السعودية في حربِ الجغرافيا: من هُرمُز إلى العراق

كابي طبراني*

لم يكن الهجوم الذي استهدف خط أنابيب “شرق–غرب” السعودي في العاشر من أيلول (سبتمبر) مجرّد هجوم جديد على منشأة نفطية، ولا مجرد امتداد للحرب التي تتسع حول المملكة. فالمُسَيّرات جاءت من العراق وضربت شريانًا صُمِّمَ أصلًا لتقليل أحد أخطر أوجه الضعف الجغرافي السعودي: الاعتماد على مضيق هرمز. وهنا تكمن دلالة الهجوم الحقيقية. فالمشكلة التي تواجه السعودية ليست أنها تفتقر إلى البدائل، بل أنَّ الحرب بدأت تلاحق هذه البدائل نفسها.

أكدت بغداد أنَّ الهجوم انطلق من الأراضي العراقية، وأقالت قائد العمليات في محافظة ميسان، فيما أغلقت السلطات العراقية معبر الشلامجة مع إيران وبدأت عملية لملاحقة المسؤولين. وكان يمكن لهذه التطوّرات أن تقود إلى ضربة سعودية جديدة داخل العراق، خصوصًا بعدما أثبتت الرياض في تموز (يوليو) أنها مستعدّة لاستخدام القوة عندما تنطلق الهجمات من الأراضي العراقية. لكنها اختارت هذه المرة عدم الرد، بناءً على طلب رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، ومنحت بغداد فرصة للتحرّك، مع احتفاظها بحقِّ اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها ومنشآتها.

هذا القرار لا يعني عودة السعودية إلى سياسة ضبط النفس القديمة. والأدق أنه يكشف عن صيغة جديدة من “الردع المشروط”: الرياض أثبتت أنها تستطيع الضرب، لكنها لا تريد أن تجعل من كلِّ هجوم بداية لجبهة جديدة. وهي بذلك تحاول الفصل بين مصدر التهديد والدولة التي ينطلق منها، وبين معاقبة الجماعات المسلحة والحفاظ على علاقة سياسية مع بغداد لا تريد خسارتها.

لكن طبيعة الهدف تجعل ضبط النفس أكثر صعوبة.

فخط “شرق–غرب”، الممتد لنحو 1200 كيلومتر، ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، متجاوزًا مضيق هرمز. ومع تراجع حركة الناقلات عبر المضيق إلى مستويات شديدة الانخفاض منذ اندلاع الحرب، أصبح الخط يحمل بين أربعة وخمسة ملايين برميل يوميًا في الأشهر الأخيرة، أي ما يعادل نحو أربعة إلى خمسة في المئة من الإمدادات النفطية العالمية. وبذلك لم يعد مجرد جزء من البنية التحتية السعودية، بل أصبح أحد أهم مخارج المملكة من أزمة هرمز.

أي أنَّ المهاجمين لم يستهدفوا أنبوبًا نفطيًا فحسب؛ لقد استهدفوا البديل السعودي عن هرمز.

وهذه هي المفارقة التي تكشفها الحرب. فقد بنت السعودية خلال عقود شبكة من الخيارات لتقليل تعرّضها لنقاط الاختناق الجغرافي. فإذا تعطل المسار عبر الخليج، يمكن تحويل النفط غربًا إلى البحر الأحمر. وإذا تعرّضت منشأة للخطر، تستطيع المملكة الاعتماد على منشآت ومسارات أخرى. لكن تجاوز نقطة اختناق لا يلغي الخطر بالضرورة؛ قد ينقله إلى مكان آخر.

وهذا ما يحدث الآن. ففي الشرق، أصبح هرمز ممرًا شديد الخطورة. وفي الغرب، يتعرّض البحر الأحمر وباب المندب لضغط متزايد، فيما وصل الحوثيون أخيرًا إلى جزيرة بريم الاستراتيجية عند مدخل المضيق. وفي الشمال، أثبت الهجوم الأخير أنَّ المسيّرات المنطلقة من العراق تستطيع الوصول إلى البنية التحتية التي صُمِّمت أصلًا لتقليل اعتماد السعودية على المسار الشرقي.

ليست هناك حاجة إلى افتراض وجود غرفة عمليات واحدة تدير هذه الجبهات حتى تظهر خطورتها. فالأثر الاستراتيجي واحد: تضييق الخيارات المتاحة للسعودية ورفع كلفة إبقائها مفتوحة.

