في زمنٍ أصبحت فيه البيانات جُزءًا من أدوات القوة والنفوذ، تُثيرُ التحوّلات في قطاع الاتصالات العراقي أسئلة تتجاوز الأمن السيبراني إلى جوهر السيادة الوطنية. فمَن يملك مفاتيح الشبكة، يملك قدرةً مُتزايدة على التأثير في الدولة وصراعاتها.
بغداد – سمير الحلو*
لم تَعُد الحروب في الشرق الأوسط تُخاضُ بالصواريخ والطائرات وشبكات الوكلاء المسلّحين وحدها. فالهجمات السيبرانية المنسوبة إلى إيران أعادت تسليط الضوء على جبهةٍ أقل ظهورًا، لكنها لا تقلُّ أهمية: البنية التحتية الرقمية التي تمرُّ عبرها البيانات والاتصالات، وتقوم عليها أنظمة القيادة والسيطرة وتبادل المعلومات.
وفي بيئةٍ إقليمية تتداخل فيها المواجهة العسكرية مع الحرب الإلكترونية والاستخباراتية، لم تعد شبكات الاتصالات ومراكز البيانات ومسارات الإنترنت مجرّد مرافق مدنية. إنها أصولٌ استراتيجية يمكن أن تمنح الدول والفاعلين غير الحكوميين أدوات جديدة للنفوذ وجمع المعلومات وإدارة العمليات.
من هذه الزاوية، تكتسب البنية الرقمية العراقية أهمية تتجاوز حدود العراق نفسه.
فالعراق يشترك مع إيران في حدودٍ طويلة وعلاقات اقتصادية وسياسية متشابكة، كما يمتلك شبكة اتصالات مرتبطة بمحيطها الإقليمي والدولي. وفي أوقات الأزمات، حين تتعرّض الشبكات الإيرانية لضغوط أو تفرض طهران نفسها قيودًا على الاتصالات الداخلية، تصبح إمكانية الوصول إلى بنى رقمية خارج الحدود ذات قيمة متزايدة.
هنا يبرز السؤال الذي يقف في قلب هذه القضية: هل يمكن للنفوذ الإيراني المتراكم داخل بعض مفاصل الدولة والاقتصاد العراقي أن يتحوّل إلى قدرةٍ على التأثير في البنية الرقمية للبلاد، أو الاستفادة منها في صراعات تتجاوز حدود العراق؟
الإجابة تتطلب الفصل بين ثلاثة مستويات مختلفة: النفوذ السياسي والمؤسسي، والقدرة التقنية التي قد تنتج منه، والدليل على الاستخدام الفعلي لهذه القدرة.
فوجود نفوذ سياسي أو اقتصادي لا يثبت تلقائيًا وقوع عمليات تجسّس أو هجمات إلكترونية. وفي المقابل، فإنَّ السيطرة أو الوصول إلى أجزاءٍ حسّاسة من شبكات الاتصالات يمكن أن تخلق مخاطر أمنية لا يجوز تجاهلها لمجرّد عدم وجود دليل علني على استخدامها حتى الآن.
من “تهريب الإنترنت” إلى سؤال السيادة الرقمية
عانى قطاع الاتصالات العراقي سنوات من مشكلات تتعلق بتهريب سعات الإنترنت والربط غير القانوني بالشبكات وخسارة الإيرادات وضعف الرقابة. وكان يُنظَرُ إلى جانبٍ كبير من الظاهرة باعتباره ملفّ فساد أو نشاطًا تجاريًا غير مشروع.
لكن عصر الحرب السيبرانية يفرض قراءة مختلفة للمشكلة.
فالمسار الذي يحمل سعات إنترنت خارج القنوات المعتمدة لا يمثّل فقط إيرادات ضائعة على الخزانة. وإذا كانت هناك أجزاء من الشبكة تعمل خارج الرقابة الكاملة للدولة، فإنَّ السؤال يصبح: مَن يستخدمها، وأين تذهب البيانات التي تمرُّ عبرها، ومَن يمتلك القدرة التقنية على الوصول إليها؟
هنا ينتقل الملف من الاقتصاد إلى الأمن القومي.
