نيقوسيا تستضيف دورة أوروبية حول “الديبلوماسية المائية” والأمن المناخي

تستضيف العاصمة القبرصية نيقوسيا، بين 19 و23 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، دورة تنفيذية متخصّصة في “الديبلوماسية المائية”  (Hydrodiplomacy)، تضع أمن المياه وتداعيات التغيُّر المناخي في صلب النقاش حول الاستقرار والأمن وبناء السلام في منطقة المتوسط والشرق الأوسط.

وتُنظَّم الدورة تحت عنوان “الديبلوماسية المائية: أداة للمرونة المناخية والبيئية والسلام والأمن”، بمشاركة “الكلية الأوروبية للأمن والدفاع”  (ESDC)، و”أكاديمية قبرص للأمن والدفاع”، و”معهد قبرص”، وجامعة البلمند اللبنانية من خلال مركز الديبلوماسية المناخية والسلام المستدام.

وتنطلق الدورة من فكرة أنَّ الضغوط المرتبطة بالمياه والمناخ والبيئة لم تعد قضايا تنموية منفصلة، بل باتت تتقاطع بصورة متزايدة مع الأمن والاستقرار والعلاقات بين الدول. ولهذا، تجمع مسؤولين كبارًا وصانعي سياسات وديبلوماسيين وأكاديميين وخبراء دوليين لبحث كيفية استخدام التعاون المائي والديبلوماسية البيئية في منع النزاعات وتعزيز القدرة على الصمود وبناء السلام والتعاون الإقليمي.

ويركز البرنامج على الانتقال من النظرة التقليدية إلى المياه بوصفها موردًا طبيعيًا أو اقتصاديًا إلى التعامل معها كأصلٍ استراتيجي يؤثّر في الأمن الإنساني والاستقرار الإقليمي والتنمية المستدامة. ويطرح مفهوم “الديبلوماسية المائية” إطارًا يربط إدارة الموارد المشتركة بالقانون الدولي والديبلوماسية العلمية والمناخية والحوكمة البيئية، بهدف تحويل النزاعات المحتملة حول المياه إلى فرص للتعاون وبناء الثقة.

ويشرف على إدارة الدورة البروفسور فادي جورج قمير من “معهد قبرص” وجامعة البلمند، فيما تتوزّع أعمالها على خمسة أيام تتناول الأبعاد القانونية والسياسية والعلمية والتكنولوجية لإدارة المياه العابرة للحدود. ويشمل الإطار الاستراتيجي ستة محاور مترابطة هي: الديبلوماسية المائية، والمرونة المناخية، والسلام والأمن، وترابط المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية  (WEFE)، والديبلوماسية العلمية، والتعاون الإقليمي بين أوروبا والمتوسط ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويكتسب البرنامج أهمية خاصة للمنطقة العربية بسبب تخصيص جانب كبير منه لملفات مائية تُعَدُّ من أكثر القضايا الجيوسياسية حساسية. ففي اليوم الثاني، تُبحث أزمة سد النهضة الإثيوبي ونهر النيل الأزرق من زوايا تقنية وقانونية وسياسية، بما في ذلك انعكاساتها على الأمن المائي لدول المصب وفرص الوصول إلى إدارة أكثر تعاونًا لمياه النيل. ويشارك في هذه الجلسات وزير الموارد المائية والري المصري السابق محمد عبد العاطي.

وينتقل البرنامج بعد ذلك إلى حوضَي دجلة والفرات، مع التركيز على العراق وتحديات إدارة الموارد المائية المشتركة في الشرق الأوسط، ودور التفاوض وبناء الثقة بين دول الحوض. ويشارك في هذه المناقشات وزير الموارد المائية العراقي السابق حسن الجنابي، إلى جانب البروفسور قمير، في جلسةٍ تتناول إمكان توظيف الديبلوماسية المائية لتعزيز المرونة المناخية والتعاون والسلام الإقليمي.

كما تخصص الدورة جلسات لحوض نهر الأردن، تتناول ترتيبات الحوكمة والأطر القانونية والسياسية التي تحكم الموارد المشتركة، والتنافس على المياه، وفرص تعزيز التعاون والاستدامة في أحد أكثر أحواض الأنهار العابرة للحدود تعقيدًا من الناحية السياسية. ويشارك فيها وزير المياه الفلسطيني السابق شداد العتيلي والبروفسور مايكل سكولوس، إلى جانب البروفسور قمير.

ولا يقتصر البرنامج على الأزمات القائمة، بل يتناول أدوات إدارة الضغوط المستقبلية، وفي مقدمها مفهوم الترابط بين المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية، إضافة إلى دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد ومنصات الإنذار المبكر والنمذجة الرقمية في تحسين مراقبة الموارد المائية وتوفير قواعد معلومات مشتركة يمكن أن تعزز الشفافية والثقة بين الدول.

وتضم قائمة المتحدثين والمشاركين شخصيات وخبراء من أوروبا والمنطقة، بينهم نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والقوات المسلحة في مجلس الشيوخ الفرنسي السناتور أوليفييه كاديك، ورئيس “المعهد المتوسطي للمياه” ألان ميسونييه، والمديرة التنفيذية لـ”الدائرة الفرنسية للمياه” فلورانس دوما، إلى جانب وزراء سابقين وخبراء في المياه والمناخ والحوكمة من مصر والعراق وفلسطين وفرنسا ومؤسسات دولية.

وتجمع الدورة بين المحاضرات والنقاشات المتخصصة ودراسات الحالات والتطبيق العملي، وصولًا إلى محاكاة للمفاوضات ومختبر للسياسات حول تصميم حوكمة أحواض المياه، قبل اختتام أعمالها في 23 تشرين الأول (أكتوبر) بحلقة نقاش للخبراء وصياغة خلاصات استراتيجية وتوصيات للسياسات.

وفي جوهرها، تسعى المبادرة إلى ترسيخ مقاربة تعتبر المياه مجالًا محتملًا للتعاون بدل أن تبقى مصدرًا للصراع، بحيث تصبح إدارة الموارد المشتركة مدخلًا إلى الحوار وبناء الثقة والمرونة المناخية، وربط المعرفة العلمية بالقرار السياسي والديبلوماسية في منطقة تتزايد فيها الضغوط المائية والبيئية والجيوسياسية.

Exit mobile version