ما فشلت فيه إيران يتكرَّر مع الحوثيين!
هُدى الحُسَيني*
في مناظرة أُقيمت بجامعة جورج تاون في واشنطن قبل أيام، جمعت مستشارَين سابقَين للأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب السابقة، وهما جون بولتون وروبرت أوبراين، وكلاهما خرج من منصبه بعد خلافٍ حاد مع الرئيس، ليصبحا من أشد المعارضين لفكر ترامب ونهجه إلى اليوم.
توافق بولتون وأوبراين على أنَّ الحملة العسكرية على إيران ستشتدُّ بعد الانتخابات النصفية مهما كانت النتيجة، وأنَّ سياسة التقارب الأميركي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورفع العقوبات عن روسيا ترمي إلى مجموعة أهداف، من أهمها تحييد روسيا في الصراع الأميركي-الإيراني، لقاء وقف الدعم العسكري لأوكرانيا، لبدء عملية وقف الحرب وإنهاء النزيف الروسي المستمر منذ ما يزيد على أربع سنوات.
كما توافق المسؤولان السابقان على أنَّ حسم المعركة مع إيران عسكريًا لم يعد خيارًا بل صار إلزامًا، فبقاء النظام الإيراني هو حكمًا هزيمة لأميركا، وهذا ما لا يتوقع أحد حدوثه. ولكن لشخصية ترامب، التي تلامس النرجسية حسب وصف أوبراين، تأثير على قراراته المستقبلية، ما سيجعله أكثر شراسة إذا خسر الحزب الجمهوري الانتخابات النصفية؛ فالرئيس الأميركي، في ما بقي من ولايته، سيعمل لإرثه السياسي، وهو لن يقبل بأن يكون الرئيس الأميركي الأفشل في تحقيق الوعود والأهداف التي أكد أنه سيحقّقها.
من ناحية أخرى، لا يدرك النظام الإيراني، في نهاية المطاف، أنَّ شعبه مُنهَك، واقتصاده مفلس، ونفوذه الإقليمي يتقلّص، ويُنتزع ما بقي منه بالقضاء على الأذرع التي اغتيلت قياداتها، وتدمّرت مواقعها، وانكشف ضعفها وأكاذيبها. إعلام النظام الإيراني يقول إنَّ أوراق مضيقَي هرمز وباب المندب هي ما لم تحسب له إدارة ترامب حسابًا، وإنَّ ذلك سيؤدي إلى خلافٍ أميركي مع الحلفاء، وبالأخص الأوروبيين الذين يعانون اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. ولكن النظام لم يقرأ جيدًا تجربة جمال عبد الناصر الذي استعمل أوراق إقفال مضيق تيران وقناة السويس وحاصر ميناء العقبة، فكانت كارثة حرب الأيام الستة في حزيران (يونيو) 1967، التي لا يزال العرب يعانون من ذيولها. وكما اعتقد الزعيم المصري الراحل أنَّ الاتحاد السوفياتي، بموجب معاهدة الدفاع المشترك، سيأتي لنجدته، ولن يسمح بشنِّ حرب كبرى على الجمهورية العربية المتحدة، يعتقد أركان النظام الإيراني أنَّ روسيا والصين ستمنعان سقوطه وستقفان وراءه سدًّا منيعًا بوجه “الإمبريالية” الأميركية. إلّا أنَّ أركان النظام الإيراني، وتحديدًا قادة “الحرس الثوري”، لا يدركون أنَّ مصالح الدول الكبرى، وهم بالتأكيد ليسوا منها، تتجاوز المعاهدات والقيم والمبادئ. فلم تُنقِذ عبد الناصر معاهدة الدفاع مع الاتحاد السوفياتي، الذي كان يسعى إلى إنهاء الحرب الباردة، وقد دخل في مفاوضات سرية معقّدة مع الولايات المتحدة للتوصُّل إلى اتفاقيةٍ للحدِّ من الأسلحة الاستراتيجية. كذلك لن يتدخل الروس لنجدة إيران، وهم يسعون إلى مساعدة ترامب على إنهاء حرب أوكرانيا.
