بولا يعقوبيان*
عُقِدَت الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك الأسبوع الماضي، بمشاركة لبنان إلى جانب دول أخرى من منطقة الشرق الأوسط. لكن لبنان يحضر هذه الاجتماعات مُثقلًا بسؤالٍ يتجاوز حدود أي خطة للإنقاذ المالي: هل تستطيع الدولة استعادة سلطتها الكاملة، ليس على القرار الأمني والعسكري فحسب، بل على إدارة المال والاقتصاد أيضًا؟
فإذا كانت الترسانة العسكرية المستقلة لـ”حزب الله” قد حالت طويلًا دون احتكار الدولة قرارَي الحرب والسلم، فإنَّ مفهوم السيادة لا يقتصر اليوم على الجانب الأمني. فالسيادة تتطلب أيضًا امتلاك الدولة القدرة على تنظيم القطاع المالي، وحماية مدّخرات المواطنين، وتحصيل الإيرادات العامة، وتوفير الائتمان، وفرض احترام القانون. من هنا، لا يمكن التعامل مع الإصلاح الاقتصادي بوصفه ملفًا منفصلًا عن مسألة السيادة في لبنان، بل باعتباره جُزءًا أساسيًا منها.
تطرح هذه المسألة نفسها اليوم بصورة مباشرة أمام صندوق النقد الدولي. فبعد نحو سبع سنوات على الانهيار المالي اللبناني، لا يزال المودعون يتحمّلون تبعات أزمة لم يكونوا مسؤولين عن اندلاعها. وقد تجاوزت الخسائر المتراكمة 70 مليار دولار، موزَّعةً بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية، فيما لا يزال السؤال السياسي الأكثر حساسية من دون إجابة: مَن سيتحمّل هذه الخسائر، وكيف ستُوَزَّع أعباؤها؟
بصفتي نائبة في البرلمان اللبناني، تابعتُ طوال السنوات الماضية كيف انتقل هذا الملف بين المؤسسات الدستورية، من دون التوصُّل إلى معالجة حاسمة. وقد خطا البرلمان خطوة مهمة في آب (أغسطس) الماضي، بإقراره الصيغة المُعدَّلة من قانون “إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها”. غير أنَّ هذا التقدُّم لا ينبغي أن يحجب حقيقة غياب التوافق الداخلي على الإصلاح؛ فالمسؤولون الملتزمون فعليًا بهذا المسار لا يزالون أقلية داخل منظومة السلطة، فيما جاءت المكاسب الإصلاحية الأخيرة نتيجة ضغوط خارجية إلى حد كبير، وفي مقدمها ضغوط صندوق النقد الدولي.
وكان رئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام من بين المسؤولين القلائل الذين أكّدوا جدية لبنان في المضي بالإصلاحات واستعداده للدخول في برنامج مع صندوق النقد الدولي. لكن بالتزامن مع هذا التوجُّه، أحالَ رئيس الجمهورية جوزيف عون المادة الثالثة من قانون “إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها” إلى المجلس الدستوري، ما أعاد فتح الخلاف بشأن صلاحيات مصرف لبنان. وبصرف النظر عن الاعتبارات القانونية التي استندت إليها الإحالة، فقد أثارت تساؤلات جديدة حول مدى تماسك المسار الإصلاحي وجدية الالتزام به. أما الاختبار المقبل، فيتمثل في إقرار “قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع”، المعروف بـ”قانون الفجوة المالية”، الذي سيُحدّد آلية توزيع الخسائر وكيفية التعامل مع حقوق المودعين.
وهنا يتضح أنَّ التحدّي سياسي بقدر ما هو مالي وتقني. فلوبي القطاع المصرفي، الذي تتصدره “جمعية مصارف لبنان”، لا يزال قوة منظمة تتمتع بنفوذ واسع، وتسعى إلى التأثير في مسار إعادة هيكلة المصارف، وآليات توزيع الخسائر، وحدود مساءلة المساهمين. ويستند هذا النفوذ إلى تحالفات سياسية داخل البرلمان، تشمل أعضاء في لجنة المال والموازنة. ومن خلال مشاركتي المباشرة في هذه النقاشات، أُدرِكُ حجمَ الضغوط التي تُمارَس للتأثير في القرارات الإصلاحية. وهي ضغوط لا تقتصر على أروقة البرلمان، إذ لجأ هذا اللوبي مرارًا إلى توظيف نفوذه السياسي والإعلامي لتوجيه عملية الإصلاح بما يخدم مصالحه.
