المتوسط يواجه العطش: أزمة مياه تُهدِّدُ الاقتصاد والاستقرار بحلول 2050

لم يعد الجفاف في حوض البحر الأبيض المتوسط مجرّد أزمة بيئية عابرة، بل بات تهديدًا للاقتصاد والأمن الغذائي والاستقرار الإقليمي. ومع تسارع التغيّر المناخي، تبرز الحاجة إلى حلول علمية وتكنولوجية وديبلوماسية تضمن الأمن المائي للأجيال المقبلة.

مؤتمر تريندز الخامس في الإمارات يحول المياه إلى رافعة للسلام والتنمية.

البروفسور فادي جورج قمير*

لم يعد الجفاف في منطقة البحر الأبيض المتوسط ظاهرة موسمية تنتهي مع عودة الأمطار، بل تحوّل إلى تحدٍّ بنيوي يهدّد الموارد المائية والأمن الغذائي وإنتاج الطاقة والنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. وما تشهده فرنسا من قيود متكررة على استهلاك المياه وتنافس بين الزراعة والصناعة والطاقة، ليس سوى أحد مظاهر أزمة أوسع تعيشها منذ عقود بلدان شرق المتوسط والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

فالتغيّر المناخي لا يؤدي فقط إلى تراجع الأمطار، بل يعيد تشكيل الدورة المائية نفسها، ويؤثر في توقيت الهطول وشدته، ومعدلات التبخّر، ورطوبة التربة، وتغذية المياه الجوفية، وتدفقات الأنهار. وهكذا، قد تتلقى منطقةٌ ما كميات من الأمطار قريبة من معدلاتها التاريخية، لكنها تعاني نقصًا متزايدًا في المياه المتاحة.

وتوفر الأبحاث التي أُنجزت في معهد قبرص، ضمن مبادرة تغيّر المناخ في شرق المتوسط والشرق الأوسط (CCI-EMME)، صورة علمية دقيقة عن هذه التحولات. فالمنطقة تُعدّ إحدى أبرز البؤر المناخية الساخنة في العالم، وما يحدث فيها اليوم قد يشكل إنذارًا مبكرًا لما ستواجهه مناطق أوسع من جنوب أوروبا.

والسؤال لم يعد ما إذا كان الجفاف سيتكرر، بل كيف تستطيع الدول التكيّف مع واقع تصبح فيه المياه أكثر ندرة وتقلبًا، بينما يتزايد الطلب عليها وترتفع كلفة الحصول عليها.

مناخ أكثر حرارة ومياه أقل استقرارًا

أكدت مراجعة علمية دولية نُشرت عام 2022 في مجلة ” Reviews of Geophysics”، بمشاركة نحو عشرين باحثًا، أنَّ شرق المتوسط والشرق الأوسط يشهدان احترارًا يقارب ضعف المتوسط العالمي. وأسهم في هذه الأبحاث علماء من بينهم يوس ليليفيلد، وجان سيار، وبانوس حاجينيكولاو، وجورج زيتيس.

وفي ظل سيناريوهات الانبعاثات المرتفعة، قد تتجاوز موجات الحر الشديدة خمسين درجة مئوية في بعض مناطق الإقليم قبل نهاية القرن. وتؤدي الحرارة المتزايدة إلى ارتفاع التبخّر والنتح، أي فقدان المياه من التربة والنباتات، ما يزيد احتياجات الزراعة ويضغط على الموارد المتاحة.

ووفق النمذجة المناخية التي أُجريت في مركز أبحاث الطاقة والبيئة والمياه بمعهد قبرص، وبالاستناد إلى سيناريوهَي الانبعاثات  “RCP 4.5” و”RCP 8.5″، يمكن أن يرتفع التبخّر والنتح المحتملان بنسبة تتراوح بين 12 و18 في المئة بحلول منتصف القرن.

تشير التقديرات أيضًا إلى احتمال انخفاض التسلل الفعّال للمياه إلى باطن الأرض بنسبة تتراوح بين 20 و35 في المئة بحلول عام 2050 في المناطق المعرَّضة لهذه التحولات، نتيجة ازدياد الجريان السطحي السريع.