فالسيادة الرقمية لا تعني فقط أن تكون الكابلات موجودة داخل الأراضي العراقية أو مملوكة للدولة. إنها تعني معرفة مسارات البيانات، ومَن يدير معدات الشبكة، ومَن يمتلك صلاحيات الدخول إليها، وأين توجد نقاط الاتصال الخارجية، ومَن يستطيع تغيير مسار المعلومات أو الوصول إليها.
وتزداد حساسية ذلك لأنَّ العراق لا يسعى إلى حماية شبكاته الداخلية فحسب، بل يعمل على تحويل موقعه الجغرافي إلى ممرٍّ دولي للبيانات.
ففي كانون الثاني (يناير) 2025، أعلنت وزارة الاتصالات مشروعًا لنقل السعات الدولية عبر العراق باستخدام تقنية الألياف غير المفعّلة “Dark Fiber” والربط المباشر، في خطوةٍ تهدفُ إلى تعزيز موقع البلاد في حركة البيانات الدولية. وقالت الوزارة إنَّ المشروع يتيح نقل السعات العابرة عبر الأراضي العراقية إلى دولٍ أخرى.
وبحسب الشركة المشاركة في المشروع، تجاوزت السعات المستخدمة عبر “طريق الحرير” الرقمي العراقي تيرابتًا واحدًا في الثانية، أي أكثر من ألف جيغابت في الثانية، في مؤشر إلى تنامي دور البلاد المحتمل كعقدة اتصال بين آسيا والخليج وأوروبا. وهذا يرفع قيمة البنية الرقمية العراقية، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة أيِّ خللٍ في حوكمتها. فكلما تحوّل العراق إلى دولة عبور للبيانات، أصبحت الثقة بأمن شبكاته واستقلالها أصلًا اقتصاديًا بقدر ما هي مسألة سيادة وطنية.
من النفوذ المؤسسي إلى البنية التحتية
تكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر في ضوء التعاون الرسمي بين بغداد وطهران في قطاع الاتصالات.
ففي عام 2023، اتجه البلدان إلى توسيع تعاونهما في مجالات البنية التحتية للاتصالات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتبادل الخبرات التقنية.
ولا يشكل التعاون بين دولتين متجاورتين، في حد ذاته، دليلًا على اختراق أو نشاط غير مشروع. كما لا يجوز الانتقال من وجود اتفاقية تعاون إلى استنتاج أنَّ إيران باتت تتحكّم بالبنية الرقمية العراقية. لكن القضية تصبح أكثر حساسية عندما يجري هذا التعاون داخل بيئة عراقية تتداخل فيها المؤسسات الرسمية مع أحزاب وفصائل مسلحة وقوى تمتلك علاقات وثيقة بطهران. ومن هنا تكتسب العقود التي حصلت عليها “شركة المهندس العامة” أهمية خاصة.
فبحسب دراسة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية “ويست بوينت” الأميركية، حصلت الشركة على عقدين يتعلّقان بالبنية الوطنية للألياف الضوئية. الأول، المؤرخ في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، يتعلق بإعادة تأهيل وتطوير مسارات الشبكة الوطنية، ويشمل 25 مسارًا في عشر محافظات. أما الثاني، الموقع في 18 كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، فيتعلق بإنشاء المرحلة الأولى من شبكة وطنية بديلة، وتشير قائمة المواد الخاصة به، وفق الدراسة، إلى نحو 1152 كيلومترًا من الكابلات الجديدة.
وتكمن أهمية هذه العقود في طبيعة الأصل الذي تتعامل معه.
فالألياف الضوئية ليست مشروع طرق أو مباني؛ إنها الشرايين التي تحمل البيانات. وبالتالي فإنَّ الوصول إلى البنية المادية للشبكة يستوجب مستوى مرتفعًا من التدقيق والرقابة، بغض النظر عن هوية المقاول.