تستطيع المملكة شراء المزيد من الدفاعات الجوية، وتوزيع منشآتها الحيوية، وتوسيع طاقة خطوط الأنابيب، وتغيير مسارات صادراتها. لكنها لا تستطيع تغيير الجغرافيا. وكلما تعرّضت المسارات البديلة للضغط في الوقت نفسه، تحوّلت الحرب من مسألة حماية منشآت منفردة إلى اختبار لقدرة الدولة على إبقاء شبكة الاقتصاد والطاقة والتجارة تعمل رُغمَ تعرّضها للتهديد من اتجاهات متعددة.

من هنا يكتسب العراق أهمية مختلفة.

فالمشكلة بالنسبة إلى الرياض ليست فقط أنَّ جماعات مسلحة تستطيع استخدام الأراضي العراقية لمهاجمتها، بل أنَّ التعامل العسكري المتكرّر مع هذا التهديد قد يحوّل العراق نفسه إلى جبهة دائمة. وهذا تحديدًا ما حاولت السياسة السعودية طوال العقد الأخير تجنّبه.

راهنت الرياض على أنَّ التجارة والاستثمار والانفتاح السياسي تستطيع إعادة العراق تدريجيًا إلى محيطه العربي ومنح بغداد هامشًا أوسع بعيدًا من الهيمنة الإيرانية. ولذلك فإنَّ الانتقال إلى سياسة الضربات المتكرّرة داخل العراق قد يحقق نتائج عسكرية مباشرة، لكنه يحمل ثمنًا استراتيجيًا: إضعاف الحكومة التي تريد السعودية تقويتها، وتعزيز خطاب الفصائل التي تقدّم نفسها بوصفها مدافعة عن السيادة، وإعادة العلاقات السعودية–العراقية إلى منطق المواجهة الذي حاول الطرفان تجاوزه.

وهنا تظهر قيمة “الردع المشروط”. فالرياض لا تقول لبغداد إنها ستتجاهل ما ينطلق من أراضيها، لكنها تقول لها عمليًا: أمامكم فرصة لوقف التهديد قبل أن نضطرَّ إلى وقفه بأنفسنا.

هذا فارقٌ مهمّ. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير منصة إطلاق أو مخزن مسيّرات، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة عراقية قادرة على منع استخدام أراضيها ضد جيرانها. بل إنَّ الإفراط في استخدام القوة الخارجية قد يضعف المؤسسات التي تحتاج إليها السعودية في النهاية كي تتحمّل هذه المسؤولية.

لذلك فإنَّ إقالة قائد عمليات ميسان وفتح التحقيق وملاحقة المسؤولين ليست سوى البداية. الاختبار الفعلي هو ما إذا كانت الأراضي العراقية ستُستَخدَم مرةً أخرى لإطلاق هجومٍ على المملكة.

لكن الاختبار السعودي أوسع من العراق. فالهجوم على خط “شرق–غرب” كشف أنَّ العمق الاستراتيجي لا يُقاس بعدد البدائل التي تمتلكها الدولة فقط، بل بقدرتها على إبقاء تلك البدائل قابلة للاستخدام عندما تتعرّض كلها للضغط. والطريق الذي يوفر مخرجًا من أزمة اليوم قد يصبح هدف أزمة الغد.

وهذه ربما هي أخطر حقائق الحرب الحالية بالنسبة إلى السعودية. فالمملكة لم تعد تواجه تهديدًا يأتي من اتجاهٍ واحد يمكن احتواؤه بدفاعات أقوى أو بتحالف عسكري أوسع. إنها تواجه شبكة من الضغوط تستفيد من الجغرافيا نفسها: هرمز في الشرق، البحر الأحمر وباب المندب في الغرب والجنوب، والعراق في الشمال.

لهذا كان قرار عدم الرد الفوري على الهجوم العراقي أكثر تعقيدًا مما يبدو. فالرياض تحتاج إلى ردع مَن يهاجمها، لكنها تحتاج أيضًا إلى تجنُّب إضافة جبهة جديدة إلى الجبهات التي تحيط بها. وتحتاج إلى حماية خط “شرق–غرب”، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى بقاء البحر الأحمر مفتوحًا. وتحتاج إلى الضغط على بغداد، من دون دفع العراق مجددًا إلى موقع الخصم.

لقد بنت السعودية خط “شرق–غرب” كي لا يبقى أمن صادراتها رهينة هرمز، وعزّزت حضورها على البحر الأحمر كي تمتلك منفذًا آخر إلى العالم. لكن الحرب تكشف الآن أنَّ بناء البدائل ليس نهاية الاستراتيجية، بل بدايتها. فالقوة الحقيقية تكمن في القدرة على إبقاء الخيارات مفتوحة عندما يحاول الخصم إغلاقها واحدًا بعد آخر.

من هرمز إلى البحر الأحمر، ومن ميسان إلى ينبع، لم تعد الجغرافيا مجرد مسرح للحرب. لقد أصبحت هي نفسها أحد أسلحتها.

Exit mobile version