مُبادرةُ ترامب في ليبيا… تَسوِيَةٌ للنُخَب أم تَكريسٌ للانقسام؟

بدلًا من الدفع نحو انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية، تطرح واشنطن صيغة جديدة لتقاسم السلطة بين مراكز النفوذ الليبية. غير أنَّ هذه المقاربة تثير تساؤلات حول ما إذا كانت تمهّدُ لاستقرارٍ مُستدام، أم تُعيدُ إنتاجَ الأزمة بوجوهٍ جديدة.

رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة ومستشار الشؤون الأفريقية مسعد بولس في قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد في طرابلس، 24 كانون الثاني/يناير 2026.

مصطفى الفيتوري*

خرج إلى العلن أخيرًا ما ظلَّ، منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، مَوضِعَ تكهُّنات متداوَلة بين المتابعين للشأن الليبي. ففي مقابلة أجرتها قناة “الحدث” السعودية، كشف مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون أفريقيا، عن وجود مبادرة أميركية شاملة لإعادة ترتيب المشهد السياسي في ليبيا. ورغم تقديمها بوصفها “جهدًا توحيديًا بقيادةٍ ليبية”، فإنَّ مضمونها يعكس تحوُّلًا لافتًا في مقاربة واشنطن للأزمة الليبية، وانتقالها من الاكتفاء بإدارة الانقسام إلى محاولة إعادة هندسة توازناته السياسية.

ويأتي هذا التحرُّك بعد أكثر من عقد من الانقسام الذي رسّخَ واقع سلطتين متنافستين في البلاد. ففي الغرب، تُواصِل حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، المُعترَف بها دوليًا، إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها بدعم من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وتركيا. وفي المقابل، يفرض الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر نفوذه على شرق البلاد، مستندًا إلى دعم روسيا والإمارات العربية المتحدة ومصر وفرنسا. وعلى امتداد هذه السنوات، تعثّرت جميع المبادرات الرامية إلى توحيد المؤسسات أو تنظيم انتخابات وطنية، ما جعل الانقسام يتحوّل إلى بنية سياسية وأمنية يصعب تفكيكها.

ورُغمَ غياب أيِّ وثيقة رسمية صادرة عن البيت الأبيض تُوَضِّحُ تفاصيل المبادرة، فإنَّ بولس رسم ملامحها الأساسية خلال مقابلته. وتقوم الخطة، بحسب ما أعلن، على ترتيب مؤقت لتقاسم السلطة يُعيدُ توحيد مؤسسات الدولة، بحيث يحتفظ رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بمنصب رئيس الوزراء، بينما يتولى صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائبه في قيادة “الجيش الوطني الليبي”، رئاسة مجلس رئاسي يُعادُ تشكيله ليصبح أعلى سلطة تنفيذية في البلاد.

ولتعزيز فرص قبول هذه الصيغة، لم يقتصر الطرح الأميركي على توزيع المناصب، بل تضمّن أيضًا حوافز سياسية ذات طابع رمزي. فقد أشار بولس إلى أنَّ التوصُّلَ إلى اتفاق سيُتيح للقادة الليبيين المشاركة في مراسم توقيع رسمية في البيت الأبيض برئاسة ترامب، في خطوةٍ تهدف إلى منح الأطراف المتنافسة جرعة من الشرعية الدولية، عبر مشهد سياسي وإعلامي يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى القوى الليبية الساعية إلى اعترافٍ خارجي يُعزّز مواقعها الداخلية.

تسوية بين النخب لا مشروع لبناء الدولة

غير أنَّ المبادرة، كما عرضها بولس، تثير تساؤلات جوهرية بشأن قدرتها على معالجة جذور الأزمة الليبية. فهي لا تتضمّن تصوُّرًا واضحًا لبناء مؤسسات دستورية مستقرّة أو وضع جدول زمني لإجراء انتخابات طال انتظارها، بل تُركّز على إعادة توزيع السلطة بين مراكز النفوذ القائمة. وبهذا المعنى، تبدو الخطة أقرب إلى تسوية بين النخب المتصارعة منها إلى مشروع لإعادة بناء الدولة، وهو ما يعني أنَّ واشنطن تراهن على تحقيق قدر من الاستقرار السريع، حتى لو جاء ذلك على حساب استكمال مسار الانتقال السياسي وإرساء شرعية تستند إلى صناديق الاقتراع.