تفسّرُ هذه الظاهرة جانبًا من العجز المتزايد في تغذية المياه الجوفية شتاءً في أحواض اللوار والرون وغارون في فرنسا، حيث لا تتحول الأمطار الغزيرة بالضرورة إلى مخزون مائي مستدام.

وفي المناطق المتوسطية، قد تطول فترة استنزاف احتياطيات المياه القابلة للاستخدام في التربة الزراعية من 30 إلى 45 يومًا إضافيًا، ما يعرّض المحاصيل للإجهاد المائي ويرفع كلفة الري.

لا تقتصر التداعيات على الزراعة. فارتفاع حرارة المياه السطحية بمقدار يتراوح بين 1.5 و2.8 درجة مئوية قد يؤثر في تبريد محطات الطاقة، بما فيها المحطات النووية الفرنسية، ويضع ضغوطًا على إنتاج الطاقة الكهرومائية.

وتتفاقم المشكلة مع التراجع التدريجي للغطاء الثلجي في جبال الألب وطوروس ولبنان. فالثلوج تشكل مخزنًا طبيعيًا للمياه خلال الشتاء، وتطلقها تدريجيًا في الربيع والصيف. لكن ارتفاع الحرارة يسرّع ذوبانها، ويقدّم موعد ذروة التدفقات المائية، ويقلّص الموارد المتاحة خلال أشهر الصيف.

كما تؤثر التغيرات في مسارات العواصف وحركة الرياح في توزيع الأمطار، فيما يسهم التوسع العمراني وتراجع الغطاء النباتي في تقليص قدرة التربة على امتصاص المياه وتغذية الخزانات الجوفية.

يضاف إلى ذلك تأثير الغبار الصحراوي والهباء الجوي. فقد تناولت أبحاث منشورة في مجلة “Nature” في تموز (يوليو) 2026، بمساهمة من مركز أبحاث المناخ والغلاف الجوي (CARE-C) في معهد قبرص، العلاقة بين انتقال الغبار الصحراوي نحو أوروبا وتدهور الأراضي والجفاف في شمال أفريقيا. وقد تتجاوز تركيزات الغبار في جنوب أوروبا ضعفي المستويات المسجلة في أوروبا الوسطى والشمالية.

وتتداخل هذه الاتجاهات مع التقلبات المناخية الطبيعية، ولا سيما ظاهرتَي “إل نينيو” و”لا نينيا”، اللتين تؤثران في أنماط الهطول من سنة إلى أخرى، من دون أن تلغيا الاتجاه العام نحو الاحترار.

والنتيجة أنَّ الجفاف والفيضانات قد يصبحان وجهين لأزمة واحدة. فالتربة الجافة والمتدهورة قد تعجز عن امتصاص الأمطار الغزيرة، فتتحول العواصف إلى سيول مدمرة من دون أن تعوّض النقص في المياه الجوفية.

وهكذا، تمتد المخاطر من تراجع الإنتاج الزراعي إلى حرائق الغابات والفيضانات وتضرر البنية التحتية، وصولًا إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.

ندرة المياه تهدّد اقتصادات المنطقة

تواجه دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وضعًا أكثر هشاشة من جنوب أوروبا، لأنها تدخل مرحلة الاحترار المتسارع وهي تعاني أصلًا من محدودية الموارد المائية والضغوط السكانية والاقتصادية.

وتقع تسع دول من أصل سبع عشرة دولة في منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط تحت عتبة الندرة المائية المطلقة، المحددة بأقل من 500 متر مكعب من المياه المتجددة للفرد سنويًا، بما يشمل دول الخليج والأردن وفلسطين.

وبحسب تقرير البنك الدولي الصادر عام 2023 عن اقتصاديات ندرة المياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعيش أكثر من 60 في المئة من سكان المنطقة في مناطق تعاني إجهادًا مائيًا مرتفعًا أو مرتفعًا جدًا، مقارنة بنحو 35 في المئة عالميًا.

وقد تؤدي ندرة المياه، إذا استمرت أنماط الإدارة الحالية، إلى خسائر اقتصادية تتراوح بين 6 و14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2050 في الاقتصادات الأكثر تعرُّضًا.