النظام الإيراني، الذي يديره فعليًا قادة “الحرس الثوري”، لا يزال يسعى إلى تصدير الثورة وبسط النفوذ، فينادي نائب وزير الخارجية بتسليح الشعب اللبناني للمقاومة، ويحاول “حزب الله”، وهو فيلق تابع لـ”الحرس الثوري”، إعادة نفوذه بواسطة دراجات نارية تنشر الفوضى والخوف في أحياء بيروت، وكأن العالم حول الحزب لم يتغيّر. فخط الإمداد السوري قد أُقفل إلى الأبد، وإسرائيل أصبحت تسيطر على معظم الجنوب اللبناني، لا رادع لها ولا من يردعها، والقدرات المالية تقلّصت، وخُفّضت الكثير من ميزانيات الأقسام والمؤسسات التابعة، والبيئة الحاضنة، في السر وكذلك في العلن بصورة متزايدة، لا رغبة ولا قدرة لديها على الاستمرار في المعاناة.
وكما في لبنان، أيضًا في اليمن، يقوم “الحرس الثوري” بإطلاق صواريخه على أهدافٍ مدنية في السعودية بواسطة جماعة الحوثيين، وذلك لبثِّ الفوضى والارتباك في المملكة، وبعث رسالة إلى الإدارة الأميركية تقول إنَّ أمن الخليج والمنطقة، من البحر إلى النهر، هو بيده، ولا مانع إذا كان الثمن مزيدًا من الدمار والموت في اليمن ولبنان. إلّا أنَّ السعودية تدرك جيدًا ما يسعى إليه “الحرس الثوري”، وتعمل بحكمة ورويّة، وتدرك جيدًا أنَّ النظام الإيراني يتهاوى ويتصرّف بعبثية، تمامًا كما فعل صدام حسين في أثناء انسحابه من الكويت، حين أضرم النار في المنشآت النفطية الكويتية، وغنمت من فعله شركات أميركية متخصصة في إطفاء الحرائق، تقاضت ثمن عملها ما يقارب 750 مليون دولار.
وحسب مسؤول أمني، تستطيع الولايات المتحدة كبح الحوثيين عبر تعزيز قدرات السعودية الدفاعية وتعطيل مصادر تسليح الجماعة، مع الحفاظ على تركيزها العسكري في مواجهة إيران وتجنّب الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة في اليمن.
وتبدأ هذه المقاربة بتطوير الإنذار المبكر، وتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الرياض، وربط أنظمة الرصد والاعتراض ضمن شبكة دفاع متكاملة. كما تتطلّب تأمين إمدادات مستقرة من الصواريخ الاعتراضية، بما يسمح بمواجهة هجمات متزامنة تستهدف السكان والمطارات والمنشآت النفطية، ويحافظ على الجاهزية السعودية.
وبالتوازي، يمكن لواشنطن وشركائها تشديد الرقابة على طرق التهريب، وتعطيل شبكات التمويل والإمداد، ومنع وصول مكونات الصواريخ والمسيّرات إلى الحوثيين، فإضعاف قدرتهم على تعويض خسائرهم وتصنيع أسلحتهم يقلّص وتيرة الهجمات، ويحد من حاجة الولايات المتحدة إلى غارات متواصلة تستنزف الذخائر والطائرات ووسائل الاستطلاع.
وأضاف المسؤول الأمني نفسه أنَّ التدخل العسكري المباشر ينبغي حصره، عند الضرورة، بأهداف بالغة الأهمية، تستند مهاجمتها إلى معلومات دقيقة وفائدة عسكرية واضحة، مع تقدير مخاطر التصعيد وحماية المدنيين.
ويحذّر المسؤول من أنَّ ضربات استعراضية قد تنسف التهدئة بين واشنطن والحوثيين، وتفتح سلسلة مواجهات تسحب الموارد الأميركية من الجبهة الإيرانية. لذلك، فإنَّ دعم السعودية دفاعيًا، وخنق إمدادات الحوثيين، واختيار العمليات المحدودة بعناية، تتيح حماية المملكة وإضعاف إحدى أدوات طهران، من دون تشتيت القوة الأميركية أو منح إيران فرصة لإطالة الحرب ورفع كلفتها على الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة.
- هُدى الحُسَيني هي صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، تعملُ في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية. عملت سابقًا في صحفٍ ومجلّات عدّة منها: “الأنوار” في بيروت، و”النهار العربي والدولي” و”الوطن العربي” في باريس، و”الحوادث” و”الصياد” في لندن. غطّت حربَ المجاهدين في أفغانستان، والثورة الإيرانية، والحرب الليبية-التشادية، وعملية “الفالاشا” في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الأولى. حاورت زعماءَ دول عربية وأجنبية عديدين بينهم الإمام روح الله الخميني (الذي رافقته على الطائرة التي نقلته من باريس إلى طهران)، والملك الحسن الثاني، والملك حسين، والرؤساء أنور السادات، صدام حسين، ياسر عرفات، جعفر النميري، وعيدي أمين …
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية.