وفي معرض الدفاع عن هذه المقاربة، استند بولس إلى عدد من المؤشرات التي اعتبرها دليلًا على إمكان نجاح مشروع توحيد المؤسسات. فأشار إلى إقرار ميزانية وطنية موحَّدة في نيسان (أبريل)، للمرة الأولى منذ ثلاثة عشر عامًا، وإلى تنظيم مناورات عسكرية مشتركة بإشراف القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في مدينة سرت، التي شكلت في مراحل سابقة إحدى أبرز ساحات الحرب الأهلية. ومن وجهة نظر الإدارة الأميركية، تمثل هذه التطورات مؤشرات أولية إلى إمكان بناء أرضية مشتركة بين الأطراف المتنافسة، تمهيدًا لتسوية سياسية أوسع.

تكريس الأمر الواقع وإعادة إنتاج السلطة

لكن هذه المؤشرات، حتى لو عكست قدرًا من التقارب بين مراكز القوى، لا تقرّب ليبيا من الهدف الذي ينتظره الليبيون منذ أكثر من عقد، وهو إجراء انتخابات وطنية تُنهي المرحلة الانتقالية الممتدة منذ عام 2014. فالمبادرة الأميركية، بصيغتها المطروحة، لا تسعى إلى إعادة السلطة إلى الناخبين، بقدر ما تُعيدُ توزيعها بين النخب المهيمنة. ومن خلال ربط مستقبل البلاد بتفاهُم بين عائلتي الدبيبة وحفتر، فإنها تحافظ على شبكة المصالح السياسية والاقتصادية القائمة، وتمنح سلطات الأمر الواقع، التي كرست نفوذها بقوة السلاح واستغلال موارد الدولة، شرعية دولية جديدة من دون أن تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع.

ولهذا، تبدو خارطة الطريق الأميركية أقرب إلى آلية لإدارة الانقسام منها إلى مشروع لإنهائه. فخلال مقابلته مع قناة “الحدث”، أوضح بولس أنَّ ترتيبات تقاسم السلطة المقترحة ستستمر “عامين أو ثلاثة أعوام” كحدٍّ أقصى، لكنه تجنّبَ تقديم أي التزام واضح بإجراء انتخابات فور انتهاء هذه المرحلة. وعمليًا، يعني ذلك أنَّ مصير العملية السياسية سيبقى رهينة توافقات القوى المُتنفّذة نفسها، التي أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على تعطيل أيِّ استحقاق انتخابي كلما هدد مصالحها. وبدلًا من فتح الطريق أمام انتقال ديموقراطي طال انتظاره، تمنح المبادرة هذه النخب مزيدًا من الوقت والشرعية، من دون أي ضمانات مُلزِمة لإنهاء المرحلة الانتقالية.

ولا يقتصر أثر الخطة على تكريس الأمر الواقع، بل يمتد إلى إعادة تشكيل موازين السلطة داخل المعسكر الشرقي. فمن خلال ترشيح صدام حفتر لرئاسة المجلس الرئاسي، تُمهّدُ المبادرة عمليًا لانتقال القيادة داخل معسكر حفتر من الأب إلى الابن، في خطوة تضفي طابعًا رسميًا على عملية التوريث السياسي والعسكري. ويكتسب هذا التحوّل أهمية خاصة لأنه يحظى، وفق مؤشرات عدة، بقبول ضمني من بعض الدول الأوروبية الداعمة لحفتر، ولا سيما فرنسا وإيطاليا. كما إنَّ صدام حفتر، إلى جانب إبراهيم الدبيبة، ابن شقيق رئيس حكومة الوحدة الوطنية، كان من أبرز المشاركين في المحادثات غير المعلنة التي استضافتها باريس وروما خلال الأشهر الماضية، ما يعكس أنَّ التفاهمات المطروحة لا تقتصر على تقاسم المناصب، بل تشمل أيضًا إعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها بوجوه جديدة تنتمي إلى العائلات ذاتها.

ويكشف هذا التوجُّه عن مفارقة لافتة في مقاربة واشنطن. ففي الوقت الذي ترفع شعار توحيد ليبيا، تبدو مستعدة لغضِّ الطرف عن تكريس نمط من الحكم العائلي، ما دام يحقّق قدرًا من الاستقرار ويضمن استمرار التفاهم بين مراكز النفوذ. وبذلك، يتحوّل مبدأ التداول السلمي للسلطة إلى أولوية مؤجّلة، فيما يصبح الحفاظ على توازنات القوى القائمة الهدف الأكثر إلحاحًا.

