ريادة الشعر لا تعني تجاوزَ قواعده (1 من 2)

عبدالوهاب البياتي

هنري زغيب*

بعد مئة عام على ولادة بدر شاكر السياب (1926-1964) وعبد الوهاب البياتي (1926-1999) وبلند الحيدري (1926-1996)، احتفَت بهم بغداد في ندوات عنهم وقراءات من قصائدهم الريادية. 

هذا الاحتفاء يفتح مجدَّدًا عُمْق النقاش في ماهية التجديد والريادة إِنما… من دون التخلِّي عن النُظُم والأُصول.

آنا كارسون

فوضى “الشعر المنثور”

قبل يومين (الخميس الماضي من هذا الأُسبوع) أَعلنَت الأَكاديمْيا السويدية في ستوكهولم منْح الكاتبة الكندية آنَّا كارسون Anne Carson (م. تورنتو 1950) “جائزةَ نوبل للأَدب 2026” على تجربتها “تكسير القواعد الأَدبية المأْلوفة وإِزالة الحدود التقليدية بين الأَنواع الأَدبية، وإِنشاء مزيج من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات”. وفور نيلها الجائزةَ صرَّحت بأَنها ترفض “التصنيفات الأَدبية من شعر ورواية وغيرها”، وبأَنها تدمج “القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي…”).

كذلك قبل 6 سنوات: يومَ الشاعرة الأَميركية لويز غْلِكْ (1943-2023) تسلَّمَت جائزة نوبل للأَدب سنة2020، برَّرت الأَكاديميا السويدية اختيارَها: “لصوتها الشعري المتميِّز الذي ببساطة جماله يحوّل الحضور الفردي كونيًّا”…

يومها، لدى صدور الخبر، قرأْتُ بعض نصوصها بإِنكليزيتها “البسيطة” لعلِّي أَكتشف “الجماليا” فيها، فرأَيتُ بساطةً أَقرب إِلى اليومي النثري منه إِلى الشعري “المشغول”. وهذه النصوص كنتُ عاينتُ أَمثالها قبل سنوات، فترةَ كنتُ أُدرِّس في ثلاث جامعات أَميركية، وأَحْضر لقاءات شعرية مُصغيًا إِلى أَميركيين يقرأُون ما يسمُّونها “قصائد”، وهي في أَغلبها الأَقصى لا تعدو كونها كلامًا عاديًا يقوله أَيُّ إِنسان، أَو يكتبُه أَيُّ محرِّرٍ عاديٍّ في جريدة، من دون ادِّعائه أَنها “شعر”. ولمستُ فترتَذَاك كيف الشعرُ الأَميركي المعاصر لم يعُد “مشغولًا” كما أَيام أَعلامه الكبار، بل ينحو إِلى كونه كلامًا منسرحًا لا تضبطه قواعد ولا نُظُم.

بلند الحيدري

التسمية ليست هوية

في أَحد أَحاديث غْلِكْ، إِثر نيلها الجائزة، قالت: “أَنا أُحبُّ الوزن، إِنما أُفضِّل الإِيقاع خفيًّا داخليًّا”. وبرَّرَت ذلك بأَن “التركيب الشعري يتكامل في إِيقاعٍ موسيقيٍّ خفيٍّ يوَلِّد التأْثير الشعري”.

وراء هذا “التبرير” (إِيقاع موسيقيّ خفيّ) خفّةٌ في التعامُل مع الفن الشعري القائم على أُصولٍ ونُظُمٍ وأَوزان إِيقاعيَّة ظاهرة غير خفية هي التي، لصعوبتها، يَهرب منها القاصرون فيبتدعون أَعذارًا باسم “الحداثة” و”الإِيقاع الداخلي”، رافضين الْتزامَ الوزن أَو اعتماد التقفية.