كما تشير تقارير المناخ والتنمية القطرية التي أعدها البنك الدولي لمصر والعراق والأردن والمغرب وتونس إلى خسائر محتملة مرتبطة بالمناخ تتراوح بين 1.1 و6.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول منتصف القرن. وفي تونس، قد تمثل ندرة المياه وحدها نحو 71 في المئة من الخسائر المناخية المتوقعة.

تكشف هذه الأرقام أنَّ المياه أصبحت أحد المحددات الأساسية للنمو الاقتصادي. فكل نقص في الموارد ينعكس على الإنتاج الزراعي، وكلفة الطاقة، والاستثمارات الصناعية، والمالية العامة، وفرص العمل.

أما لبنان، فيقدم مثالًا واضحًا على التداخل بين المخاطر المناخية وضعف الإدارة. فعلى الرغم من تمتعه بموارد مائية أفضل نسبيًا من عدد من دول المنطقة، فإنه يعاني اختلالات مزمنة في التخزين والتوزيع والصيانة والاستثمار.

وتشير التوقعات إلى احتمال انخفاض توافر المياه السنوي في لبنان بنحو 9 في المئة بحلول عام 2040، فيما قد يصل التراجع خلال موسم الجفاف إلى 50 في المئة.

هذا يعني أنَّ المشكلة لا تتعلق بإجمالي الموارد السنوية وحده، بل بتوافر المياه في الفترات التي تبلغ فيها الحاجة إليها ذروتها.

يحتاج لبنان إلى الانتقال نحو مفهوم “الكتلة المائية الجديدة” (New Water Mass)، الذي يقوم على الجمع بين الموارد التقليدية وغير التقليدية، بما يشمل إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، والتغذية الاصطناعية للخزانات الجوفية، وتحسين التخزين السطحي، وتطوير الري، وخفض الفاقد في الشبكات.

لكن الأزمة المائية لا تتوقف عند الحدود الوطنية. فالأحواض المشتركة، من الأردن والحاصباني والوزاني والعاصي إلى النيل ودجلة والفرات، تضع الدول أمام تحديات تتجاوز الهندسة المائية إلى العلاقات السياسية والأمنية.

ومع تراجع الموارد وارتفاع الطلب، تصبح القرارات المتعلقة بالسدود وتحويل المياه وتوسيع الري أكثر حساسية، خصوصًا عندما تغيب آليات التعاون وتبادل البيانات.

من هنا تبرز أهمية “الديبلوماسية المائية” (Hydro-Diplomacy)، التي تجمع المعرفة العلمية والتنسيق المؤسسي والتفاوض السياسي لإدارة الموارد المشتركة.

وقد تناولت ورقة سياسات نُشرت بالتعاون مع المؤسسة الهيلينية للسياسة الأوروبية والخارجية (ELIAMEP) في شباط (فبراير) 2023، بعنوان “الديبلوماسية المائية وترابط الغذاء والمياه والطاقة: مقاربة شاملة للتعاون العابر للحدود والسلام”، أهمية بناء التفاوض على بيانات علمية مشتركة.

تشير التقديرات التي تناولتها الورقة إلى أنَّ الطلب العالمي على المياه، من حيث عمليات السحب، قد يرتفع بنسبة لا تقل عن 55 في المئة بحلول عام 2050. وهذا يفرض اعتماد مقاربة متكاملة تربط المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية، المعروفة باسم “WEFE Nexus”، بدلًا من إدارة كل قطاع بمعزل عن الآخر. فالزراعة تحتاج إلى المياه والطاقة، وإنتاج الطاقة يحتاج إلى المياه في بعض مراحله، فيما تؤثر السياسات الزراعية والصناعية في سلامة النظم البيئية والموارد الجوفية.

لذلك، لا يمكن تحقيق الأمن المائي من دون تنسيق فعلي بين الوزارات والمؤسسات الاقتصادية والبيئية، ولا يمكن إدارة الأحواض المشتركة بصورة مستدامة من دون تعاون علمي وسياسي بين الدول المعنية.

التكنولوجيا والديبلوماسية: كيف نواجه عام 2050؟

على الرغم من خطورة المؤشرات، فإنَّ أزمة المياه ليست حتمية. فالتقنيات المتاحة تسمح بتطوير موارد إضافية وتحسين كفاءة استخدامها، شرط أن تتوافر السياسات والاستثمارات والمؤسسات القادرة على تنفيذها.