ويزداد هذا التباين وضوحًا عند مقارنة طبيعة السلطة في شرق البلاد وغربها. ففي الشرق، يحكم خليفة حفتر مناطق نفوذه عبر منظومة عسكرية وأمنية شديدة المركزية، تكاد تغيب فيها أي معارضة علنية. أما في الغرب، فلا يتمتع عبد الحميد الدبيبة بالقدرة نفسها على فرض قراراته، إذ يعتمد بقاؤه في السلطة على شبكة معقدة من التفاهمات مع الميليشيات والقوى المحلية، فضلًا عن الدور الذي تؤديه شخصيات من عائلته في إدارة التوازنات السياسية والأمنية. ومع ذلك، فإنَّ الدعم العلني الذي أبدته إدارة ترامب للدبيبة قد يمنحه هامشًا أوسع لتعزيز موقعه داخل هذا المشهد المتشظّي.

غير أنَّ الرهان الأميركي لا يحظى بإجماعٍ داخل معسكر الغرب الليبي نفسه. فعدد من القوى السياسية والعسكرية، من بينها كتل برلمانية، وفصائل مسلحة تدين اسميًا بالولاء لحكومة الوحدة الوطنية، إلى جانب المجلس الأعلى للدولة المدعوم من الأمم المتحدة، تنظر إلى المبادرة باعتبارها تنازلًا خطيرًا يرسّخ حكم عائلة حفتر بدلًا من إنهاء الانقسام. وقد برز هذا الرفض بوضوح في الخامس من تموز (يوليو)، عندما أصدر تحالفٌ يضمُّ فصائل مسلّحة في مدينة مصراتة بيانًا شديد اللهجة يرفض المبادرة الأميركية، وذلك قبل أيام من الزيارة التي قام بها بولس إلى المدينة لإجراء مشاورات مع الأطراف المحلية.

وخلال تلك الزيارة، حاول بولس احتواء الاعتراضات عبر لقاء أعيان مصراتة، إلّا أنَّ الرسالة التي تلقّاها كانت واضحة؛ إذ أكد المشاركون رفضهم لأيِّ تسوية تمنح عائلة حفتر شرعية سياسية جديدة، في ظل الاتهامات الموثّقة التي تواجه قواتها بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم حرب خلال سنوات النزاع. ويعكس هذا الموقف حجم العقبات التي تواجه المبادرة الأميركية، ويؤكد أنَّ أيَّ تسوية تتجاهل الانقسامات العميقة داخل المعسكر المؤيد لحكومة الوحدة الوطنية، أو تتجاوز مطلب الانتخابات لصالح ترتيبات تقاسم السلطة، ستظل عرضة لرفض واسع، بما يضع فرص نجاحها موضع شك حتى قبل أن تدخل مرحلة التنفيذ.

رهان أميركي محفوف بالمخاطر

ويؤكد بولس أنَّ المبادرة الأميركية لا تهدف إلى تجاوز المسار الأممي، بل يصفها بأنها “ترتيبٌ توحيدي قصير الأجل” يستكمل خارطة الطريق التي تقودها الممثلة الخاصة للأمم المتحدة هانا تيتي. غير أنَّ مضمون الخطة يوحي بعكس ذلك. فهي تقوم على تفاهمات سياسية بين الأطراف المتصارعة خارج الأطر القانونية الدولية، من دون أن تستند إلى قرارات مجلس الأمن أو تحدد آليات مُلزِمة لتنفيذ مخرجاتها. والأهم أنها تتجنّب الإجابة عن السؤال الذي لازم جميع المبادرات السابقة: ماذا سيحدث إذا رفضت القوى الممسكة بالسلطة مغادرة مواقعها عند انتهاء المرحلة الانتقالية، كما حدث مرارًا منذ تعثُّر المسار الانتخابي في ليبيا؟

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية إضافية إذا ما قورنت المبادرة الأميركية بالمسار الذي ترعاه الأمم المتحدة. فالأخير، رغم تعثّره، يستند إلى مظلّة مؤسسية يوفرها مجلس الأمن الدولي، بما يتيح استمرار الضغوط الدولية على الأطراف الليبية. أما الخطة التي تروّج لها إدارة ترامب، فترتبط إلى حد كبير بالزخم السياسي الذي يوفّره البيت الأبيض في المرحلة الحالية، وهو زخمٌ قد يتبدّد مع انتهاء ولاية ترامب في كانون الثاني (يناير) 2029، تاركًا الاتفاق من دون الضامن السياسي الذي قام عليه.

