هنري زغيب*
أَمضيتُ في الولايات المتحدة ستَّ سنواتٍ بين تدريس جامعي ومحاضرات عن لبنان، ولقاءاتٍ وحلقاتٍ منوَّعةِ المواضيع، ولم أَسمع في أَيٍّ منها أَحاديثَ سياسيةً ونقاشاتٍ جدليةً حول سياسي أَو مسؤُول، كأَنَّ الشعبَ في إِقليمٍ وأَهلَ الحُكْمِ في إِقليمٍ آخر، وفْقَ المعادلة السليمة: “كل واحد يعمل شغلو”، أَو “كل واحد يهتم بشغلو”.
أَمَّا عندنا، فالأَمر مختلفٌ بل معكوس: كلَّما اجتمع اثنان أَو أَكثر في زيارة أَو حلقة أَو اجتماع، لا حديثَ لهم إِلَّا في السياسة والسياسيين، والانتصار لهذا السياسي، أَو مهاجمة ذاك. وقد يحتدم الجدل حتى حدود الخصام.
وغالبًا ما يدور الحديث عن السياسة المحلية، فينظِّرُ واحد ماذا على رئيس الجمهورية أَن يفعل، وأَيَّ توجُّهٍ على رئيس الحكومة أَن يأْخذ، وماذا قال هذا النائب، وأَين أَخطأَ ذاك المسؤُول. وكـأَنما لا يكفي هدرُ الوقت على تنظيرات جوفاء حتى تَنْكُبَنا شاشات التلافيز باستضافة عشرات المنظِّرين والمحلِّلين يَدْلُقُون آراءَهم وأَفكارهم وتنظيراتهم وتوقُّعاتهم، فيَزيدون تضييعَ الوقت تضييعًا إِضافيًّا.
وقد تتطوَّر عبقرية المنظِّرين إِلى السياسة العالَمية، فيُدْلون بآرائهم السديدة وأَفكارهم الحميدة وتوقعاتهم الجديدة وتعليقاتهم المجيدة عن تصرُّفات الرئيس ترامب، أَو مواقف الرئيس بوتين في أُوكرانيا، أَو توجيهات الأَمين العام للأُمم المتحدة.
ويزيد من ضياع الوقت تَسَمُّرُ المشاهدين الكرام أَمام شاشات التلافيز تستضيف عشرات المنظِّرين والمحلِّلين والدكاتير يَدلُقُون آراءَهم فيتلقفُها الناس ويضيِّعون وقتهم في التداول بها، ويصبح كلُّ مواطن فهيمًا في كل شيء: الطبيب يَفهم في الهندسة، والمحامي ينظِّر في العلوم، ورجل الأَعمال يناقش في علوم الفضاء. طبعًا لا أَدعو إِلى أَلَّا يتحدَّث كلٌّ إِلَّا في اختصاصه، أَو أَلَّا يتابعَ ما يجري. ولكنَّ بعضًا من تواضع العلْم يجعل الإِنصات أَفضل وأَفعل. لذا أَصمُتُ غالبًا في معظم الجلسات التي يتناطح فيها الحاضرون، خصوصًا في شؤُون السياسة، فلا أُشارك في حوارات عقيمة.
أَولُ انطباع يأْتيني حِيال هذا الأَمر: هنيئًا للسياسيين بأَزلامٍ ومحاسيبَ ومؤَيدين ومعترضين، لديهم وقتٌ يضيِّعونه في النقاش حول السياسة والسياسيين، وكلُّ مناقش يدلي بمحاضرة عن أَنه يعلم ويعرف ويؤَكِّد ويُنَظِّر، وفي النهاية باطل وعقيم كلُّ ما في تلك الأَحاديث.
غريبٌ أَمرُ هؤُلاء وأَشباههم. كلُّ واحد يدعي أَنه يعرف كلَّ شيء، وأَنه يناقش في كل شيء، وأَن رأْيه هو الصواب، وأَنَّ لديه معلوماتٍ لا يعرفها سواه… وتتناطح كل أَنا مع كلِّ أَنا أُخرى، في حلقات يَثْبُتُ فيها أَنَّ الوقتَ مع هؤلاء تضييعُ وقتٍ لا يُعوَّض، فكيف نَصرِفه مع مدَّعين مغرورين؟
من آفات مجتمعنا أَنْ كلَّما التقى اثنان يكون حديثُ السياسة ثالثَهما. لا عجب إِذًا أَن نجدَ السياسيين الدينوصوريين يعودون هم ذاتُهم مع كل دورة، طالما بين الناخبين أَزلامٌ ومحاسيبُ وتابعون ومستزلمون عندهم وقت لتضييع الوقت على تنظير أَجوف عقيم بأَنهم يعرفون كلَّ شيء، عوض أَن تكون المعادلةُ المفيدة: “كلّ واحد يعمل شغلو”.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