من أبرز الحلول إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة (TWWR)، والتغذية الاصطناعية لطبقات المياه الجوفية (AAR)، بما يتيح تخزين المياه خلال فترات الوفرة واستعادتها عند الحاجة.

لا تزال فرنسا، رغم تقدمها التقني، تعيد استخدام نسبة محدودة من مياه الصرف المعالجة، تقل عن بضعة في المئة، مقارنة ببعض الدول المتوسطية المجاورة.

كما توفر تقنيات الري الدقيق المعتمدة على أجهزة الاستشعار، والزراعة الكهروضوئية التي تجمع الإنتاج الزراعي والطاقة الشمسية، فرصًا لتحسين استخدام المياه والأراضي والطاقة.

أما في المناطق الجافة والصحراوية، فتبرز أهمية تحلية مياه البحر منخفضة الكربون، ولا سيما عند ربطها بمصادر الطاقة المتجددة.

وقد كانت هذه الحلول محور مناقشات المؤتمر الذي نظمته الدائرة الفرنسية للمياه في باريس في 22 حزيران (يونيو) 2023، بمشاركة خبراء وممثلين عن مؤسسات فرنسية ودولية، من بينهم أليس أوريلي وإريك أورسينا وإريك تارديو وتييري بورلو.

غير أنَّ التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فالاستثمارات المائية تحتاج إلى معرفة دقيقة بالتغيرات المناخية المستقبلية، وإلى مؤسسات قادرة على تحويل نتائج الأبحاث إلى سياسات عملية.

في هذا السياق، تبرز مبادرة تغيّر المناخ في شرق المتوسط والشرق الأوسط (CCI-EMME)، التي أطلقتها الحكومة القبرصية بقيادة علمية من معهد قبرص، وتضم ثلاثة عشر فريق عمل وأكثر من 240 عالمًا.

ويتولى البروفسور كوستاس بابانيكولاس التنسيق العلمي العام للمبادرة، فيما يضطلع مركز أبحاث المناخ والغلاف الجوي (CARE-C)، بإدارة البروفسور جان سيار، بدور رئيسي في الرصد والنمذجة المناخية، بمشاركة باحثين من بينهم بانوس حاجينيكولاو وجورج زيتيس.

تستند هذه الأعمال إلى شبكات للرصد الجوي، منها المرصد الجوي القبرصي ومحطة نيقوسيا التابعة لشبكة “TCCON” لرصد غازات الدفيئة.

كما يسهم التحالف المناخي الذي يجمع معهد قبرص وشركاءه، بتنسيق من البروفسور ستافروس مالاس، في تطوير التعاون العلمي والمؤسسي.

ويشارك في هذا التعاون مركز الديبلوماسية المناخية والسلام المستدام في جامعة البلمند، والمركز الإقليمي للبيئة والتنمية (CEDARE)، والمجلس العربي للمياه (AWC)، إلى جانب مؤسسات أكاديمية وإقليمية ودولية.

وتبرز كذلك أهمية أكاديمية “ECOMED”، بوصفها منصة للتدريب والتعاون العلمي في مجالات المياه والبيئة والديبلوماسية المائية.

وقد أُنشئت أمانتها استنادًا إلى قرار اعتمده المجلس الحكومي الدولي للبرنامج الهيدرولوجي لليونسكو عام 2021، ويرأسها البروفسور إيلان جوران. وفي عام 2024، اعتمد المجلس قرارًا آخر أسند إلى معهد قبرص وجامعة البلمند دورَي المؤسسة المضيفة والمؤسسة المضيفة المشاركة للأكاديمية.

وتنسجم هذه الجهود مع استراتيجية البرنامج الهيدرولوجي الدولي التاسعة لليونسكو (IHP-IX)، الممتدة من عام 2022 إلى عام 2029، والهادفة إلى تعزيز الأمن المائي في بيئة متغيرة.

كما تستكمل مسارًا من التعاون العلمي والديبلوماسي شهدته فرنسا منذ عام 2015، من خلال ندوات مجلس الشيوخ المتعلقة بالديبلوماسية المائية وتغير المناخ والسلام في الشرق الأوسط، بالتعاون مع السيناتور أوليفييه كاديك ومؤسسات فرنسية ودولية.

