كل ُّلبنان في “جنَّة ميروبا”

هنري زغيب*

من البديهي أَن يدعو مستضيفٌ إِلى مأْدُبةٍ لديه أَصدقاءَ من غير منطقةٍ وأُسرةٍ عائلية أَو روحية. غير أَنَّ الدكتور كميل جبيلي، في دعوته إِلى دارته وحدائقِها الموسومة “جنَّة ميروبا”، أَصدقاءَ له طيِّبين، كان لافتًا في جمعه إِياهم نخبةً مختارةً من جميع المناطق والطوائف والمذاهب، تكَوكَبوا في دارته وجنائنها حضورًا واحدًا من مرتع واحد في وطن واحد.

وهو هذا ما تجلَّى في كلمة مفتي طْرابلس سابقًا الدكتور مالك الشعار، مُشيدًا بالبادرة تكرِّسُ أَننا جميعًا نرنو إِلى إِله واحدٍ ربِّ العالَمين، ضابطٍ الكُل، خالقِ السماء والأَرض، لا فرقَ في مخاطبته بين مَن يرتِّل أَو يرنِّم أَو يؤَذِّن.

وأَردفت السيدة منى الهراوي في كلمتها، أَنَّ هذا اللقاء صورةٌ ناصعةٌ عن لبنان الحقيقي، يضُمُّ إِلى واحة واحدةٍ نخبة لبنانيين ينتمون إِلى لبنان الواحد الوحيد الموحَّد، الموحِّدِ أَبناءَه على الإِيمان به وطنًا لا إِلَّاه للمؤْمنين به خالدًا شعبًا وأَرضًا وتاريخًا وحضارةً شعَّت على العالَم منذ فجر التاريخ. وهو هذا كذلك ما ذكره الشاعر الياس خليل في ارتجاله زجليةً من روائعه المحبوكة.

هكذا، كميل وسناء جبيلي جمَعَا إِلى حدائقهما في “جنَّة ميروبا” كلَّ لبنان، بطوائفه ومناطقه، شمالًا وجنوبًا وشوفًا وبقاعًا، فأَثبتا أَنْ هكذا لبنان، خارجَ حظيرة سياسيين فيه يحملون أَرزته المقدسة على بطاقة هُويتهم وعلى جواز سفرهم، ويُعلنُون انتماءَهم إِلى غير لبنان، وسياسيين آخرين يَجهلون ماضيه، وينكِّلون بحاضره، مهَيِّئين مستقبلًا فيه لنسْلهم كي يُبقوا سلالتهم السياسية في هيمنتها على مفاصل الدولة.

في “جنَّة ميروبا”، قبل أَيام، كان لبنانُ كلُّه صوتًا واحدًا، وإِيمانًا واحدًا، وانتماءً واحدًا إِلى لبنان الواحد الأَحد. وهي ظاهرة، إِذا تكرَّرت في كل منطقة من لبنان وتضمُّ مدعوِّين من عائلات لبنان الروحية والوطنية، نكون نبني لأَولادنا وطنًا يَعُونه ويعتزُّون بانتمائهم إِليه. فلبنانُ الآتي لا يُبنى بالمظاهرات ولا بالتظاهرات ولا بالاعتصامات ولا بالتصاريح ولا بالبيانات وثرثات “السوشال ميديا”، بل نبنيه بإِطلاق عقوبة واحدة في يوم واحد، يمتلكُها كلُّ لبنانيّ، هي التي تريحنا من ارتكابات اليوضاسيين. إِنها عقوبة صندوقة الاقتراع يوم الانتخابات، بعدم إِسقاط أَسمائهم فيها بل بإِسقاط كراسيهم عن أَكتاف المواطنين الببغائيين، حتى ينهارَ إِلى النسيان طقمٌ سياسيٌّ فاسدٌ، ويأْتي إِلى الحُكم لبنانيُّون جدُدٌ أَنقياء، هنا وفي العالَم، مبدعون في كل حقل، غير مستزلمين لزعيم القبيلة ولا لسيِّد العشيرة ولا لصاحب المزرعة ولا لأَولياء نعمة مُسمَّمة.

لبنان الآتي لا يبنيه إِلَّا من يَشهرون انتماءَهم إِلى مبارَكٍ واحدٍ تاريخيٍّ مكرَّس: لبنان اللبناني.

Exit mobile version