بَلاغَةُ الصمت… حين تكونُ الكلمة الأخيرة بلا حروف

الدكتورة إيمان عصام درنيقة*

تنفرد السيدة مريم عليها السلام بمكانة استثنائية في الوجدان الإنساني، فهي الشخصية الوحيدة التي تحظى بتقديس وحب عابر للأديان والطوائف، مما يجعلها “أيقونة السلام العالمي” و”الوعاء المشترك” للقداسة في علم اجتماع الدين. ففي المسيحية، هي “والدة الإله” (الثيوتوكوس)، رمز الطهر الأسمى والشفيعة المكرّمة لدى الطوائف كافة، وفي الإسلام، هي الصدّيقة المصطفاة على نساء العالمين، والمرأة الوحيدة التي ذُكرت باسمها الصريح في القرآن الكريم أربعًا وثلاثين مرة، بل وخُصصت سورة كاملة باسمها.

وفي عمق هذا الاحتفاء الروحي، يبرز مشهد “الانتباذ” والخلوة كأعظم تجسيد للصمود النفسي؛ إذ يفتتح القرآن الكريم هذا المسار في سورة مريم بقوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا}. من هنا، من هذا المكان “الشرقي” القائم على الانفراد والترفع، تأسست المحطة الأولى في مدرسة “الثبات الصامت” والسياسة النفسية لمواجهة الأزمات الحادة عبر حجب الكلام، حيث تحوّلت العزلة من مظنّة ضعف إلى أداة روحية جبارة مهدت لانتقالها من سكينة الخلوة إلى شموخ المواجهة بالصمت المطلق.

وهنا يبرز تساؤل فلسفي وعميق: هل تحتاج الحقيقة دائمًا إلى محامٍ يدافع عنها؟ أم أنَّ هناك معارك ومواقف يكون الترفع والسكوت فيها هما القمة الحقيقية للانتصار؟ وهل يمكن للحروف أن تكون أحيانًا عبئًا على النقاء، ليصبح “اللا جواب” هو الرد الأكثر بلاغة؟

لم تكن السيدة مريم تمثالًا من حجر، بل كانت نفسًا بشرية نقيّة تشعر بثقل اللحظة والخوف على السمعة أمام مجتمع لا يرحم، وهو ما تجلى في صرختها الوجدانية العميقة: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا}. هي لم تحجب الصوت بالكامل، لكن السر هنا يكمن في اتجاه الصوت؛ فهذه الـ”آه” البشرية لم تخرج لتتحوّل إلى شكوى للناس أو تذمُّر أمام مَن حولها، بل بقيت حبيسة خلوتها ومحرابها في مناجاة مع خالقها، ليتعلم الإنسان من هذا أنَّ الثبات لا يعني انعدام الوجع، بل يعني البوح أمام الله، والصمت أمام البشر، والترفُّع عن استجداء عطف الخلق.

ويمتد هذا الصمت العملي ليصبح سلوكًا حتى عند الولادة وحين اشتدَّ عليها الكرب وسط المخاض، عندما أُمِرَت بالسعي الجسدي الصامت في قوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ}؛ لم تدخل مريم في نقاشات مع ظرفها القاسي، ولم تقل إنها متعبة، ولم تشتكِ الوهن، بل تحاملت على ألمها وبذلت الجهد المطلوب منها في صمت تام مطبقةً أعلى درجات العزلة الاستشفائية في مكانها “القصي” بعيدًا من الآخرين.

وتتجلّى قوّة الصمت المريمي في ذروتها في أصعب مراحل الثبات الصامت لحظة مواجهة المجتمع بالاتهامات القاسية، حينها جاء التوجيه السماوي الصارم بـ “نذر الصمت” في الآية الكريمة: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}. لم تدخل السيدة مريم في سجال عندما واجهت قومها، ولم تحاول شرح براءتها ونقائها لعقول تملأها الظنون. ولم يكن هذا الامتناع ضعفًا أو عجزًا عن الدفاع، بل كان صمتًا استراتيجيًا موجَّهًا يتحدى الكلمات ويترفّع عن تبرير النقاء لعقول لا ترى إلّا السوء، وتفويضًا مطلقًا للحق ليأخذ مجراه من خلال وضع “نقطة حاسمة في آخر السطر”، متفادية الجدال مع مَن لا يستحق، وتاركةً المعجزة تتحدث عنها بصوتٍ أعلى من أيِّ برهان بشري.

لقد علمتنا السيدة مريم أنَّ الكلمة التي لا تُقالُ أحيانًا تكون أبلغ من ألف خطاب، وأنَّ الله ينطق الحقائق لمَن يتقن فن السكوت من أجله.

إنّ هذا الصمت المريمي يمثّل منهاج حياة نحتاجه بشدة في عالمنا المعاصر المليء بالنزاعات اللفظية، لما له من دورٍ حاسم في صيانة المهابة الشخصية وتحرير الروح من قيود الاستجداء. ففي حين يتبدّد التركيز وتُستنزَف الطاقة النفسية في ضجيج الشرح، يمنح السكوتُ المرءَ وعيًا أعمق يتيح له رؤية أبعاد الموقف التي يغفل عنها المتحدثون. وبدلًا من الاندفاع الانفعالي الذي يستهلك الوجدان، يتيح هذا التمهُّل وقتًا كافيًا لترتيب الشتات الداخلي، وحماية الذات من التورُّط في وحل النقاشات العقيمة، مُتيحًا توجيه هذا المخزون النفسي نحو العمل والإنجاز.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يُعد التبرير لمن بيّتوا النية لإساءة الظن هدرًا فادحًا للمشاعر؛ لذا، حين يمتلك الإنسان حقًا ناصعًا، فإنَّ حرمانَ الطرف الآخر من التعقيب يصبح هو الردُّ الأبلغ والبديل الأقوى عن المواجهة. إنَّ هذا الترفّع يعكس وعيًا عميقًا بأنَّ الصمت هنا ليس عجزًا عن مقارعة الحجة، بل هو تفويض مطلق لصاحب الحق، ورسالة بالغة بأنَّ الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ لكي تظهر.

ختامًا،

في عالمٍ يُقدس السرعة والمواجهة اللفظية، ويعتبر شهوة الردّ الفوري مقياسًا للذكاء والقدرة، بينما يرى الهدوء انسحابًا والامتناع عن الكلام قلة حيلة؛ يبرز الصمت المريمي كقوة حقيقية لا تكمن في فرض الرأي بالصدام والصخب، بل في إدراك أنَّ الكلمة الأخيرة قد تكون هي “الغياب المهيب” و”الصمت الواثق”.

إن مَن يملك اليقين بنقاء سريرته وعدالة قضيته لا يعنيه ضجيج المتخرّصين ولا تستفزه بذاءة الأحكام، بل يكفيه سلام الصمت؛ ذاك الصمت الذي يحوّل الهدوء إلى درع، والتجاهل إلى هيبة، والامتناع عن الكلام إلى انتصار مدوٍّ ينبثق من أعمق مساحات الروح ليقول كل شيء.. من دون أن ينطق بحرفٍ واحد.

Exit mobile version