لكن السياسات المطلوبة تختلف باختلاف المناطق المناخية.

ففي المنطقة المتوسطية، من جنوب فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان إلى قبرص ولبنان، ينبغي إعطاء الأولوية لإعادة استخدام المياه المعالجة، وتغذية الخزانات الجوفية، وتحسين الري، وإدارة الجفاف والفيضانات.

أما المناطق القارية، ومنها شمال فرنسا وأجزاء من البلقان وهضاب الأناضول، فتحتاج إلى تطوير التخزين الشتوي وإدارة الفيضانات وتحسين كفاءة استخدام المياه.

وفي المناطق الجافة والصحراوية، ولا سيما دول الخليج وأجزاء من المشرق وشمال أفريقيا، تصبح الأولوية لتحلية المياه منخفضة الكربون، والطاقة المتجددة، وتعزيز التكامل بين المياه والطاقة والغذاء، والتعاون في الأحواض المشتركة.

وعلى المستوى الوطني، تحتاج فرنسا إلى الانتقال من القيود الموسمية على الاستهلاك إلى استراتيجية طويلة الأجل للموارد غير التقليدية، تتضمن أهدافًا كمية لإعادة استخدام المياه المعالجة والتغذية الاصطناعية للخزانات الجوفية.

ويحتاج لبنان إلى تطبيق الإدارة المتكاملة للموارد المائية (IWRM)، وتحديث شبكات التوزيع، وتطوير التخزين والري، وتعزيز الديبلوماسية المائية في أحواض العاصي والأردن والحاصباني والوزاني.

وفي ظل القيود المالية التي يواجهها، يمكن للشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPPs) أن تؤدي دورًا مهمًا في تمويل تحديث البنية التحتية، ضمن أطر تنظيمية واضحة.

أما قبرص، فتستطيع تعزيز دورها مركزًا إقليميًا للبحث والتدريب من خلال معهد قبرص وأكاديمية “ECOMED”، مع مواصلة رقمنة شبكات المياه، واعتماد العدادات عن بُعد وكشف التسرّبات، وتوسيع التحلية منخفضة الكربون وإعادة استخدام المياه المعالجة.

وتحتاج دول المنطقة مجتمعة إلى دمج سيناريوهات الانبعاثات المناخية (RCP) والتقلبات المرتبطة بظاهرة “ENSO” في تخطيط الري وتشغيل السدود، بدلًا من الاعتماد على المتوسطات التاريخية وحدها.

كما ينبغي تطوير منصات بيانات مشتركة تجمع الحكومات والعلماء والمزارعين والصناعيين والسلطات المحلية والمجتمع المدني، وتعزيز التدريب على الديبلوماسية المائية وإدارة الأحواض العابرة للحدود.

فالاستجابة الفعالة لا تقوم على بناء منشآت جديدة فحسب، بل على تحسين الحوكمة، وتنسيق الاستثمارات، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وتحويل المعرفة العلمية إلى قرارات قابلة للتنفيذ.

إنَّ أزمة المياه في البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط ليست مجرد نتيجة لتراجع الأمطار، بل اختبار لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها ومجتمعاتها في مواجهة مناخ مختلف.

وعام 2050، الذي يبدو بعيدًا في الحسابات السياسية اليومية، قريب في حسابات البنية التحتية والاستثمارات المائية. فالمشاريع الكبرى والاتفاقات العابرة للحدود تحتاج إلى سنوات طويلة من التخطيط والتمويل والتنفيذ. لذلك، فإن مستقبل المياه في المنطقة لن تحدده الطبيعة وحدها، بل نوعية القرارات التي تُتخذ اليوم.

فإذا استمر التعامل مع الجفاف بوصفه أزمة طارئة، ستتزايد كلفته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. أما إذا جرى الاستثمار في العلم والتكنولوجيا والحوكمة والديبلوماسية المائية، فيمكن تحويل هذا التحدي إلى فرصة للتعاون والتنمية والاستقرار.

إنَّ المعركة المقبلة في المتوسط لن تكون على المياه وحدها، بل على قدرة الدول على إدارة ندرتها قبل أن تتحول إلى تهديد دائم لمستقبلها.

↑
Exit mobile version