وتصبح المسألة أكثر حساسية بسبب وضع “شركة المهندس”.
ففي تشرين الأول (أكتوبر) 2025، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على الشركة، وقالت إنها تخضع لسيطرة رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي والقيادي في “كتائب حزب الله” عبد العزيز الملا مجيرش المحمداوي، المعروف باسم أبو فدك المحمداوي، وإنَّ الشركة تعمل تحت سيطرة “كتائب حزب الله” ولها صلات بـ”فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني. كما اتهمتها بالمساعدة في دعم شبكات مرتبطة بهذه الجهات.
ومن المهم هنا نسبة هذه الاتهامات إلى مصدرها؛ فالحكومة العراقية رفضت العقوبات الأميركية ووصفتها بأنها إجراءات أحادية الجانب، ما يعكس وجود خلاف سياسي وقانوني بشأن توصيف الشركة ودورها.
لكن العقوبات، مقترنة بطبيعة العقود، تطرح سؤالًا مشروعًا على بغداد: ما الضمانات التقنية والمؤسسية التي تمنع أي جهة تعمل على البنية الوطنية للألياف الضوئية من الحصول على صلاحيات تتجاوز حدود العقد؟
وهنا يجب تجنب القفز من الوصول المادي إلى إثبات التجسُّس.
فوجود شركة في مشروع للألياف الضوئية لا يعني تلقائيًا أنها تستطيع اعتراض البيانات. إثبات قدرة كهذه يتطلب معرفة تصميم الشبكة، ونقاط الوصول، ومعدات التوجيه، ومستويات الصلاحية، وآليات التشفير والمراقبة.
ولهذا فإنَّ القضية الأكثر أهمية ليست اتهام شركة بعينها بالتجسّس من دون دليل تقني، بل ضمان أن تكون البنية نفسها مصممة بحيث لا يستطيع أي مقاول أو فصيل أو جهة خارجية الوصول إلى البيانات من دون اكتشاف الدولة لذلك ومنعه.
من شبكة “حزب الله” إلى الفاعل متعدد المجالات
هذه المخاوف ليست مجرد سيناريو تقني افتراضي. فالمنطقة تمتلك سابقة تاريخية توضّح كيف يمكن لشبكة اتصالات مرتبطة بتنظيم مسلح أن تتحول إلى قضية سيادة وأمن قومي.
في لبنان، بنى “حزب الله” شبكة اتصالات خاصة اعتبرها جزءًا أساسيًا من بنيته الأمنية والعسكرية.
وفي أيار (مايو) 2008، قررت حكومة فؤاد السنيورة اعتبار الشبكة غير قانونية واتخذت إجراءات بشأنها، بالتزامن مع قرار يتعلق بجهاز أمن مطار بيروت. وتحوّلت الأزمة سريعًا إلى مواجهة سياسية وأمنية ثم إلى اشتباكات مسلحة، قبل أن تتراجع الحكومة عن القرارين لاحقًا.
وكان جوهر الأزمة أنَّ “حزب الله” لم ينظر إلى شبكته باعتبارها خدمة اتصالات عادية، بل بوصفها جزءًا من منظومته الأمنية وقدرته على العمل بصورة مستقلة عن مؤسسات الدولة.
وهنا تكتسب السابقة اللبنانية دلالتها بالنسبة إلى العراق.
فهي لا تثبت أنَّ إيران تُعيدُ بناء نموذج “حزب الله” نفسه في العراق، ولا أنَّ الفصائل العراقية تمتلك شبكة مماثلة. لكنها تُظهرُ لماذا لا يمكن التعامل مع احتمال امتلاك تنظيم مسلح بنية اتصالات مستقلة أو نفوذًا واسعًا على بنية وطنية باعتباره مسألة تجارية أو تقنية محضة.
كما إنَّ المقارنة تكتسب أهمية في ضوء التطوّر الأوسع الذي شهدته الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في المنطقة.
