهُم أَعلامُ نجاح: عامر، رياض، مجد، غادة، نجوى، بل كان حنانُها عَطوفًا على كلِّ مَن حولَها، أَساتذةً وطلابًا وموظَّفين. إِنها الأُمومة كلُّها مجمَّعَة في امرأَةٍ غيرِ عاديةٍ، سيدة سخاء: سخاء في الحنان، سخاء في العطاء، سخاء بِبَسْط الراحة في قلب مَن يطَّلبُ الراحة.
لم أَسمعها يومًا تتذَمَّر أَو تَغضَب. كان حبُّها فوقَ التذمُّر والغضب. هذه امرأَةٌ تعرف أَن تُحب. وبهذا الحبِّ الغامر أَسَّست أَمبراطورية AUST تربويةً تعليميةً تثقيفيةً فرضَت احترامها على زميلاتها الجامعات، على الوسَط التربوي في لبنان، على المسؤُولين الرسميين والإِداريين، فاستوَت على مكانها ومكانتها في استحقاقٍ عُمْرُهُ أَيامٌ من الضنى امتدَّت من المنطَلَق، من عين إِبل الجنوب، إِلى جنوب كل نجاح في الأَربع الجهات.
قبل حفنة أَسابيع كنا حولها في بحمدون، تحتفل ببادرة البلدية: إِطلاق “شارع هيام صقر” في حيٍّ رئيسٍ من البلدة، وإِطلاق “قاعة هيام صقر للمؤْتمرات” في مبنى مُهَيَّإٍ لندواتٍ ذات رِفعة. يومَها كانت في أَلقِ التَطَلُّع إِلى أَكثرَ بعد، صوبَ كلِّ ما يخدم فكرة لبنان الحضاريِّ الريادة.
الريادة… بلى. إِنه قَدَرُها الذي حمَلَتْه بصبرٍ ومثابرة، في نظرةٍ رائدةٍ دومًا بعيدةِ الأُفُق، كأَنَّ كلَّ حلمِ ريادةٍ يراودُها قريبُ المنال. كأَنَّ حضورَها الساطع يأْبى أَن يفكِّر بالغياب. كأَنَّ الغياب لم يكن يُشْبِهُها. كأَنها لم تكن تحسَب له حسابًا، فكأَنَّ غيابها اليوم فصلٌ آخرُ من حضورها الذي سيبقى يتردَّد طويلًا: كلَّما أَشرقَت شمسٌ علىAUST ، كلَّما خطرَت فكرةٌ مبدعةٌ في بال أُسرتها، وكلَّما مرَّ أَحدٌ بأَيِّ فرع من فروع AUST، وانحنى لغياب الرئيسَةِ المؤَسِّسَة التي لن ينالَ منها الغياب.
يوم سلَّمَتْ أَمانةَ الرئاسة أَوسطَ أَبنائها الدكتور رياض صقْر، قالت لي: “اليوم أَشعرُ أَنني تَمَّمْتُ رسالتي. وأَعرفُ أَنَّ رياض سيُكْمِلُها إِلى حدِّها الأَقصى”.
بلى، ونحن أَيضًا نعرفُ أَنَّ الحبيب رياض سيُكْمِلُ النُهوض بالجامعة على هَدْيِ أُمٍّ ومُرشدةٍ ومثال، لا لأَنها سَلَّمَتْهُ الأَمانةَ وحسب، بل لأَنها غيرُ عاديةِ التَطَلُّع، لأَنَّ غيابها باقٍ أَسطعَ من حُضُور، ولأَنها… لأَنها هيام صقْر.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: www.henrizoghaib.com أو عبر منصة (X): @HenriZoghaib
