إسبانيا-فرنسا: غضبٌ في خدمةِ الصناديق

محمّد قواص*

في تموز (يوليو) الماضي، نقل الإعلام الدولي مشاهد هجرة جماعية باتجاه مدينة سبتة التي تديرها إسبانيا خلال ساعات. عبر حينها عشرات الآلاف الحدود من المغرب. احتشدت قوات الأمن، وأُغلقت المعابر، وارتفعت أصوات اليمين واليمين المتطرف تطالب بترحيل فوري وبإغلاق الحدود، واستغلت الحدث بحيوية وانتهازية لشنِّ هجومٍ على حكومة اليساري بيدرو سانشيز. ورُغم تعاون مدريد والرباط للتعامل مع الحدث واستيعابه، بقي ملف سبتة ساخنًا في وجه سانشيز، إلى جانب شبهات فساد تطال المحيطين به.

لاحقًا، في أوائل الشهر الجاري، انفجرت احتجاجات أزمة الإسكان حين تمَّ إخلاء مسنّة تبلغ من العمر 87 عامًا من مسكنها في مدريد بعد رفع إيجارها من نحو 500 يورو إلى أكثر من 1600. خرجت المظاهرات في أكثر من 50 مدينة لتعبّر عن غضب اللحظة المتناسلة من سنوات عجزت خلالها الحكومة عن اجتراح حلول لمُعضِلةٍ باتت بنيوية وخطيرة في البلاد. قدمت الحكومة مرسومَين يُعلّقان إخلاء المستأجرين ذوي الدخول المنخفضة حتى 2030، ويمددان عقود الإيجار، ويقيّدان شراء الصناديق الاستثمارية للمساكن السكنية. رفض البرلمان المصادقة على المرسومين بأصوات اليمين واليمين المتطرف.

ردَّ سانشيز بمناورة مفاجئة. استغل الحدث وأعلن، الاثنين، مجازفة بحلِّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، أي قبل الموعد الأصلي في صيف 2027. قال إنه يحتاج إلى أغلبية تقدُّمية أوسع ضد يمين يقف دون إصلاحاته. حوّل بهذا القرار ملفَّي سبتة والإسكان إلى معركة واحدة. من جهة، صوّر اليمين واليمين المتطرف كعائقٍ أمام حماية المستأجرين، ومن جهة ثانية، سعى إلى صرف الأنظار عن عجز حكومته عن توفير الحلول. وفيما أدرك انهيار حظوظه في انتخابات العام المقبل، ذهب إلى مقامرة تستغل غضب الشارع لإنقاذ مصيره في انتخابات أرادها الشهر المقبل.

في فرنسا، اندلعت في الأيام الأخيرة احتجاجات المدارس الثانوية التي تنقل مشاهدها وسائل إعلام العالم. بدأ التحرُّك بإغلاق الثانويات في ضواحي باريس احتجاجًا على نقص المدرسين وتردّي المباني وضعف التمويل، لتمتد لاحقًا إلى مئات المؤسسات. بلغت المواجهات ذروتها الثلاثاء، بخروج أكثر من 250 ألفًا وفق وزارة الداخلية، واندلاع المواجهات مع الشرطة واعتقال آلاف، معظمهم قُصّر.

لا ينفصل المشهد عن الأزمة المالية الفرنسية، بحيث يعجز الائتلاف الحاكم، منذ فقدان الأغلبية البرلمانية عام 2024، عن تمرير موازنة 2027. وفيما الضجيج مطلبي مدرسي، غير أنه يرتبط مباشرة بالسباق الرئاسي في ربيع 2027، لإنتاج منظومة حكم تخلف المنظومة التي ترأسها إيمانويل ماكرون طوال 10 سنوات. تتقدم مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني (يمين متطرف)، استطلاعات الرأي، مستنكرة العنف وعبث الشوارع و”اليسار الذي يقف وراءها”. بالمقابل، يدافع منافسها على الرئاسة جان لوك ميلانشون، زعيم حزب “فرنسا الأبيّة” (يسار راديكالي)، عن حق الطلاب في الاحتجاج، ويتّهم الشرطة بممارسة العنف والتجاوزات.

يتشابه مشهدا فرنسا وإسبانيا في أنَّ الغضب الشعبي تدخل في رسم الاصطفافات ومفاقمة تجذّرها. يدافع سانشيز عن بقاء حكومة يسار في الحكم، ويحذّر من أن الحزب الشعبي (اليميني) وحزب فوكس (الشعبوي) قد يصلان إلى السلطة إن لم تمنحه الصناديق أغلبية تقدمية أوسع في انتخابات الشهر المقبل. والمفارقة، ولأسباب معقدة، فإنَّ ماكرون يقدم الدعم إلى إسبانيا وزعيمها اليساري ضد ظاهرة الهجرة في سبتة، بحجة أنها “اعتداء” على أوروبا أيضًا.

يتنافس ميلانشون ولوبان على احتلال المشهد الرئاسي المقبل في فرنسا، فيما تتحوّل الاحتجاجات الطلابية وأزمة الموازنة إلى عدّة شغل في خدمة المنافسة والمتنافسين. يجمع البلدين عجزُ الحكومات عن احتواء أزمات السكن والتعليم والحدود داخل موازنات ضيقة، ويفترقان في أنَّ سانشيز يراهن على توسيع قاعدته قبل أن يخسرها، في حين تفتح فرنسا الباب أمام انتقال السلطة إلى أحد القطبين من دون وسيط قوي في الوسط (حتى الآن).

وفيما الشاشات تحتشد في هذه المواسم بالنقاش والسجال، فإنه من الحكمة تأمّل حراك الشارع بصفته مشهدًا قد لا يكون بريئًا في لعبة مَن يريد أن يتلاعب بمشهدَي الحكم في البلدين ببيادق من غاضبين.

↑
Exit mobile version