محمّد قوّاص*
قبل أسابيع، أعلن رئيس الحكومة البريطانية أندي بورنهام أنَّ بلاده قررت الموافقة على طلبٍ سعودي بتوفير دعمٍ دفاعي محدود يتمثل في طائرة “RAF Voyager” للتزوُّد بالوقود جوًّا للطائرات السعودية. اعتُبِرَ الأمرُ حينها تطوُّرًا تُبديه لندن إثر ما نُشِرَ عن رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب مشاركة أميركية في ضرب الحوثيين ردًّا على استهدافٍ مباشر لبُنى تحتية ومدنية سعودية.
غير أنَّ ما كان تطوُّرًا في لندن ارتقى، الثلاثاء الماضي، إلى مستوى التحوُّل في مقاربة “10 داوننغ ستريت” للصراع، على نحوٍ لا يُمكن تسميته إلّا انخراطًا، وإن حمل العناوين المخفّفة الضرورية. في لندن مَن يرى في الأمر تحوُّلًا يؤسّس لإطلالةٍ بريطانية جديدة على الخليج والشرق الأوسط، لكنه يعكس أيضًا مراجعة المملكة المتحدة لنظرتها إلى نفسها وخياراتها الاستراتيجية.
فرُغمَ ما عُرف عن علاقة تاريخية خاصة جمعت بريطانيا والولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، وعلى الرُغم من مشاركة لندن في كل الحروب التي شنتها واشنطن في المنطقة، بما في ذلك تلك ضد الحوثيين في ربيع 2025، فإنَّ بريطانيا رفضت، كباقي دول أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الانضمام إلى الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة بمشاركة إسرائيل ضد إيران. لم تجد لندن في الأمر مصلحة بريطانية، لكنها وجدت في الانخراط دفاعًا عن السعودية مصلحة ذاتية تستدعي إقدامًا عاجلًا.
كانت المملكة المتحدة واحدة من الدول الأساسية، وفي مقدمها الولايات المتحدة، التي لم تتوافق مع قراءة تحالف دعم الشرعية في اليمن، التي كانت ترى في الحسم العسكري والسيطرة على الحديدة مدخلًا لحلِّ الاحتراب في اليمن عام 2018. لكن لندن تبدو هذه الأيام نادمة على ذلك الخطأ، ومتعجّلة في التدخُّل عسكريًا لمنع “تهديد الاستقرار الدولي”، وفق بياناتها الرسمية.
ولئن حشرت الحكومة البريطانية في ديباجة قرارها إرسال مقاتلات “تايفون” وموارد عسكرية ومستشارين إلى السعودية عناوين الدفاع عن مصالح بريطانيا والبريطانيين، فإنَّ في ذلك انخراطًا في صراع من بواباته المباشرة حماية للنظامين، الدولي والإقليمي، من عبث الميليشيات وفائض سلاحها.
في 12 من الشهر الجاري، اتهمت بريطانيا إيران بالوقوف وراء “حدث أمني كبير” استهدف قاعدة “فيرفورد” العسكرية جنوب إنكلترا. وترتّب على هذا التهديد الأمني سحب الولايات المتحدة قاذفاتها الاستراتيجية من طراز “بي-1 لانسر”. واستنكرت لندن ما تدبّره إيران ضد بريطانيا عبر شبكاتها وأذرعها. وبدا انخراط بريطانيا في الدفاع عن السعودية بمثابة ردٍّ مباشر على إيران، ومحاولة لردع ذراعها في اليمن.
الواضح أنَّ في همّة لندن سعيًا إلى التقاط لحظة تاريخية تستعيد فيها المملكة المتحدة مكانتها كدولة أوروبية نووية كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن يملك حق النقض، وكدولة ضامنة للأمن في الخليج والشرق الأوسط.
دوافع لندن بريطانية خالصة. بريطانيا ليست جمعية خيرية، وتدير قراراتها وفق إملاءات المصالح. تدافع عن تلك المصالح في السعودية ولدى دول الخليج، كما تدافع عن مكانتها في الشرق الأوسط.
سيسهل على الرياض وعواصم المنطقة ملاحظة إقدام بريطاني مقابل نأي أميركي بالنفس، وصل إلى حد مفاخرة ترامب بتفاهم مع الحوثيين يحمي سفن الولايات المتحدة وحتى إسرائيل، وقبوله مبدأ التفاهم رغم أنَّ الحوثيين، وفق تصريحاته، لن يستهدفوا إلّا سفن السعودية.
تلتحق بريطانيا بتحوّلات لافتة نرصد أعراضها في توافق سعودي – إماراتي – خليجي عام، معطوف على بيئة إقليمية حاضنة تشهد عليها، خصوصًا، مظاهر تفعيل “اتفاق مكة” السعودي – الباكستاني – التركي، وقرار مصر الاستجابة لما تطلبه السعودية دفاعًا عن أمنها.
وتُعبِّرُ اللحظة البريطانية عن مزاجٍ أوروبي باشر التموضع في واجهات متدافعة لأخذ مكان في صراع نأت كل الدول بنفسها عن خوضه، حين أطل ترامب مُنتهرًا، معاتبًا، شاكيًا “ظلم ذوي القربى”.
قد تبدو مقاتلات “تايفون” ذاهبة للتحليق في وضعية دفاعية، فيما هناك مَن يُذكّر أنَّ في العلوم العسكرية ما يشير إلى أنَّ أفضل الدفاع هو الهجوم. فهل تذهب لندن هذا المذهب؟
- الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).