فالنموذج التقليدي للوكيل كان يقوم على المقاتلين والأسلحة والصواريخ والعبوات والطائرات المسيّرة. أما بيئة الصراع الجديدة فتضيف إلى هذه الترسانة أصلًا آخر: البيانات.
ويستطيع الفاعل المسلح اليوم الجمع بين النشاط العسكري والإعلام وحملات التأثير وجمع المعلومات والمراقبة الرقمية والقدرات السيبرانية. وكلما اتسعت هذه الوظائف، أصبحت الحدود بين التنظيم العسكري والحزب السياسي والشبكة الإعلامية والفاعل الاستخباراتي أكثر ضبابية.
وهنا تصبح تجربة “حزب الله” مفيدة لفَهمِ مسارٍ مُحتَمل، لا لإثبات التطابق: الانتقال من امتلاك قوة عسكرية إلى بناء قدرة متعددة المجالات تستطيع العمل في الشارع والسياسة والإعلام والفضاء الرقمي في وقتٍ واحد.
وتختلف القدرات السيبرانية عن كثير من أدوات القوة التقليدية في أنها أقل ظهورًا وأكثر قابلية للإنكار.
فالصاروخ يترك حطامًا ويمكن تتبع مساره، بينما قد تمر العملية الإلكترونية عبر خوادم وشبكات في دولٍ عدة قبل الوصول إلى هدفها. ولهذا تصبح البنية الرقمية الموجودة خارج حدود الدولة صاحبة العملية ذات قيمة محتملة، سواء لجمع المعلومات أو لإخفاء المصدر أو لتوزيع النشاط عبر أكثر من شبكة.
لكن هذه النقطة تقود إلى أهم حدود الأدلة المتاحة في الحالة العراقية.
السؤال الذي لم يُحسَم بعد
حتى الآن، لا توجد أدلة علنية مستقلّة وحاسمة تسمح بالقول إنَّ البنية التحتية للاتصالات في العراق استُخدمت فعليًا في الهجمات السيبرانية الأخيرة المنسوبة إلى إيران ضد أهداف أميركية. وهذا التمييز ضروري.
فالأمر لا يحتاج إلى إثبات حدوث هجوم عبر العراق حتى تصبح القضية مهمة. السؤال الأعمق يتعلق بما إذا كانت البيئة الحالية تسمح بظهور قدرة كهذه مستقبلًا، وما إذا كانت مؤسسات الدولة قادرة على اكتشافها ومنعها. وهذا يضع بغداد أمام تحدٍ يتجاوز اختيار هذه الشركة أو تلك.
فأمن الشبكة لا يُبنى على هوية المقاول وحدها، بل على معايير المشتريات، وتدقيق المعدات والبرمجيات، وفصل صلاحيات الوصول، ومراقبة حركة البيانات، والشفافية في ملكية الشركات والمتعاقدين معها، وإجراء اختبارات أمنية مستقلة بصورة دورية.
كما يحتاج العراق إلى تطوير قدراته البشرية في الأمن السيبراني. فوزارة الداخلية والمؤسسات الأمنية بحاجة فعلية إلى متخصّصين في حماية الشبكات ومكافحة الجرائم الإلكترونية والاستجابة للهجمات. لكن الاستثمار في العنصر البشري يفرض بدوره ضوابط صارمة.
فالقدرة السيبرانية، بخلاف السلاح التقليدي، قابلة للانتقال بسهولة نسبية. وقد يحمل المهندس معه معرفة ببنية الشبكة أو معلومات عن نقاط ضعفها أو صلاحيات تسمح بالوصول إلى أنظمة حساسة. ولهذا يجب أن يقترن بناء القدرات التقنية بنظامٍ مؤسسي يمنع انتقال المعرفة أو الصلاحيات الحكومية إلى جهات تعمل خارج سلسلة القيادة الرسمية.