هذه الظاهرة الأَميركية أَسس لها الشاعر وُولت ويتْمان (1819-1892) بما سمَّاه “الشعر المنثور” و”التخلّي عن الوزن والقافية، واعتماد التعبير الـمُرسَل كيفما جاء”. وانتشرَت الموجة، وأَصدرت الشاعرة هاريـيت مونرو (1860-1936) مجلة “شعر” (شيكاغو – 1912). وراج الشعر “المنثور” كتابةً منسرحةً باسم الشعر، عاديةً باسم الحداثة، سهلةً باسم رفْض القديم. ووصلَت مفاعيلُه إِلى العالم العربي، فأَسس يوسف الخال مجلة “شعر” (بيروت – 1957) مطابِقَةً، شكلًا ومضمونًا، رديفتَها الأَميركية، وانفلتَت بين الشعراء العرب موجة “الشعر الحديث”، وما زالت حتى اليوم دُرْجَةَ الذين لا يمتلكون أُسسَ النُظُم فـــ”يبتدعون” حجَجَ “الإِيقاع الداخلي” و”الكتابة غير المشغولة”، بما يرفضه حتى النثر في أَدنى مستوياته.

من أَجواء وُوْلْت ويتْمان، مضمونًا وشكلًا، كتب أَمين الريحاني نصوصًا جمعَها من أَوراقه شقيقُه أَلبرت الريحاني في كتاب “هتاف الأَودية” (1955). ووَسَمَ تلك النصوص بــ”الشعر المنثور”، وصدَّر الكتاب بنصٍّ كتبه الريحاني سنة 1910 حول هذا النوع الشعري بزعامة وُوْلْت ويتمان. سوى أَن المجموعة، وإِن هي في النثر وتعتمد السجَع في بعض نصوصها، تحمل في نسيجها نُظُمًا في التراكيب والبلاغة معظَمُها من نُظُم الشعر وأُصوله. إِذًا ليست نصوص الريحاني كتابةً منسرحةً كما النصوص الرخوة الاستسهالية الْبِدون ضوابط، “يرتكبها” القاصرون عن بناء العمارة الشعرية في القصيدة الكلاسيكية، فيُلْغون تَعادُلُ الإِبداع بين القَصيدة والنَثيرة.

أَمين الريحاني

النثر ليس أَدنى من الشعر

تلك الكتابةُ “الرخوة”، غير المصقولة، إِهانةٌ لا للشعر وحده بل للنثر فنًّا عاليًا لا يقلُّ صعوبة عن الشعر. وهربُ المعنيين إِلى تسميات “الشعر المنثور” و”قصيدة النثر” و”النثر الشعري”، يَعمَدون إِليها لـ”يرفعوا” الكتابة النثرية إِلى مستوى الشعر، كأَنما الشعر أَرفعُ مستوى من النثر. لا. أَبدًا. هذه إِهانةٌ النثرَ، وتسهيلٌ كتابةً رخوةً “تَدَّعي” الشعر كي تنصِّع نصًّا يُقْنع المتلقّين أَكثر، لو هُم نسبوه إِلى إِقليم الشعر دون النثر، كأَنَّ النثر درجة ثانية (وهذا خطلٌ كبير) وكأَنَّ الشعر درجة أُولى.

هذه الموجة من دُرْجَة الشعر “الحديث”، بدأَتْ منذ أَخذ شعراء يخرجون عن عمودية الشعر (صدرًا وعَجُزًا وقافيةً ورويًّا)، ويبنون قصيدتهم مدوَّرَةً على وحدة التفعيلة، وأَتوا بروائع شعرية شاهقة (في طليعتهم الثلاثي العراقي السياب والبياتي والحيدري)، مقابلَ غَثٍّ كثيرٍ من نمط “معاصر” سقَط في السرد النثري.

هذا الخروج على النُظُم تَواصَلَ انفلاشًا وانفلاتًا حتى بلغ “الشعرَ الحر” فـ”الشعرَ المنثور” المتفلِّتَ من إِيقاع كلّ قاعدة عروضية، متحجِّجًا بـ”الإِيقاع الداخلي”، وهْمًا لا تعرفه سيداتُ الإِيقاع: السمفونياتُ الخالدة التي “تفرض” ميلودياها ولا تنتظر “البحث” عنها بين مفاصل النوطات.

التتمة في الحلقة المقبلة.

↑
Exit mobile version