ورُغمَ تأكيد بولس أنَّ المبادرة تحظى بتأييدٍ إقليمي واسع، فإنَّ مواقف القوى المؤثّرة تبدو أكثر حذرًا مما توحي به التصريحات العلنية. فكلٌّ من الإمارات وتركيا، اللتين تمثلان أبرز الداعمين للطرفين المتنافسين في ليبيا، تدرسان انعكاسات أي اتفاق سريع لتقاسم السلطة على مصالحهما الأمنية والاقتصادية. كما تنظر مصر، التي تُعَدُّ أحد أهم الفاعلين في الملف الليبي، بحذر إلى تفاهمات ثنائية غير مكتوبة قد تعيد خلط موازين القوى في غرب ليبيا، وتحدُّ من الدور الديبلوماسي الذي احتفظت به القاهرة طوال سنوات الأزمة.

ومن منظور واشنطن، قد يوفر توحيد المؤسسات الليبية في إطار اتفاق سياسي فرصة للحد من النفوذ الروسي في البلاد. غير أنَّ هذه المقاربة تختزل الأزمة الليبية في بُعدِها الجيوسياسي، وتتعامل معها بوصفها ساحة تنافس مع موسكو أكثر من كونها دولة تعاني أزمة شرعية وبناء مؤسسات. فتركيز الجهد الأميركي على تقليص الحضور الروسي يتقدّم، في هذه الحالة، على معالجة الأسباب التي سمحت أصلًا بتغلغل القوى الخارجية، وفي مقدمتها الانقسام المؤسسي، وانتشار الجماعات المسلحة، وشبكات المحسوبية والفساد، وتآكل الثقة الشعبية بالدولة.

ولهذا، يصعب تصوُّر أنَّ تسوية تقوم على تفاهمات بين مراكز النفوذ نفسها، ومن دون تفويض شعبي أو إطار دستوري واضح، ستكون قادرة على إنتاج استقرار دائم. فالاتفاقات التي تعيد توزيع السلطة بين النخب لا تعالج جذور الصراع، بل تؤجّل انفجاره، فيما تُواصل القوى المسلحة والاقتصادية النافذة حماية مصالحها بعيدًا من أيِّ مساءلة سياسية أو قانونية.

وتكشف المبادرة، في جانب آخر، عن تحوُّلٍ لافت في الخطاب الأميركي تجاه ليبيا. فبدل التشديد على بناء مؤسسات ديموقراطية وإجراء انتخابات، كما كان الحال منذ تدخل حلف شمال الأطلسي عام 2011، تبدو الأولوية اليوم مُنصَبّة على إدارة التوازنات بين مراكز القوة القائمة، حتى لو أدى ذلك إلى تكريس حُكمٍ عائلي جديد في شرق البلاد، وإضفاء شرعية دولية على ترتيبات تقوم، في جوهرها، على استمرار النخب نفسها في الإمساك بالسلطة.

ومع ذلك، فإن المؤشرات على الأرض توحي بأنَّ هذه المقاربة قد تواجه صعوبات كبيرة قبل أن ترى النور. فقد شهدت مدن عدة في غرب ليبيا، وفي مقدمتها طرابلس، احتجاجات متكررة على خلفية تدهور الخدمات، والانقطاعات الحادة في التيار الكهربائي، وتصاعد الاتهامات بالفساد، فيما ارتفعت الأصوات المطالبة باستقالة حكومة عبد الحميد الدبيبة. وتعكس هذه الاحتجاجات اتساع الفجوة بين أولويات الليبيين اليومية وبين التسويات التي يجري التفاوض بشأنها في العواصم الأجنبية، كما تُذكّر بأنَّ أيَّ اتفاقٍ لا يستند إلى شرعية داخلية، ولا يفتح أفقًا واضحًا أمام الانتخابات، سيظل معرَّضًا للاهتزاز مهما حظي بدعمٍ خارجي.

وفي المحصّلة، تبدو المبادرة الأميركية محاولة لإدارة الأزمة الليبية أكثر منها مشروعًا لحلّها. فهي قد تنجح في جمع الخصوم حول طاولة واحدة، لكنها لا تقدم إجابة مقنعة عن السؤال الذي رافق ليبيا منذ أكثر من عقد: كيف يمكن بناء سلطة تستمد شرعيتها من الليبيين أنفسهم، لا من توافقات النخب أو تفاهمات القوى الخارجية؟ وما لم تجد هذه المُعضِلة طريقها إلى الحل، فإنَّ أيَّ ترتيب جديد، مهما بدا واعدًا، سيبقى مجرّد محطة أخرى في مرحلة انتقالية لا يبدو أنَّ لها نهاية قريبة.

Exit mobile version