أما الادعاء بأنَّ جماعات مسلحة تستقطب بصورة منهجية كوادر درّبتها الدولة لتشغيل خلايا تنصُّت أو وحدات هجومية، فلا تتوافر حتى الآن أدلة مستقلة كافية تسمح بعرضه باعتباره حقيقة ثابتة.
وهذا لا يلغي الخطر؛ بل يحدد بدقة المكان الذي ينبغي أن يتركّز فيه الاهتمام: الحوكمة قبل الاتهام، والوقاية قبل اكتشاف الاختراق بعد وقوعه.
المعركة الحقيقية على السيادة الرقمية
لهذا فإنَّ القضية التي تواجه العراق ليست الاختيار بين الولايات المتحدة وإيران في قطاع الاتصالات، ولا استبدال شركة بأخرى لمجرد أنَّ واشنطن تثق بهذه وتفرض عقوبات على تلك.
المسألة أعمق.
إنها تتعلق بقدرة العراق على بناء بنية رقمية تملك الدولة السيطرة الفعلية عليها: تعرف مَن يدخل إليها، ومَن يُديرها، وأين تمرُّ بياناتها، ومَن يمتلك صلاحيات الوصول إلى أنظمتها وتغيير مساراتها.
وتزداد أهمية ذلك مع طموح العراق إلى التحوّل من مجرد مستهلك للاتصالات الدولية إلى عقدة عبور للبيانات بين آسيا والخليج وأوروبا.
فهذا الموقع يمكن أن يمنح البلاد مصدرًا جديدًا للإيرادات والنفوذ الجيو-اقتصادي، لكنه يقوم على سلعة لا تقل أهمية عن السعات نفسها: الثقة.
الشركات والدول التي تُمرّر بياناتها عبر العراق تحتاج إلى الثقة بأنَّ الشبكات آمنة، وأنَّ الجهات المشغّلة تخضع للقانون، وأنَّ البيانات لن تصبح عُرضةً لوصولٍ غير مُصرَّح به بسبب نفوذٍ سياسي أو عسكري على البنية التحتية.
ومن هنا فإنَّ حماية السيادة الرقمية ليست قضية أمنية عراقية فحسب، بل شرطٌ من شروط نجاح طموح البلاد الاقتصادي في قطاع الاتصالات.
أما الولايات المتحدة، فإذا أرادت الحد من قدرة الجهات الخاضعة للعقوبات على الوصول إلى البنية الرقمية العراقية، فإنَّ العقوبات المالية قد تكون إحدى الأدوات، لكنها ليست بديلًا من بناء مؤسسات عراقية قادرة على فرض معايير الأمن والشفافية بنفسها.
فالحل المستدام لا يمكن أن يكونَ إدارة شبكة الاتصالات العراقية من واشنطن بدل طهران. الحل هو أن تُديرها بغداد.
وهنا تعود القضية إلى السؤال الذي انطلق منه المقال: هل يمكن استخدام البنية العراقية في صراعات إلكترونية تتجاوز حدود البلاد؟
لا توجد حتى الآن أدلة علنية كافية للقول إنَّ ذلك حدث بالفعل. لكن وجود عقود حساسة، وشبكات مصالح متداخلة، وفصائل مسلحة ذات علاقات خارجية، وتاريخ إقليمي يظهر القيمة الاستراتيجية للاتصالات الموازية، كلها أسباب تجعل الانتظار حتى ظهور الدليل على أول اختراق خيارًا محفوفًا بالمخاطر.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت شبكة عراقية استُخدمت بالأمس في هجوم سيبراني. السؤال الأهم هو: هل تستطيع بغداد أن تضمن ألا تُستخدم غدًا من دون علمها أو موافقتها؟
ففي الحروب الحديثة، لا تحتاج الدولة إلى خسارة أرض كي تخسر جزءًا من سيادتها. قد يكفي أن تفقد السيطرة على البيانات التي تعبرها، والشبكات التي تحملها، والجهات التي تمتلك مفاتيح الوصول إليها.
- سمير الحلو هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.