لا تقتصر كلفة تأخير الإصلاحات المالية على الاقتصاد وحده، بل تمتد إلى الأمن أيضًا. فقد قُدِّرَ حجمُ الاقتصاد النقدي القائم على الدولار في لبنان بنحو 9.9 مليارات دولار عام 2022، أي ما يعادل نصف الناتج المحلي الإجمالي تقريبًا. ومع أنَّ الأنشطة النقدية ليست بالضرورة غير مشروعة، فإنَّ اتساع نطاقها يحدّ من قدرة الدولة على تتبّع التدفقات المالية، ويعقّد تحصيل الضرائب، ويرفع مخاطر غسل الأموال. وقد اعتمد “حزب الله” منذ سنوات على التعاملات النقدية وشركات الصرافة وشبكات التحويل ومؤسسات تعمل خارج النظام المصرفي التقليدي. وفي هذا السياق، أفادت وكالة “رويترز” مؤخَّرًا بأنَّ الحزب تلقّى 200 مليون دولار من إيران لمساعدة العائلات النازحة، وهو رقمٌ شكّكت فيه وزارة الخارجية الأميركية. وبصرف النظر عن دقة هذا الرقم، فإنَّ قدرة لبنان على مواجهة مصادر تمويل “حزب الله” ستظلُّ محدودة ما دامت القنوات النقدية غير الشفافة واسعة الانتشار، وما دام الإصلاح المالي مؤجَّلًا.
ولا يعني ذلك أنَّ “حزب الله” واللوبي المصرفي حليفان، أو أنهما طرفان متكافئان في طبيعتهما ودورهما. لكن كليهما يستفيد، بطرق مختلفة، من مواطن الضعف في مؤسسات الدولة، بما يقوّض قدرتها على تنظيم النشاط المالي، وإنفاذ القانون، واستعادة ثقة المواطنين. من هنا، فإنَّ الفصلَ بين قضية سلاح “حزب الله” وملف الإصلاح المالي، وهو نهجٌ ساد حتى في واشنطن، يتجاهل الترابط بينهما. فالدولة التي تعجز عن مراقبة التدفقات المالية، وحماية الودائع، واستعادة الائتمان، وتأمين التمويل للمؤسسات والأعمال، تفتقر إلى الأدوات التي تُمكّنها من مواجهة نظامٍ موازٍ يتمتع بقوة عسكرية وموارد مالية ونفوذ اجتماعي. لذلك، فإنَّ استعادة سلطة الدولة في لبنان تقتضي الجمع بين حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وإقامة نظام مالي متين يُعزّز قدرتها على ممارسة هذه السلطة.
سيكون النقاش المُرتَقَب حول “قانون الفجوة المالية” اختبارًا أساسيًا لقدرة لبنان على تقديم المصلحة العامة على الامتيازات التي تتمتع بها مجموعات نافذة ومنظمة. وبصفتي نائبة مُنتَخَبة في البرلمان، فإنَّ موقفي واضح: لا يجوز تحميل المودعين العاديين ودافعي الضرائب أعباء الخسائر مرة أخرى، فيما يبقى المساهمون والمُطَّلعون على خفايا النظام المالي والمستفيدون منه بمنأى عن المساءلة وتحمُّل المسؤولية. والمطلوب توزيع الخسائر بشفافية، وفق تسلسلٍ واضح وموثوق لأولوية المطالبات، مع ضمان المحاسبة وإعادة بناء قطاعٍ مصرفي قادرٍ على استئناف دوره في تمويل الاقتصاد ومنح الائتمان. من هنا تبرز أهمية الاجتماعات التي عُقدت في بانكوك، حيث أوضح صندوق النقد الدولي أنَّ إقرارَ قانونٍ مُلائم لمعالجة الفجوة المالية يشكّل ركيزةً أساسية لأيِّ برنامج جديد مع لبنان. ويبقى السؤال ما إذا كانت السلطات اللبنانية ستُقدّم هذه المرة خطة إصلاحية قابلة للتنفيذ وتحظى بالمصداقية، أم أنَّ البلاد ستشهد حُزمةً جديدة من الإصلاحات التي تُفرَّغ من مضمونها بفعل التجاذبات والمصالح الداخلية.
يستطيع شركاء لبنان الدوليون، وفي مقدمهم الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي، دعم برنامج إصلاحي جاد، لكن مسؤولية الإصلاح تبقى لبنانية بالدرجة الأولى، قبل أن تكون مطلبًا أو أولوية دولية. فالمؤسسات الاقتصادية تحتاج إلى الائتمان لمواصلة أعمالها، والمواطنون يحتاجون إلى استعادة القدرة على الوصول إلى مُدَّخراتهم، فيما تحتاج الدولة إلى إيراداتٍ منتظمة ووضوحٍ في أوضاعها المالية. لذلك، تقع على عاتق البرلمان والحكومة مسؤولية المضي في الإصلاح المالي بالتوازي مع تكريس حصرية السلاح بيد الدولة. فلا يمكن للبنان استعادة سيادته الكاملة ما دام ضعف مؤسساته المالية واستمرار السلاح خارج سلطتها يقوّضان قدرته على ممارسة هذه السيادة.
- بولا يعقوبيان هي نائبة في البرلمان اللبناني، تمثل دائرة بيروت الأولى. وهي صحافية سابقة، انتُخبت للمرة الأولى عام 2018، ثم أُعيد انتخابها في عام 2022.
